هل يتحقق الأمن الغذائي في العالم العربي؟

هل يتحقق الأمن الغذائي في العالم العربي؟

"يتحقق الأمن الغذائي عندما يتمتع البشر كافة في جميع الأوقات بفرص الحصول، من الناحيتين المادية والاقتصادية، على أغذية كافية وسليمة ومغذّية تلبي حاجاتهم التغذوية وتناسب أذواقهم الغذائية كي يعيشوا حياة توفّر لهم النشاط والصحة"، عبارة عرّفت بها لجنة الأمن الغذائي العالمي، التابعة لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، الأمن الغذائي. ومن أجل أن يتحقّق ذلك، يجب توفير ثلاثة مرتكزات. أولاً، وفرة السلع الغذائية، ثانياً، توفر السلع الغذائية في السوق بشكل دائم، وثالثاً، أسعار بمتناول جميع المواطنين.

وفقاً لآخر تقرير نشرته وحدة المعلومات التابعة لـ"ذي إكونوميست" The  Economist بعنوان "مؤشر الأمن الغذائي العالمي لعام 2014"، شهد الأمن الغذائي تحسناً بطيئاً وانما ظاهرياً العام الماضي. فقدّر التقرير أنّ نحو 842 مليون شخص يعانون من الجوع المزمن، بتراجع نسبته 3% تقريباً مقارنة بالعام 2012. وهو ما أكّدته أيضاً منظمة الفاو في تقرير بعنوان "حالة انعدام الأمن الغذائي في العالم عام 2014". وشدّد التقرير على أن هذا التحسن ملحوظ في كل أنحاء العالم، لا سيما في الدول في طور النمو، التي غالباً ما تعاني من نقص في البنى التحتية الأساسية ومداخيل منخفضة تجعل النفاذ الى الطعام أكثر صعوبة.

اعلان


إلا أن التقرير أشار أيضاً الى أن الأمن الغذائي العالمي ما زال يُشكلّ تحدياً كبيراً، لا  سيما أن تضخم أسعار السلع الغذائية والاستقرار السياسي يؤثران بشكل سلبي على الأمن الغذائي في عدد من الدول. وسلّط التقرير الضوء على اختلاف مؤشر الأمن الغذائي بين دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. فتعتبر دول عدة كتركيا وإسرائيل والمغرب، دولاً مصدّرة للأغذية ومكتفية ذاتياً غالباً، في حين أن دول الخليج العربي تعتمد، بشكل غير مفاجئ، على استيراد الأغذية وتركّز الحكومات على توسيع قدرات تخزين الطعام محلياً.

شمل هذا التقرير، للمرة الأولى، الإمارات العربية المتحدة والكويت بين الدول الـ109 ذات المعدل الأعلى في مجال الأمن الغذائي. وحقّق البلدان أعلى معدلات أمن غذائي في المنطقة. إذ احتلت الإمارات المرتبة الثلاثين والكويت المرتبة الثامنة والعشرين عالمياً، والمرتبتين الثالثة والثانية على التوالي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

 الامن الغذائي العربي - مؤشر الأمن الغذائي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

كذلك أفادت مؤشرات هذا التقرير أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا شهدا تحسناً اجمالياً بنسبة 0.5% للعام 2013. فتحسّنت نتائج 8 من أصل 12 دولة في المنطقة مقارنة بالعام السابق، إلا أن نسبة التحسن ضئيلة بسبب معدل منخفض في حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. سجلّت إسرائيل والمملكة العربية السعودية فقط ارتفاعاً في دخل الفرد.

وشكّل البرنامج الطارئ للأمن الغذائي العربي خطوة مهمة على طريق الحدّ من الجوع والعمل على توفير الأمن الغذائي. فخلال الدورة الثلاثين من الجمعية العموميةللمنظمة العربية للتنمية الزراعية التي انعقدت في أبريل 2008، تمّ اصدار إعلان الرياض لتعزيز التعاون العربي لمواجهة أزمة الغذاء العالمية وتعزيز الأمن الغذائي العربي.

شمل هذا البرنامج 11 دولة عربية هي: تونس، الجزائر، السعودية، السودان، سوريا، العراق، مصر، المغرب، اليمن، الأردن، سلطنة عمان، وموريتانيا. ويمتدّ الجدول الزمني لهذا البرنامج على مدى عشرين عاماً بدأت المرحلة الأولى منه العام 2011 لتنتهي العام 2016، ضمن خطة تنفيذية مفصّلة. يقوم البرنامج على أربعة مرتكزات لتحقيق الأمن الغذائي. أولاً، تحسين وترشيد استخدام موارد المياه المتاحة، ثانياً، تدعيم مؤسسات البحث وتوطين التقنيات الزراعية المتطورة، ثالثاً، تحسين مناخ الاستثمار الزراعي لجذب رؤوس الأموال العربية، ورابعاً، تطوير مؤسسات المزارعين.

دول عربية مثال للأمن الغذائي؟

تشكّل معظم الدول الخليجية كالإمارات العربية المتحدة والكويت والسعودية مثالاً للدول التي سعت لتحقيق الأمن الغذائي، على الرغم من أنها الأكثر عرضة لأزمة غذائية لكونها دولاً مستوردة لا مصدّرة للسلع الغذائية. فقد توقّع تقرير وحدة المعلومات الاقتصادية، أن ترتفع واردات دول مجلس التعاون الخليجي الغذائية الى 53.1 مليار دولار بحلول 2020 مقابل 25.8 مليار دولار قبل عقد واحد. إلا أن استيراد السلع الغذائية، أو حتى ارتفاع الأسعار بسبب مواسم زراعية سيئة أو اضطرابات سياسية أو مشاكل في سلسلة التوريد، دفعت بعض دول مجلس التعاون إلى اعتماد سياسات ومبادرات عدّة.

عمدت هذه الدول إلى دعم الأسعار وضبطها ورفع الرواتب في خطوات لمواجهة الأزمات الغذائية والارتفاع العالمي لأسعار السلع الغذائية والتصدي للتوقعات حول نمو الاستهلاك الغذائي في المنطقة بمعدل نمو سنوي يصل الى 3.1% خلال السنوات الثلاث المقبلة. كما أن هذه الحكومات شجعت على الاستثمار في الخارج عبر مشاريع زراعية في أوروبا الشرقية وإفريقيا، وإطلاق مبادرات محلية لضمان استقرار المخزونات الضرورية. إذ تعمل المملكة العربية السعودية على برنامج للاستثمار الزراعية في الدول الأجنبية (ومنها السودان وأثيوبيا، الأكثر فقراً وجوعاً) بهدف تشجيع القطاع الخاص على تزويدها بحاجاتها من الحبوب وزيادة عدد المستثمرين وإبرام الشراكات الإستراتيجية.

واختارت دول خليجية أخرى الاستثمار في الموارد المحلية. فخصصت الكويت، مثلاً، أراضي زراعية للمستثمرين والشركات من أجل الزراعة وتربية الماشية والأسماك، بالإضافة إلى تطوير واستخدام أحدث التقنيات لإعادة تدوير المياه لاستخدامها في الريّ. أما قطر، فتدرس تنفيذ مشاريع زراعية مستدامة لتتمكّن من انتاج 70% من الحاجات الغذائية للبلاد، استناداً لبرنامج قطر الوطني للأمن الغذائي.

واعتُبرت الإمارات من أفضل الدول في القضاء على الفقر والجوع في العالم. بالإضافة إلى أنها تملك أفضل نظام للسلامة الغذائية. وقد عملت هذه الدولة على تحقيق ذلك بفضل إنشاء مركز الأمن الغذائي في أبو ظبي الذي يضطلع بعدد من الأدوار كوضع خطة طوارئ للأمن الغذائي وتحليل تطورات أسواق الغذاء والسعي للوصول إلى الاكتفاء الذاتي.

اليمن والسودان الأكثر جوعاً

لا شكّ في أن اليمن يعاني أسوأ أزمة غذائية في منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً أن تقرير برنامج الأمم المتحدة للغذاء العالمي كشف أن سبعة ملايين يمني، من أصل واحد وعشرين مليوناً، "جائعون فعلياً". وهو ما يجعل من اليمن واحدة من الدول الأكثر انعداماً للأمن الغذائي. ولا شكّ أيضاً في أن استنزاف المياه الجوفية وهبوط معدلها إلى مترين سنوياً، وانخفاض منسوب المياه أدى إلى تقليص محصول الحبوب بنسبة الثلث في الأربعين عاماً الماضية، في حين واصل الطلب على الغذاء ارتفاعه، وهو ما أدى اإى أن يستورد اليمن ما يزيد على 80% من محاصليه. وقد فاقمت الإضرابات السياسية التي تشهدها البلاد من أوضاع الأمن الغذائي، وقلصت الاكتفاء الذاتي.

من ناحية أخرى، يعتبر الكثير من المحللين الاقتصاديين أن السودان "سلة الغذاء العربي" بفضل المناخ والأراضي الشاسعة التي يمكن استخدامها في هذا المجال. إلا أنه منذ استقلال جنوب السودان الذي يضم أكثر الأراضي خصوبة، ونظراً لحصة السودان بمياه النيل المحدودة جداً، وضعف الاستثمار العربي وغيره في الزراعة، وغياب خطوات لتدعيم واستصلاح البنية الداخلية من حيث القوانين، يعاني السودان من انعدام في الأمن الغذائي. وكشفت منظمة "الفاو" في تقريرها الأخير أن 4.8 ملايين سوداني يعانون من انعدام الأمن الغذائي ما بين أغسطس وأكتوبر 2014. وكان مؤشر المنظمة لأسعار الغذاء قد أشار إلى أن أعلى أسعار الحبوب في إفريقيا سُجلت في السودان والصومال.

وفيات الأطفال وسوء التغذية

وكان منتدى سياسات الأمن الغذائي في السودان الذي انعقد في مارس 2013 قد كشف تزايد وفيات الأطفال بسبب سوء التغذية، إذ وصل العدد الى 83 حالة لكل 1000 طفل، فيما ثلث أطفال السودان دون الخامسة يعانون من سوء التغذية، وواحد من كل ثلاثة يعانون من نقص الغذاء. واستضافت الخرطوم في سبتمبر الماضي "منتدى آفاق الاستثمار في الأمن الغذائي" للبحث في سبل التصدي لهذه المشكلة الإقليمية والعالمية والحثّ على تفعيل التنمية الصناعية والزراعية، وزيادة موازنات الحكومات المخصصة للزراعة.

ما زالت دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تفتقر للكثير من المقوّمات لتحقيق الأمن الغذائي، خصوصاً أن أهم العوامل لهذا الغرض غير متوافرة برغم بعض الجهود في بعض الدول. وبحسب "منظمة الفاو"، تعتبر أبرز هذه العوامل: الالتزام السياسي المستمر بالأمن الغذائي على أعلى المستويات، ضمان استمرارية سياسات الأمن الغذائي مع تغيير الحكومات، المشاركة الفعّالة لجميع أصحاب المصلحة، اعتماد سياسات شاملة لزيادة الأمن الغذائي، تحسين التنسيق بين مختلف المؤسسات العامة والخاصة والأهلية، وضع أطر قانونية لتمكين ومساءلة كل أصحاب المصلحة، وتعزيز القدرات والإمكانات الحكومية ذات الصلة.

المهمة صعبة طبعاً، إذ تشير التوقعات الى مواصلة الأسعار ارتفاعها وتقلباتها في آن واحد، بسبب نمو الطلب العالمي المستمر مقارنة بالعرض وتعثّر المخزونات الغذائية واحتمال تراجع المحاصيل بسبب التغييرات المناخية وتزايد عدد السكان. ويبدو أن الحكومات العربية مدركة لهذه الأزمة ووجوب اتخاذ الإجراءات العاجلة لمنع تفاقم أزمة الغذاء. إدراكٌ يترجم أيضاً من خلال انعقاد المنتدى العربي للبيئة والتنمية  "أفد" في مؤتمره السنوي السابع حول تحديات الأمن الغذائي، وذلك في السادس والعشرين والسابع والعشرين من نوفمبر الجاري، في العاصمة الأردنية- عمان، لإطلاق تقرير يبحث في سبل تحقيق الأمن الغذائي.

باميلا كسرواني

صحافية لبنانية عملت في مجال الصحافة المرئية والمسموعة وتعمل في الصحافة الإلكترونية بين دبي ولبنان. تحمل ماجستير في الإعلام من جامعة السوربون الفرنسية.

التعليقات

المقال التالي