سعودة الوظائف تهجّر المستثمرين الصغار

سعودة الوظائف تهجّر المستثمرين الصغار

اضطرّ حسين الشامي، وهو مالك شركة متخصّصة في مجال الإعلانات، إلى نقل نشاطه من جدّة في المملكة العربية السعودية إلى دبي في الإمارات العربية المتحدة، إثر التعقيدات الحكومية المتزايدة في ما يتعلّق بالسماح للأجانب بالعمل في القطاع الخاص. يقول الشامي إنّه تمكّن من إيجاد بيئة خصبة لنمو أعماله في دبي، خصوصاً بعد توظيفه طاقم عمل لبنانياً متخصصاً.

ويشدّد الشامي على أن السعودية لا تزال تعتبر بيئة جاذبة للأعمال، ولا سيما أن الحكومة تعمل على تنويع اقتصادها، موضحاً أنّ المشكلة الأساسية تكمن في عدم توفّر الأيدي العاملة الوطنية، لكون أكثرية هؤلاء يبحثون عن المزايا الوظيفية العالية دون التفكير في أهمية كسب الخبرات والمهارات في مجال تخصصهم. وهي الميزة التي توفّرها الشركات الصغيرة أو متوسطة الحجم.

اعلان


حالة الشامي ليست استثنائية، فهي تكاد ترقى إلى مستوى الظاهرة، في ما يخص الشركات الصغيرة العاملة في المملكة، إذ تُعدّ الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم SMEs الخاسرة الكبرى في السوق السعودية من جرّاء تصنيفات وزارة العمل لها من حيث نسبة "سعودة" الوظائف. فغالباً ما يعزف الكثير من الشباب السعوديين عن العمل في هذه المشاريع، مفضّلين الانضمام الى الشركات الكبيرة بسبب الإمتيازات الوظيفية التي تقدّمها، وهذا ما تعجز عنه الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، خصوصاً أنها كانت في الماضي تعتمد، بشكل أساسيّ، على الموظفين الأجانب الذين يتمتعون بكفاءات عالية.

إغلاق 200 ألف شركة

 وقد أسهمت برامج السعودة التي أطلقتها وزارة العمل السعودية في إغلاق أكثر من 200 ألف شركة ومؤسسة في القطاع الخاص لعدم تجاوبها مع برنامج نطاقات وتوقفها عن التوطين. فقد كشف تقرير رسمي لوزارة العمل أن أعداد العاملين في الشركات والمؤسسات المدرجة في النطاقين الأحمر والأصفر وصل إلى 589,253 منهم 52,415 سعودياً، أي بنسبة لا تتجاوز 8 في المئة فقط من إجمالي العاملين.

وأشار التقرير إلى أن المنشآت الواقعة في النطاق الأحمر بلغت 17,314، منها 16,498 منشأة صغيرة و786 متوسطة الحجم و29 كبيرة وواحدة عملاقة، بينما وصل عدد المنشآت في النطاق الأصفر إلى 19,637 منها 16,654 من المنشآت الصغيرة، و2,833 متوسطة، و146 من الكبيرة و4 شركات عملاقة. يبلغ عدد الشركات الواقعة في النطاقين 36,951، وذلك بسبب تأخرها في توظيف السعوديين والسعوديات.

وكانت وزارة العمل قد أطلقت برنامج نطاقات لتحفيز الشركات على توطين الوظائف، كمعيار جديد لمعدلات التوطين، وتعتمد فكرته الأساسية على تصنيف الشركات إلى أربع درجات (نطاق بلاتيني، نطاق أخضر، نطاق أصفر، نطاق أحمر)، وذلك بحسب تفاوتها في مقدار توطينها للوظائف، بحيث تكون المنشآت الأقل توطيناً في النطاقين الأحمر والأصفر بينما تصنّف المنشآت الأعلى توطيناً في النطاقين الأخضر والبلاتيني ويتم تقييم المنشأة من خلال معدلات التوطين للوظائف.

لكن في سبتمبر الماضي صرّح مسؤول رفيع في وزارة العمل السعودية بأنه سيجري في نهاية السنة الجارية إطلاق تعديلات على برنامج نطاقات. ذاك أن "النظام المعمول به حالياً هو احتساب وزن العامل السعودي المسجل لدى قاعدة التأمينات الاجتماعية، في أول أسبوع وترتفع النسبة تدريجياً لتصبح واحداً صحيحاً بعد مضي 13 أسبوعاً من انضمامه للمؤسسة". وأضاف أنه اعتباراً من 23 ديسمبر المقبل سيجري احتساب وزن العامل كواحد صحيح بعد مضي 26 أسبوعاً أو ما يعادل ستة أشهر من تسجيله لدى التأمينات الاجتماعية. وذلك من أجل منح تلك الشركات وقتاً للتكيف مع التغيرات.

قطاع المقاولات منكوب

من جهة أخرى، أكّد عبدالله رضوان، رئيس لجنة المقاولات في الغرفة التجارية الصناعيةفي جدّة، أن قطاع المقاولات يعاني مشاكل عدّة منذ بدء حملات التفتيش على العمالة المخالفة، لا سيما في ظلّ ندرة العمالة المدربة في السوق. وأوضح رضوان أن العمل في قطاع المقاولات يُعدّ موسمياً ومرتبطاً بالمشاريع التي تنفذها الشركات. ونظراً الى ندرة العمالة في السوق وارتفاع أسعارها، أصبح من الصعب تنفيذ المشاريع، إذ خرجت أكثر من 50 في المئة من الشركات الصغيرة العاملة في المقاولات من السوق.  ولفت رضوان الى أنّ وزارة العمل منحت تصريحاً لإحدى عشرة شركة لتوفير العمالة تحت بوابة"أجير" بالعمل. إلا أنّ هذه الشركات لم تعمل بشكل فعليّ في السوق.

تمثّل الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم نسبة عالية تصل الى 93% من إجمالي الشركات العاملة في المملكة العربية السعودية، وتوظّف نحو 27 في المئة من العمالة، وتقدّر مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي بنحو 33 في المئة. وهي مساهمة ضعيفة بالنسبة لمقدار نمو الاقتصاد السعودي ومقارنة بالدول المتقدمة التي تسهم فيها المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم بما لا يقلّ عن 50 في المئة من الناتج.

إبراهيم نافع

صحافي إيريتري مقيم في السعودية. عمل محرراً للأخبار السياسية في صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، ويعمل حالياً في صحيفة عرب نيوز الناطقة باللغة الإنجليزية.

التعليقات

المقال التالي