صندوق النقد الدولي يتلو فعل الندامة

صندوق النقد الدولي يتلو فعل الندامة

قد يذهب العديد من منظري الاقتصاد حد الشماتة براسمي السياسات في صندوق النقد الدولي إثر التقرير الأخير الذي أصدره مكتب التقييم المستقل التابع له، والذي يراجع فيه ردّ الصندوق على الأزمة المالية والاقتصادية العالمية. الأرجح أنهم وبعد الفراغ من قراءته سيهتفون بينهم وبين أنفسهم: ألم نقل له ذلك منذ بداية الأزمة؟

فالصراع بين هؤلاء وبين الصندوق يأخذ غالباً طابعاً سجالياً وأيديولوجياً حاداً، جوهره: هل سياسات وتوصيات الصندوق تصدر بناء على دراسات وإحصاءات علمية، أم أن وظيفتها تلبية مصالح الدول صاحبة الوزن الأكبر في دوائر صنع القرار فيه؟

والحال أن هذا الصراع، على أهميته طبعاً، لا يعني الجزء الأكبر من مواطني المجتمعات التي تتلقى نتائج سياسات الصندوق، ولكنها لا تزن وزن الريشة عندما يتعلّق الأمر بصناعة القرار فيه. هؤلاء، الذين تعادل أعدادهم في حدّها الأدنى الأكثرية الساحقة من سكان المعمورة، يريدون من السياسات الاقتصادية في بلدانهم أن تحقق مصالحهم. لا يهمّهم ضجيج الصراعات، بقدر ما يهمّهم مفاعيلها عليهم. وطالما أن الصندوق ذو دور جوهري، ومقرر غالباً، في صناعة هذه السياسات، وطالما أن لا بديل آخر، يستطيع حتى الساعة أن يعكس مصالح العدد الأكبر من مواطني هذه المجتمعات، فإنهم، لا شك، سيكونون سعداء بمعرفة أن الصندوق أصدر تقريراً يراجع فيه سياساته تجاه الأزمة المالية الأخيرة. ذاك أن أي مراجعة هي بالتعريف مراجعة لأخطاء ارتكبت، يحاول مرتكبها ألا يكررها في المستقبل نظراً لمفاعيلها السلبية.

 يتضمن التقرير المشار إليه أعلاه نقاطاً عدة. وهو إذ يلقي الضوء على بعض مكامن الخلل التي تسببت بقصور سياسات الصندوق تجاه الأزمة العالمية، إلا أنه في المقابل ينطوي على مساحات شاسعة وظيفتها تبرير السياسات، لا مراجعتها جذرياً. من هنا، يستبعد من دائرة النقد مثلاً، الدليل الفكري الذي استلهمته هذه السياسات، وشكّل الإطار العام الناظم لها.

 

يرى التقرير أن "مطالبة الصندوق بحوافز مالية عالمية في الفترة ما بين 2008-2009 جاءت في وقتها وكانت مؤثرة، لكن تبنيه في الفترة ما بين 2010-2011 لسياسة الانتقال نحو ضبط أوضاع المالية العامة في بعض أكبر الاقتصادات المتقدمة كان سابقاً لأوانه". ففي الوقت عينه، أوصى الصندوق بـ"التوسع النقدي في هذه البلدان إذا كان ضرورياً للحفاظ على الانتعاش". يضيف التقرير "هذا الخلط في السياسة كان قليل الفعالية في التمهيد للتعافي، وفاقم التداعيات السلبية للأزمة. لكن مع تقدم الوقت ومع تراجع توقعات النمو أظهر الصندوق مرونة في إعادة النظر بتوصيته الخاصة بالسياسة المالية، مطالباً بوتيرة أكثر إعتدالاً في ما يخص ضبط أوضاع المالية العامة".

ومعنى هذا ان الصندوق وقع في تناقض صريح، بين دعوته الاقتصادات المتقدمة إلى التقشف ووقف الحوافز المالية، وبين اعتباره إياها ضرورية للانتعاش.

ويبرّر الصندوق، من ناحية ثانية، تقصيره في التعامل السريع مع الأزمة بالقول إنه في بدايتها لم تكن لديه موارد مالية كافية من أجل التدخل. إذ خضع في الفترة 2008-2009 لإعادة هيكلة، ولتصغير الحجم. لذا عندما اندلعت الأزمة، التي لم تتنبأ أيّ من تقاريره بها، بحسب تعبير الصندوق نفسه، لم يكن مستعداً لها. على أن الصندوق، ومن أجل تجنب موقف من هذا النوع مستقبلاً، قام بـ"إصلاح أدوات إقراضه وبتسريع الإقراض غير الميسر من حوالى صفر إلى 400 مليار دولار في الفترة ما بين 2008-2013".  إذ "كي يكون في موقع أفضل للرد على الأزمة المقبلة، يجب أن يسعى إلى حيازة موارد بصورة مسبقة كي يستجيب لأي حاجة جديدة". الخلاصة هنا، أن الصندوق توقع بصورة خاطئة عودة النمو ما بين 2010 -2011. فطالب الاقتصادات المتقدمة بالتشدّد في سياساتها المالية، وهو ما تسبّب بتداعيات عكسية على مستوى النمو الاقتصادي، بسبب تراجع الطلب.

بالإضافة إلى ما تقدم، اعترف التقرير بقصور أجهزة الرقابة التابعة للصندوق. إذ اتّخذ غداة الازمة "مجموعة من الإصلاحات المؤسسية، في محاولة لتحسين نوعية وفعالية الرقابة، ولمعالجة مواطن الضعف فيها".

وقد ركّز التقييم على ثلاثة محاور. أولاً، التنسيق والتعاون مع الكيانات المتعددة الأطراف. ثانياً، الرقابة الثنائية والمتعددة الأطراف. ثالثاً، المساهمة في تعزيز شبكة الآمان المالي العالمي. كذلك وجه في توصياته الأخيرة نقداً لمساعي تقليص حجم الصندوق الخاطئة، ولأدائه الرقابي الضعيف، إلخ.

غير أن التقرير الذي أفردت المساحات الأكبر فيه لامتداح الأدوار العديدة التي قام بها الصندوق في كل مكان من العالم، يشدّد على أن النقاش لا يزال مستمراً حول السياسات الأنسب للرد على أزمة جديدة بهذا الحجم. كذلك يستعرض تشكيك بعض البلدان الناشئة بداية الأزمة في شرعية الصندوق في الاضطلاع بدور أساسي على مستوى الردّ على الأزمة، بسبب شعورها بأن لا دور أساسياً لها على مستوى صناعة القرار فيه.

هذه الخلاصة وجدت ترجمتها العملية في النقد الذي وجهته المديرة العامة للصندوق كريستين لاغارد للولايات المتحدة الأمريكية خلال الاحتفال بالذكرى السبعين لتأسيسه، الشهر الماضي. إذ اتهمت الولايات المتحدة، وهي أكبر مساهمي الصندوق، بأنها تمنع إصلاحه، لأنها ترفض الاعتراف بالحقائق الجديدة في الاقتصاد العالمي، مثل تفوق الصين عليها من حيث الناتج المحلي الإجمالي. فبرغم ذلك، لا يزال لأمريكا سلطة الفيتو على قرارات الصندوق، عدا أنها تتمتع بحقوق تصويت أكثر بأربع مرّات من الصين.

 

والحال ان التقييم الذي أجراه الصندوق يطرح سؤالاً جوهرياً عن مدى استعداد الصندوق للمستقبل، إن لناحية تحسن أهليته للتحذير من مخاطر نظامية، أو لناحية احتلاله موقعاً أفضل للرد على الأزمة المقبلة. سؤال قد لا يملك أحد غير المستقبل جواباً عنه.

على أن الخوف أن تكون هذه المراجعة على طريقة "أنا فهمتكم"، التي أطاحت أكثر من رئيس عربي تفوّه بها بعد فوات الآوان.

التعليقات

المقال التالي