أزمات 2014 تظلّل توقعات لبنان الاقتصادية لـ2015

أزمات 2014 تظلّل توقعات لبنان الاقتصادية لـ2015

يودّع لبنان العام 2014 باقتصاد منهك بسبب الأزمات السياسية المتتالية منذ تسع سنوات وتداعيات الثورة السورية، التي بدأت في 2011 وما لبثت أن انقلبت شبه حرب أهلية. فقبل أيام حافظت وكالة التصنيف الدولية فيتش Fitch على نظرتها المستقبليّة "السلبية" تجاه تصنيف لبنان الائتماني، كما أبقت على تصنيفها الائتماني الطويل الأمد بالعملة الوطنيّة والعملات الأجنبيّة عند B. وأشارت إلى أن الأزمات السياسية في المنطقة، خصوصاً الحرب في سوريا، لا تزال تحول دون رفع تصنيف لبنان، نتيجة تأثيرها السلبي في استقراره السياسي والاقتصادي. كذلك توقعت أن يبقى العجز في المالية العامة في مستوى نهاية 2013، عند 9.3% من الناتج المحلي الإجمالي نتيجة تكاليف اللجوء السوري.

وقبل ذلك بأيام، خفضت وكالة موديز Moodys الدولية للتصنيف الائتماني رتبة ديون لبنان بالعملات الأجنبية إلى B2 من B1 وترتيب الديون بالليرة اللبنانية إلى Ba2 من Ba1، مرفقةً القرارين بنظرة مستقبلية سلبية. وعزت السبب إلى زيادة في مقاييس الدّين الحكومي وتداعيات الأزمة السورية على المالية العامة في لبنان والنمو الاقتصادي للبلاد واستقرارها السياسي.

اعلان


وكان وزير المال علي حسن خليل، أعلن في أكتوبر الماضي أن وزارته تسعى إلى الحصول على موافقة البرلمان على إصدار سندات دولية مقدارها 4.4 مليارات دولار لتغطية حاجات الدولة خلال ثلاث سنوات، مشيراً إلى أن الحكومة تعتزم إصدار سندات مقدارها 450 مليون دولار قبل نهاية 2014. ويبدو أن الأمر أُجّل إلى مطلع العام المقبل مع دخول أسواق المال العالمية في تباطؤ بسبب الأعياد، فيما يواصل مصرف لبنان (المركزي) إصدار سندات بالليرة أسبوعياً، مع تدخّله شارياً في الأسابيع الأخيرة لأن مشتريات المصارف لا تغطي الإصدارات كلها.

وفيما لبنان منهمك بتسيير أعمال مؤسساته الدستورية بالتي هي أحسن وسط خلاف سياسي مستفحل يبقي منصب الرئاسة شاغراً، إذ يفشل البرلمان الذي ينتخب الرئيس في تحقيق النصاب المطلوب لذلك، منذ انتهاء ولاية الرئيس السابق ميشال سليمان في مايو الفائت، ويمنع التوصل إلى اتفاق على قانون ناظم للانتخابات البرلمانية، وهذا ما جعل البرلمان يمدّد لنفسه ولاية ثانية من أربع سنوات... في ظلّ هذا كلّه، بلغ عدد اللاجئين السوريين إلى لبنان 1.5 مليون شخص، وفق تقديرات البنك الدولي. ويعادل هذا الرقم حوالى ثلث سكان البلاد.

ولفت تقرير أصدره أخيراً البنك الدولي، ومحوره تداعيات الأزمة السورية وقيام "الدولة الإسلامية" في العراق وسوريا والحرب الدولية عليها، إلى أن خسائر الفرد اللبناني في مجال الرفاه الاجتماعي تُقدَّر بحوالى 11%، في حين لا تتجاوز هذه النسبة الـ1.5% في كل من تركيا ومصر والأردن، لأن نسبة اللاجئين السوريين مقارنة بعدد السكان هي أعلى في لبنان منها في أي بلد آخر في المنطقة. ولا تفوق النسبة اللبنانية أي نسبة أخرى في المنطقة إلا في سوريا والعراق حيث بلغت 14 و16% على التوالي.

ووفق التقرير المذكور آنفاً "لا تمثل التأثيرات في الرفاه في المتوسط مؤشراً إلى ما يجري داخل كل بلد. ففي سوريا، تضررت الأطراف الفاعلة في الاقتصاد كلها، لكن خسارة أصحاب الأراضي كانت الأكبر، إذ انخفض الطلب على الأراضي بحدة نتيجة تدفق اللاجئين إلى خارج البلاد. وعلى النقيض من ذلك، ففي لبنان وتركيا استفاد أصحاب الأراضي والأصول في حين خسر العمال، لأن تدفقات اللاجئين زادت نسبة الطلب على السلع والخدمات وخفضت الأجور بسبب زيادة المعروض من العمالة". وبسبب انهيار التجارة الإقليمية في ضوء الحرب السورية وقيام "الدولة الإسلامية" والحرب الدولية عليها، تقلصت خدمات الأعمال في لبنان 10% وقطاع الاتصالات 14%. وفي المقابل، "يسجل الأردن ولبنان، في الواقع، توسعات في قطاعات اقتصادية استجابة لأثر اللاجئين في الطلب على السلع والخدمات والمعروض من العمالة". وبلغت القفزة في الإيجارات العقارية في لبنان 40%، مقارنة بـ2% في تركيا.

آثار الحرب السورية على نصيب الفرد من الناتج المحلي والإجمالي

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي في لبنان حوالى 1.5% سنة 2014 ارتفاعاً من 0.9% سنة 2013. وعلى الرغم من الجهود التي بذلها مصرف لبنان دفعاً للاقتصاد باعتماده سياسة نقدية متساهلة، يُتوقَّع أن ينخفض معدل التضخم إلى 1.5% في 2014 نتيجة لفجوة الإنتاج السلبي المتسعة. ويؤدي هذا المزيج من انخفاض الإيرادات وارتفاع النفقات العامة إلى اتساع العجز الكبير أصلاً في موازنة الدولة بواقع 2.6 ملياري دولار من 2012 إلى 2014. وفي نهاية 2014، قد يقع حوالى 170 ألف لبناني آخر في براثن الفقر (بالإضافة إلى المليون فقير حالياً). ويتُوقَّع أن يصبح ما بين 220 و320 ألف مواطن لبناني، معظمهم من الشباب العديمي المهارات، في عداد العاطلين من العمل.

وخلال زيارة مسعود أحمد، رئيس إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي إلى بيروت هذا الشهر، توقّع أن يبقى نمو الناتج المحلي الإجمالي تحت 2% خلال 2014، "وهي نسبة غير كافية لتترك أثراً مادياً في البطالة والفقر المتفاقمَين في لبنان". ونوّه بتحقيق فائض أولي طفيف في المالية العامة، بفضل تحويلات غير متوقعة من عائدات قطاع الاتصالات وتطورات أخرى يرحب بها الصندوق عادة، على الرغم من تداعياتها الاجتماعية السلبية، مثل انخفاض الإنفاق الرأسمالي وتجميد وضع سلسلة الرتب والرواتب للقطاع العام موضع التنفيذ. ففي غياب إجراءات مستدامة لتصويب المالية العامة في لبنان في شكل مستدام سيواصل الدَّين العام نموه ليصل إلى 140% من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية 2014، بحسب رأي مسعود. وهذا أمر لفتت إليه موديز إذ أشارت في البيان الذي أعلنت فيه خفض التصنيف الائتماني للبنان إلى أن البلاد "تمكنت سابقاً من التعامل مع مستويات أعلى من الدَّين، فنسبة الأخير إلى الناتج المحلي الإجمالي بلغت 175% في 2006، لكن الأزمة السياسية المحلية تشكل تحدّياً لتماسك المالية العامة".

كلمات مفتاحية
لبنان

التعليقات

المقال التالي