النفط للجزائريين: شدّوا الأحزمة

النفط للجزائريين: شدّوا الأحزمة

لا يكترث الجزائريون كثيراً لما قد تؤول إليه أمورهم بعد هذا الانهيار الكبير في أسعار النفط، هذه الطاقة التي تشكل 98% من مداخيل البلد، لا يكترثون لأنهم في واقع الأمر لا يثقون بخطاب رسمي يتأرجح بين الدعوة لشد الحزام حيناً وبين التطمين بأن لا شيء سيتغير بالنسبة للبرامج التي باشرتها الدولة قبل أن تضع أسعار النفط هذه المخططات في دائرة الشك حيناً أخر.

عقب فشل منظمة الدول المصدرة للنفط في التوصل لقرار بخفض الإنتاج، دعا الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إلى اجتماع وزاري عاجل ومصغر ضم الوزير الأول عبد المالك سلال ووزير الطاقة ووزيري التجارة والمال، بدا فيه خطاب الحكومة متشائماً، ويوحي بأن هذه الأخيرة بصدد الدخول في سنوات عجاف، بعدما دعت لشد الحزام من خلال ترشيد النفقات.

اعلان


لكن البيان الصادر عن هذا الاجتماع المصغر لم يحمل في طياته تفاصيل عن الكيفية التي سوف تعتمدها الحكومة لأجل تطبيق هذه التدابير، باستثناء توقيف التوظيف في القطاع العمومي.

ترشيد نفقات الوزراء

أربك تدهور أسعار النفط الحكومة الجزائرية ووضعها في مأزق، فبعد احتياطي أجنبي لم ينزل عن مستوى 185 مليار دولار، حسب تصريحات محافظ بنك الجزائر (ذروة بلغتها في مارس 2014)، ومشاريع عملاقة يصب جزء كبير منها في خانة شراء السلم الاجتماعي على غرار البرامج السكنية التي أطلقت أخيراً، والتي بلغت مخصصاتها المالية عتبة 22 مليار دولار، هذا الارتباك لدى الحكومة خلّف لدى الشارع الجزائري شكلاً من أشكال اللامبالاة، المغلفة باستخفاف لا مثيل له.

عبد الرزاق، عامل مياوم، في الأربعين من عمره، يعيل أسرة من ستة أفراد، يختصر رأيه بشبح التقشف الذي بدأ يلوح في أفق الجزائر، بالقول: "لسنا مضطرين لأكل الياوورت (الزبادي) كل يوم"، وهي إشارة مريرة لما كان قد تفوَه به رئيس الحكومة الأسبق أحمد أيحيى، عندما أثيرت مشكلة القدرة الشرائية المتدنية لفئات كثيرة من المجتمع، فقال: لا يجدر بهؤلاء تناول علبة زبادي يومياً. وبرغم كون أيحيى قد تراجع عن قوله ذاك في لقاء ثان مع الصحافة فإن استخفافه بالمعوزين من أبناء جلدته جعل المواطنين في إحدى مدن الشرق الجزائري يقذفونه بعلب الزبادي الفارغة، عندما جاء للمشاركة في تجمع لمصلحة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة أثناء آخر حملة انتخابية خاضها في إبريل الماضي.

أمّا محمد، وهو في نهاية العقد الرابع، ويشتغل في قطاع الأعمال الحرة، فيرى أن تدابير التقشف لا تعنيه: "الذين سيتضررون هم أولئك الذين يعتمدون على مساعدات الدولة، أنا لم استفد طوال حياتي من أي دعم من الدولة". ويعيب محمد على الدولة مضيها في دعم مواد استهلاكية أساسية، دعم يستفيد منه ذوو الدخل الضعيف، تماماً مثلما يستفيد منه أصحاب الملايين.  فـ"بودرة الحليب التي تستوردها الدولة من الخارج وتدعمها ليكون سعرها في متناول البسطاء من المواطنين، هي مادة يستفيد منها الجميع بمن فيهم صانعو مشتقات الحليب وبالامتيازات نفسها".

ويذهب محمد حدّ اتهام الحكومة بكونها تفاضل في تقسيمها الثروة، عندما تنشئ طريقاً سريعاً كلّف نحو عشرة مليارات دولار، لمن يمتلكون سيارات فارهة في حين يضطر المئات من الأولياء إلى ترك أبنائهم يقطعون في بعض الأحيان عشرات الكيلومترات للوصول إلى المدرسة.

لكن الأمر يبدو من منظور يوسف العشرينيّ بسيطاً جداً، فالحكومة التي لا تخفي بذخ وزرائها وبرلمانيّيها حريَّ بها أن تبادر إلى ترشيد نفقات هؤلاء، خاصة من يسمون أنفسهم نواب الشعب في البرلمان الجزائري، والذين أشيع عنهم سعيهم للمطالبة برفع أتعابهم إلى ما فوق 300 ألف دينار جزائري (نحو 3400 دولار)، وهو ما يعادل 166 مرّة الأجر الأدنى المضمون. يجدر بالحكومة أن تبدأ بنفسها، يقول يوسف. ألا يبدأ المؤمن بنفسه؟ يتساءل بشيء من السخرية.

أما ربة البيت باية، فهي على حد تعبيرها متقشفة دونما استنفار من الحكومة، فمعاش زوجها المتقاعد يتطاير قبل أن يحين موعد المعاش الثاني، بين فواتير استهلاك الكهرباء والماء ومصاريف الأولاد الذين لا يزال بعضهم في المدارس. تقول باية إن الحكومة لا تأخذ في الاعتبار وجودنا نحن الطبقة الوسطى التي تلاشت وانحدرت إلى مستويات الفقر، لا يُنظر إلينا إلا كأصوات عندما تحين مواعيد الانتخابات، وعدا ذلك لا صوت لنا.

إيرادات النفط طارت

يرى الخبير المالي فرحات ايت علي أن ترشيد نفقات الدولة كان يجب أن تعتمده الحكومة الجزائرية في زمن رخائها، لكن الآن وأسعار النفط قد بلغت هذه المستويات فلا بديل من اتخاذ تدابير التقشف. لكن هذا الخيار، يضيف ايت علي، لا يلقى الإجماع حتى في بلدان اقتصادها أكثر تقدماً. في حالة الجزائر ستسعى الحكومة في هذه الظروف للبحث عن مداخيل أخرى من خلال فرض جباية فاحشة تقوض إنتاجية الاستثمارات، كما ستضطر إلى مراجعة قيمة الدينار على أمل تعويض الفرق بينه وبين العملات، وسترفع من قيمة الفوائد على القروض للحد من حجمها. وهي إجراءات ستؤدي، في نظره، إلى مزيد من التضخم الذي سيفضي إلى ركود ستكون له مضاعفات اقتصادية واجتماعية مستقبلية.

ويدق فرحات ايت ناقوس الخطر، لأنه إذا لم تتخذ الحكومة الجزائرية تدابير لإعادة هيكلة اقتصادها في أجل أقصاه العام 2017، فستجد نفسها في وضع عدم القدرة على السداد، خاصة إذا استمرت أسعار النفط في التراجع خلال سنة جبائية أخرى. فـ"الدولة وضعت يدها على الجزء الأكبر من الريع النفطي، ولها وحدها تؤول مهمة توزيعه دون أدنى رقابة من مكونات المجتمع الجزائري الأخرى". وهذا ما أدى إلى "خلق إدارة لا أفق لها سوى استهلاك الريع الذي نجم عنه احتياجات ضخمة وغير مفهومة لدى هذه الإدارة".

وإذا كانت أصوات الاقتصاديين في الجزائر لا تزال خافتة، فقد بدأ بعضهم يهمس بأن أزمة تراجع أسعار النفط لن تكون برداً وسلاماً على اقتصاد البلاد ولا على معيشة المواطنين الذين يستوردون أغلب ما يستهلكون. من هذا المنطلق، يُطرح السؤال الآتي: كيف ستؤثر خطط خفض الدينار على القوة الشرائية للجزائريين الذين استوردوا خلال العام 2013 ما مقداره 10 مليارات دولار من المواد الغذائية حسب إحصاءات الجمارك الجزائرية؟

الصورة من أ ف ب

كلمات مفتاحية
الجزائر

التعليقات

المقال التالي