الصناعة في المغرب العربي: خطوة الألف ميل

الصناعة في المغرب العربي: خطوة الألف ميل

تنفذ دول شمال إفريقيا خططاً ومشاريع مختلفة للصناعة والتصنيع، في مسعى لتحديث آليات الاقتصاد المحلي وجلب الاستثمارات الأجنبية والتغلب على بطالة الشباب، التي تشكّل أحد أكبر التحديات الاجتماعية في المنطقة، والتي كانت سبباً مباشراً في اندلاع الربيع العربي من جنوب تونس قبل أربع سنوات.

ويبدو المغرب أكثر دول المنطقة طموحاً نحو تطوير الصناعة وإنشاء قواعد عصرية للتصنيع، بعضها بإرادة ذاتية وبعضها الآخر في إطار تعاون ثنائي ودولي، على غرار ما كانت تقوم به اليابان مع جارتها كوريا الجنوبية، أو بين الولايات المتحدة والمكسيك أو بين ألمانيا واسبانيا. ويسعى المغرب إلى رفع حصة الصناعة إلى نحو 24% من الناتج المحلي الإجمالي مطلع العقد المقبل من أصل 13% العام الماضي، وإحداث ما يزيد على نصف مليون وظيفة جديدة ذات كفاءة وفائض قيمة لتشغيل آلاف التقنيين والمهندسين والخبراء.

وتمّ استحداث صندوق للتطوير الصناعي على غرار التطوير العقاري والزراعي والسياحي، برأسمال 2.23 مليار دولار لتشجيع الشباب على إقامة مشاريع صغيرة ومتوسطة، تعمل في شراكة مع شركات أكبر، فضلاً عن منح أراضٍ صناعية بهدف تحقيق نوع من الاندماج والتكامل والتعاون بين الشركات المحلية والوطنية، وصولاً إلى المجموعات الصناعية الكبرى. وسيسمح الصندوق بتعزيز مكانة الصناعة في الاقتصاد، وعصرنة القطاع وتطوير قدرته على الحلول محل المنتجات المستوردة. ويمثل الصندوق، حسب تقرير موازنة 2014، فرصة فريدة لتحديث الصناعة المغربية وإعادة هيكلة التنافسية وجلب الاستثمار وزيادة حصّة المغرب من الأسواق الخارجية.

وقد حُدّدت ثمانية أنواع من الصناعات يرغب المغرب في امتلاك الريادة فيها قاريّاً وعربياً، هي: صناعة السيارات، صناعة أجزاء الطائرات وعربات القطار السريع، صناعة مواد البناء والإنشاء والأشغال الكبرى، الصناعات اليدوية التقليدية والانتيكا، صناعة الملابس الجاهزة، الصناعات الغذائية الزراعية والبحرية، الصناعات الالكترونية والتكنولوجيات الحديثة، الصناعات الكيماوية، الفوسفات والصيدلية والطبية والنووية.

وبرغم اختلاف مكانة كل قطاع داخل المنظومة الصناعية الجديدة، فإن الرهان قائم على تطوير الصناعات الأكثر جلباً للاستثمارات الأجنبية، والأكثر قدرة على غزو الأسواق الخارجية وتحقيق التنافسية والإبداع المحلي.

11 شركة عالمية إلى المغرب
وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية حققت صناعة السيارات طفرة في مدينة طنجة على البحر الأبيض المتوسط، حيث تملك مجموعة رينو الفرنسية، بشراكة مغربية، مصنعاً ضخماً هو الثاني من نوعه خارج الاتحاد الأوربي. وينتج حالياً 350 ألف عربة سنوياً من نوع داسيا بأربعة موديلات تسوق في دول أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا. ويتطلع المصنع الذي ينتج سيارة كل نصف ساعة إلى إنتاج 450 ألف وحدة سنوياً في العام 2016. وتشارك الخبرة المغربية بنحو 45% من مجموع مكونات الإنتاج وقطع غيار السيارة، وسيتمّ رفع هذه الحصة إلى 65% خلال العامين المقبلين، على أن ينتج المغرب سيارة كاملة ذات محرك من أصل مغربي قبل نهاية العقد الجاري.

وتدرس رينو- نيسان إمكان تصنيع جيل جديد من السيارات الصغيرة المنخفضة الكلفة في مصانع طنجة، موجهة إلى الأسواق الناشئة ودول المنطقة وداخل الاتحاد الأوروبي، ويكون سعرها زهيداً ومُقتصِدة في استهلاك الوقود وحجمها صغيراً للمرور في الشوارع المختنقة. وقالت رينو إن مصنعها في شيناي في الهند سيشرع قريباً في إنتاج هذه السيارة التي لن يتعدى سعرها أربعة آلاف دولار، وسيتقرر تصنيعها في المغرب لاحقاً، حسب الطلب الإقليمي على السيارات الصغيرة.

وقدرت صادرات السيارات المغربية بـ33 مليار دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من العام 2014، بزيادة نسبتها 31%، تليها الصناعات الغذائية بـ3.34 مليار دولار وصناعة الملابس بـ3 مليارات دولار

يبدو حفيظ العلمي، وزير الصناعة والتجارة والاستثمارات الخارجية والاقتصاد الرقمي، واثقاً من تحقيق أهداف خطة النهضة الصناعية. يقول لرصيف22، وهو صاحب مشروع التصنيع المغربي الذي قدمه إلى الملك محمد السادس، إن عشرات الشركات الصناعية الكبرى تتفاوض للدخول إلى سوق الإنتاج في المغرب، بينها شركات أمريكية وصينية ويابانية وأوروبية، يعمل بعضها في صناعة السيارات والطائرات وقطع الغيار، وبعضها الآخر في مجال إنتاج الصلب والحديد.

يتوقع العلمي أن تنتقل بعض فروع الشركات الصينية إلى المغرب في الأعوام القليلة المقبلة، ليكون المغرب مكملاً للصناعة الصينية في بعض المجالات. ويذكر 11 شركة لصناعة السيارات ستفتح فروع تصنيع في المغرب بينها فولكس فاكن الألمانية وفورد الأمريكية ونيسان اليابانية وفولفو السويدية، التي أعلنت إنشاء جامعة لصناعة مهن السيارات في المغرب بالاشتراك مع معاهد أمريكية، وذلك على هامش قمة القيادة العالمية التي احتضنتها مراكش الشهر الماضي في حضور نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن.

تصنيع أجزاء طائرات
وعلى بعد 400 كلم من مصانع السيارات في منطقة مالوسا على البحر الأبيض المتوسط قبالة الشواطئ الأوروبية، اختارت مجموعة بومبارديه أيروسبيس الكندية إنشاء أول مصنع لها في قرية ميدبارك الصناعية، غير بعيد من مطار محمد الخامس الدولي جنوب الدار البيضاء. ويعتبر مصنع المغرب الثاني للمجموعة بعد بلفاست في إيرلندا الشمالية.

وسيُفتتح المصنع مطلع العام 2015 لإنتاج أجزاء من طائرات سي ار جي 700 C R J 700 الموجهة إلى رجال الأعمال وكبار الشخصيات. وأعلنت بومبارديه التي استثمرت 200 مليون دولار في مصنعها المغربي أنها تنوي توسيع استثماراتها في المغرب في المستقبل لتصنيع أنواع أخرى من الطائرات المستعملة لأغراض مختلفة.

وتصنع طائرات بوينغ الأمريكية قطع غيار موديلات 777 ودريمار 780 في المغرب في الدار البيضاء، وهي تركّز أساساً على الأحبال الكهربائية والمعدّات المرتبطة بالمقصورة، وتعتبر مصانع الدار البيضاء امتداداً إفريقياً وعربياً لمصانعها في سياتل في ولاية واشنطن.

وتحظى ايرباص الأوروبية بحصة الأسد في صناعة أجزاء الطائرات في المغرب عبر فرعها اوروليا الذي أعلن استثمار 49,056,000 دولار إضافية في ميدبارك في الدار البيضاء. ورد الرئيس المدير العام للشركة الفرنسية سيدريك غوتيه اختيار المغرب لإنشاء المصنع إلى ثلاثة أسباب، القرب الجغرافي وامتلاك الخبرة والتجربة والاستقرار الاجتماعي.

التنافس المغاربي
وبرغم سعي كل دولة مغاربية إلى تجربة التصنيع، فإن التنافس عوض التكامل هو الطابع السائد خاصة بين الجزائر والمغرب، مع وجود تعاون مقبول بين تونس والمغرب بسبب قرب التشريعات والانفتاح على الاتحاد الأوروبي والعضوية في منظمة التجارة العالمية والعلاقة مع البنك الدولي والمؤسسات المالية الدولية.

وكانت الجزائر افتتحت الشهر الماضي أول مصنع لإنتاج السيارات الخصوصية في مدينة وهران غرب البلاد، مجهز لإنتاج 25 ألف وحدة من طراز سيمبول (رمز) تنفذه شركة رينو الفرنسية، وهو موجه كله إلى الاستهلاك المحلي، إذ تحتاج الجزائر إلى حوالى 400 ألف سيارة سنوياً يتم استيرادها من الخارج. وبسبب إغلاق الحدود وخلافها السياسي مع المغرب فهي لا تشتري المنتجات المغربية.

وتعتبر الجزائر أقلّ الدولة تصنيعاً بين جيرانها إذ تنفق جزءاً هاماً من عائدات النفط والغاز على شراء المعدات والتجهيزات والغذاء والملابس وكل التفاصيل الصغيرة، وهذا ما يجعلها تابعة للخارج في أكثر من ثلاثة أرباع حاجاتها الأساسية. وكانت الجزائر تخلت عن صناعاتها الثقيلة في ثمانينيات القرن الماضي بعدما تكبد الاقتصاد خسائر فادحة بسبب كلفة الإنتاج وعدم قدرته على المنافسة الخارجية. وتساهم الصناعة بنحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي الذي تسيطر عليه موارد الطاقة التي تمثّل 97% من إيرادات الموازنة. بينما تتجاوز الصناعة 11% في تونس ونحو 14 في المغرب.

وعلى مدى عقود ظلت شمال إفريقيا مرتبطة بالاستثمارات الخارجية خاصة الأوروبية والخليجية، لكنها تراجعت في السنوات الأخيرة ولم تتجاوز 15 مليار دولار العام 2013.

كلمات مفتاحية
المغرب سيارات

التعليقات

المقال التالي