مشاهدات خبير اقتصادي في بلاد فارس

مشاهدات خبير اقتصادي في بلاد فارس

ثمة معلومات شحيحة جداً عن إيران، حتى إنك لا تستطيع العثور على سوق طهران للأوراق المالية على موقع بلومبيرغ. علماً أن الرسملة السوقية لهذه البورصة تبلغ 170 مليار دولار، بدورة رأسمالية يومية قيمتها 150 مليون دولار، على الرغم من انعدام المساهمة الأجنبية، إذ تقوم كلها على ظهر صناديق الاستثمار المحلية والمستثمرين الأفراد. فمضاعف السوق Market Multiple يراوح ما بين 4 إلى 6، والمردود السنوي للأسهم 20% في العادة. ليس هناك سوق للسندات، وقليل من الدين. بناتج محلي إجمالي قيمته أكثر من 400 مليار دولار – أي ان حجم اقتصادها يراوح ما بين اقتصادي تايوان وتايلاند - وبكتلة سكانية تعدادها 82 مليوناً، وتوزع جغرافي قوي للعمالة الرخيصة والمتعلمة بشكل جيد، فضلاً عن قاعدة صناعية متطورة، خصوصاً على مستوى السيارات وقطع غيارها، إلى جانب الإمكانات السلعية الكبيرة، في ظل جميع هذه المعطيات، تبقى فرص الاستثمار في اقتصاد حيوي من هذا النوع قوية، بصرف النظر عن العقوبات. لكن في غياب أي اتفاق على المسألة النووية، فإن أي انخراط لا يمكن أن تضطلع به مؤسسة منظمة، وسيكون فردياً بصورة كلية، غير أن ما شاهدناه في هذه الرحلة الأولية أثار اهتمامي.

بدت لي إيران واحة من النظام واللطف والتسامح، في جوار زاخر بالتعقيدات. تجاهلوا ما يقوله نتنياهو: السنّة لديهم قنبلة نووية أصلاً في باكستان، وهو خطر أكثر إلحاحاً من أجهزة الطرد المركزي في منشأة نتانز. فقد دخلت إيران بهدوء إلى جنوب العراق لحماية المواقع الشيعية المقدسة في النجف وكربلاء من تقدم قوات الدولة الإسلامية مبعدة الجهاديين إلى الشمال، حيث تقوم طائرات الـF16 الأسترالية برمي صواريخ بملايين الدولارات وعلى مرأى من الحدود التركية، الأمر الذي لم تقع خسارته على إيران. فإذا فشل الاتفاق النووي خلال الفترة الممدّدة، فإن التفاؤل المتولد من استعداد الرئيس الإيراني حسن روحاني للتفاوض سيتبدّد. لكن، على المدى الطويل، فإن النقاشات الجيو – إستراتيجية تبدو بديهية، كذلك الأمر بالنسبة إلى الفوائد الاقتصادية المرتفعة لكل الأطراف التي قد تنبع من الاتفاق.

الرحلة

الساعة الثالثة فجراً في ليلة حارة في مطار شيراز، ومجموعة من النساء الفرنسيات يعدن ترتيب أغطية رؤوسهن بتوتر ظاهر، أمام نظرات حاقدة لرجل شرطي، أضفت ترحيباً فاتراً على زيارتنا للجمهورية الإسلامية.

طوال عشرة أيام قدنا السيارة حوالي 2000 كيلو متر، حيث انطلقت رحلتنا من شيراز شمالاً بسيارة بيجو بلا مكيف للهواء، وبكوابح ضعيفة، وذلك عبر أراض قاحلة وشبه صحراوية، قاطعين سلاسل جبال عديدة. البنية التحتية كانت جيدة، الطرقات السريعة بحالة جيدة ومراقبة أيضاً ومنظمة في 6 خطوط. خط سكة الحديد من شيراز إلى طهران يبدو محسّناً وقليل الاستعمال، فضلاً عن خطوط مترو جديدة قيد الإنشاء في أصفهان وقم وشيراز، تدل على درجة من التخطيط المدني والتبصّر غير مألوفين في جنوب شرق آسيا ومعدومين في الهند. الحركة التجارية من الخليج وإليه كانت كثيفة، عبر شاحنات مرسيدس قديمة أضيفت إليها سيارات سكانيا Scania الأحدث وفولفو. سياراتنا أيضاً كانت مماثلة، سيارة بايكان المحلية والموديلات الفرنسية القديمة، بينما كانت السيارات الحديثة دوماً إمّا هيونداي أو كيا المهيمنتين تماماً على طهران. حول نتانز، النشاط العسكري في كاشان كان كثيفاً، ونُصحنا بعدم محاولة تصوير المرافق المضادة للطائرات! حركة البناء الخاصة كانت قوية جداً في كل مدينة عبرناها، حيث التركيز على المجمعات السكنية والأبنية التجارية الصغيرة. في مناطق التسوق، حركة المشاة كانت كثيفة بشكل دائم، على الرغم من أن نوعية المعروضات بدت فقيرة، فيما طرقات الأسواق في بازار طهران لا يمكن اختراقها لكثافة الناس فيها. المساجد، على النقيض من ذلك، بدت مهجورة، مفتوحة أمام مجموعات من السياح.  أزياء النساء بدت بصعوبة على المغلفات، وكثيرون ما كانوا لينظروا على نهاية شارع أوكسفورد لولا التصريحات الممتعة للملالي الأصغر سناً في قم.  انفقنا كمية معتبرة من المال على حلوى النوغة، تصنف حسب محتواها من الفستق، فضلاً عن البقلاوة.

الطعام كان جيداً، لكنه ملآن بالدهون، ولائحة الخيارات مملة: عصير ليمون، رمان، جوز، لبن معبأ سلفاً، بندورة، خيار، لحم الخراف والدجاج، ونادراً يضاف إليها زيت الزيتون، لكن لا فلفل على الدوام. المطاعم والمقاهي مكتظة عادة، فاضطررنا لانتظار خلو مائدة للجلوس. الكحول غير موجود، فضلاً عن، وهذه مفاجأة، القهوة، أقله قبل الثالثة ظهراً، إذ تقدم الفنادق النسكافيه فقط، بينما المقاهي التي تلعب دور البارات تفتح بعد الظهر حيث تستمر المغازلة المسموح بها حول قوالب الحلوى حتى منتصف الليل.

البنية التحتية للفندق الذي أقمنا فيه بسيطة، والخدمة على النمط السوفياتي تقريباً (فندق "هما" جزء من أكبر سلسلة فنادق في إيران، هو في الأصل قاعدة جوية مملوكة للدولة)، لكن مع ارتفاع عدد السياح السريع، وهو بلغ 5 ملايين في العام حسب المعدلات الحالية، بقيت الحجوزات قليلة جداً والأسعار مرتفعة. في كاشان مررنا قرب مشاريع واعدة للقطاع الخاص. طهران لا تُوفّر لها خدمات بشكل جيد.

يجب تسليط الضوء على حرارة الاستقبال من كل الفئات العمرية. عفويته، خصوصاً الشباب، كانت صادمة. ثمة أحياناً ميل تجاري يثير التحفظ: إذ فيما كنت أمارس الركض في ساحة نقش جهان في أصفهان كنت أُسأَل بصورة مهذبة مع كل دورة هل كنت تفضّل مشاهدة السجاد؟ (لن تجدوا أحداً آخر يركض في إيران، والشورتات محظورة).

فيما البرقع منتشر في كل مكان، تتراجع الأغطية عن مقدّمة الرؤوس بين الشابات. عمليات التجميل مزدهرة، مع عدد مذهل من عمليات الأنف بارزة على وجوه الجنسين، وأخيراً، بازار للمانجا اليابانية المعروضة بفخر.

كانت زيارتنا أثناء محرم، الشهر الأول من الروزنامة الإسلامية، بعد فترة قصيرة من انتهاء الاحتفال بذكرى عاشوراء.

التقينا عدداً من الناس، بشكل رسمي في طهران، وغير رسمي في مقاهي أصفهان ويزد، وتحدثنا عن إيران كدولة ما بعد إسلامية، وكانوا يزدرون بثقة المساجد والقيود الدينية. سائقنا، الذي أمضى 8 سنوات أسير حرب في العراق، حيث تعلّم الإنكليزية والفرنسية والعربية، ينتمي إلى الجيل الذي واجه الشاه، والذي تحمّل وطأة الحرمان في الحرب العراقية لكنه بقي ورعاً. لا اختلاط كبيراً بين الأجيال كما لاحظت بشكل محرج خلال غداء في ديفان، أحد أغلى المطاعم في طهران، حيث ذهبنا لنحتفل بنهاية رحلتنا.

زيارتنا الأخيرة كانت إلى قصر الشاه، وقصر والده، الواقعين في منحدرات عالية شمال طهران. القصران، للمفارقة، معتدلان في الحجم ويدلان على ذوق رفيع، وجلنا في غرفهما حيث أقام جيمي كارتر وديغول وتاتشر. قررنا في اللحظة الأخيرة أن نزور متحف الخميني، المحاذي للمطار الدولي. استغرق بناؤه  15 عاماً، وهو عبارة عن بناء ضخم، يعدّ أكبر من ستاد ويمبلي ولا يزال يتوسع، غير أنه أيضاً نصب غير متواضع إطلاقاً للرجل العجوز الذي جلب الثيوقراطية لإيران. القوة والغطرسة تسيران جنباً إلى جنب، أياً كان النظام.

الصورة من وكالة الأنباء الفرنسية.

التعليقات

المقال التالي