غزة تتاجر بالطيور أيضاً

غزة تتاجر بالطيور أيضاً

بصعوبة بالغة اتفقنا على موعد مع عادل أبو مطلق أحد مستوردي ومربي الطيور في غزّة. كان قد تسلم دفعة وافرة من الطيور، وصلته من أحد المعابر التي تسيطر عليها إسرائيل، ويسمح بدخول البضائع عبرها إلى قطاع غزّة.

كثير من مربّي الطيور وصغار التجار والهواة يقصدون بيت أبو مطلق لشراء أنواع من الطيور، أو لمشاهدة الجديد منها، الذي يفوق قدراتهم الشرائية.

محمد أبو دراز، أحد مربّي طيور الزينة والمترددين إلى مزرعة أبو مطلق، يقول لرصيف22: "لديّ مزرعة صغيرة هي عبارة عن غرفة فوق سطح المنزل، مخصّصة للطيور. تحتوي على أزواج من الحمام الإسكندراني والدجاج البدو وبعض العصافير. أتابع كل ما هو جديد في عالم الطيور، خاصة تلك التي تدخل إلى قطاع غزّة. هناك أنواع أحب اقتناءها إلا أن أسعارها مرتفعة تفوق قدرتي المادية". يعلق ممازحاً "أحب رؤية الطيور والاستماع إلى أصواتها، وتمضية معظم الوقت بالقرب منها".

بدأ عادل أبو مطلق بتربية الطيور من 8 سنوات، وهو موظف في حكومة رام الله، لكنه لا يداوم بسبب الخلافات السياسية. لا يمضي يوم من دون أن يشرب قهوته الصباحية بين طيوره، على مزيج من أصوات متنوعة، يضفي على صباحه مذاقاً فريداً. عندما تدخل بيته الصغير تجده محاطاً بالأقفاص وتسمع أصوات العصافير والبط والحمام وغيرها فتشدك هذه الطيور بأصواتها المتنوعة وألوانها الجذابة.

مع انتشار الفقر والبطالة اللذين بلغا معدلات مرتفعة، تزايدت تربية طيور الزينة في القطاع المكتظ سكانياً (1,7 مليون نسمة)، وتزايد الهواة والتجار على السواء. يقول المهندس نزار الوحيدي المدير العام لوحدة الإرشاد الزراعي في وزارة الزراعة الفلسطينية لرصيف22، "إن تربية طيور الزينة تعدّ هواية جميلة تستأثر باهتمام الشباب، عدا أنها أصبحت مصدر دخل لكثير من العاطلين عن العمل".

ليس هنالك في القطاع مؤسسة للاهتمام بهؤلاء المربين، أو حتى لحصر عددهم. يقول الوحيدي إن "وزارته لا تهتمّ بهذا القطاع الذي أخذ في الانتشار في غزّة، برغم تقاطعه مع اهتماماتها بالحيوانات والدواجن المرتبطة بالعمل الزراعي إذ أصبح لهذه الطيور سوق تجارية ومحالّ ومورّدون، وبذلك لا تعتبره الوزارة من صلاحياتها، فتكتفي بتقديم خدمات البيطرة وفحصها أثناء الدخول عبر المعابر الإسرائيلية".

الطير الإسكندراني بـ1800 دولار

يستورد تجار غزّة الـ10، الذين نالوا ترخيصاً والمعتمدون لدى وزارة الزراعة، عبر علاقاتهم الخاصة مع تجار من الضفة الغربية والقدس المحتلة ومن دول أوروبية، بينها ألمانيا،أنواعاً متعددة من هذه الطيور التي لا يسمح لها بالدخول إلى القطاع، إلا عبر المعابر التي تسيطر عليها إسرائيل.  يشير أبو مطلق إلى أنّه يستورد "أنواعاً محدّدة وخاصة من الطيور، إذ سبق أن اشتريت نوعاً إسكندرانياً بـ1800 دولار". ويضيف: "هناك داخل المزرعة حمام إفريقي ودجاج كوشني وحمام من نوع كرير حلبي، وكشكات بدون منقار، فضلاً عن هزار روسي، وملطيس مستورد، وحمام بطريق أزرق اللون، وآخر أسود".

وبرغم ارتفاع أسعار هذه الطيور إذ يصل سعر الطائر إلى حوالى 2000 دولار، هناك من يشتريها، رغبة في اقتنائها والتمتع بجمالها أو رغبة في الاهتمام بها وتالياً بفراخها، وبيعها لغايات تجارية.

الفيسبوك كوسيلة تسويق للطيور

بسيوني الرجبي هو أيضاً أحد موردي طيور الزينة من القدس إلى غزّة، يقول إن تجار غزّة يتصلون به لسؤاله عن الطيور. كما أن حسابه على موقع الفيسبوك يطلعهم على الجديد من الطيور في الأسواق عبر الصور، وتتم التوصية عليها، ومن ثم إرسالها إلى التجار.

ليس بإمكان تاجر الطيور رامي أبو شقرا، تفحص الطيور إلا بعد مشاهدتها عبر الصور التي يوفّرها الرجبي، الذي يثق به. يقول: "برغم تعاملي معه منذ سنوات، فلم نلتقِ بعد. خطّطنا أكثر من مرة لأن نلتقي في السعودية أثناء مناسك العمرة ولم نوفق إلى ذلك بسبب الاحتلال". فمنذ العام 2006 تمنع إسرائيل تصدير أي نوع من الطيور الحية من قطاع غزّة إلى الضفة الغربية أو القدس، مخافة انتشار مرض "انفلونزا الطيور" في أراضيها، الذي كان منتشراً في ذلك الوقت في مصر المجاورة للقطاع، وهذا ما تسبب بإلحاق خسائر كبيرة لدى مربي طيور الزينة والمتاجرين بها.

تحسين السقا، مسؤول ملف استيراد الطيور في وزارة الزراعة، يقول لرصيف22: "غزّة تستورد الطيور من إسرائيل والضفة الغربية وألمانيا، إلا أنها لا تصدّر طيوراً إليها. في العام 2013، دخل غزّة عبر المعابر الإسرائيلية 4161 طيراً بين كناري وحمام زينة وببغاء...  وخلال العام 2014 وصل العدد إلى أكثر من 2000 طائر زينة".

يرى الوحيدي أن الاهتمام بهذه الطيور يعكس حب الفلسطينيين امتلاك الأشياء الجميلة علماً أن الطيور أصبحت أيضاً وسيلة للرزق.، يضيف" هناك حاجة للتفكير في هذا القطاع الآخذ في الازدهار حتى باتت له أسواق ومحالّ تجارية".

غزّة ملجأ للطيور المهددة بالانقراض

ويعتبر قطاع غزّة مساراً هاماً للطيور المهاجرة في رحلة تبدل الفصول، فموقع وادي غزّة يعدّ من أكبر المواقع الطبيعية التي تضم عشرات الأنواع من الطيور الإقليمية والعالمية المهددة بالانقراض، والتي تأتي إلى القطاع خلال مواسم الهجرة، كطير الفر السُماني أو النورس الصغير، والحسون الجميل وغيرهما. وبحسب مختصين، يوجد في قطاع غزّة نحو 300 نوع من الطيور والحيوانات البرية،  خاصة شرقي وادي غزّة.

يعيل أبو مطلق، عبر تربية الطيور والاتجار بها، أسرة من خمسة أشخاص. وتضم مزرعته أنواعاً متعددة من الحمام والدجاج والطيور، منها البرازيلي والإفريقي والصيني والألماني والروسي، فضلاً عن الطواويس والبط الملون والكناري، يبيعها غالباً للمربين والتجار الصغار.

ميرفت أبو جامع

صحافية وباحثة ومحاضرة جامعية فلسطينية، ومدربة في الإعلام وقضايا المرأة. مساهمة في عدد من الصحف والمواقع العربية،والفلسطينية. تحمل ماجيستير في الإعلام الحديث وليسانس صحافة وإعلام.

التعليقات

المقال التالي