نقابات الأردن: صراع البقاء

نقابات الأردن: صراع البقاء

تتأثر الأردن بالظروف الإقليمية بشكل مباشر، ولا ينحصر هذا التأثر بقطاع دون آخر. فكما انفجر الحراك العمالي مع بداية "الربيع العربي" عاد للهدوء والتراجع بسبب المخاوف من الفوضى الإقليمية والشعور بعدم قدرة التغيير السلمي على خلق تغيير حقيقي.

تشير الأرقام الصادرة عن مركز "الفينيق" للدراسات الاقتصادية، وهو مؤسسة بحثية مستقلة غير حكومية، إلى أن الحراك العمالي تراجع العام 2014 بشكل كبير جداً، نسبة إلى أرقام السنوات الماضية، إذ بلغ عدد الاحتجاجات العمالية الـ302، في حين كانت قد بلغت في الفترة ذاتها من العام الماضي 597 احتجاجاً.

وتلعب عوامل مختلفة دوراً في خفض عدد هذه الاحتجاجات. فالى جانب هدوء الحراك الشعبي الأردني بسبب الأحداث الجارية في الإقليم، تلعب عدم قدرة الحكومة وعدم جديتها في تلبية مطالب العمّال دوراً جوهرياً في إحباط المحتجين، ذلك أن الاحتجاجات التي حققت مطالبها خلال الأعوام الماضية ضئيلة جداً.

واستخدمت الحكومة أساليب كثيرة للتصدي للاحتجاجات العمالية في القطاع العام، منها التهديد بالفصل كما حدث مع نقابة المعلمين في إضرابها الأخير، أو إحلال كوادر من القوات المسلحة للقيام بمهمات العمال المضربين عن العمل، وفضّ الاعتصامات العمالية بالقوة، بذريعة أن موازنة خزينة الدولة لا تستطيع تغطية أي تكاليف إضافية كزيادات مفاجئة للرواتب، أو حتى رفع نسبة المكافآت عمّا تم إقراره منذ بداية العام.

ويترتّب على المحتجين في بعض الأحيان تحمّل عقوبات إدارية بحقهم، تشمل تغيير طبيعة العمل، والنقل من مكان عمل إلى آخر، والحرمان من الترفيعات، والحسم من الرواتب أيضاً.

كذلك لعب ضعف النقابات العمالية الرسمية دوراً في رفع عدد الاحتجاجات العمالية المستقلة، حينما وجد العمال أنفسهم بدون أي مظلة تدافع عن حقوقهم.

جدل التمثيل والاعتراف

يرى العديد من المنتسبين إلى النقابات المهنية أنها لم تقم بما هو مطلوب منها للدفاع عنهم وتحصيل حقوقهم، فضلاً عن تأمين الظروف الوظيفية الجيدة لهم، وهذا ما دفع تسع فئات تمثل هؤلاء العمال إلى شق عصا الطاعة على النقابات الرسمية، وتأسيس نقابات مستقلة، نشأت غالبيتها بداية العام 2012، مستفيدة من موجة الاحتجاج العربية وما كرسته من مكتسبات، على رأسها الحق في الاحتجاج. هكذا نشأ صراع جديد بين النقابات المهنية المدموغة بالرسمية وبين النقابات المستقلة الباحثة عن دور نقابي يستلهم الإحتجاجات المتنقلة بين عاصمة عربية وأخرى.

غير أن الحكومة لم تعترف بالنقابات التسع، برغم أنها تستند في مطالبها إلى الفقرة الثانية من المادة (16) من الدستور والتي تنص على أنه "للأردنيين حق تأليف الجمعيات والنقابات والأحزاب السياسية على أن تكون غايتها مشروعة ووسائلها سلمية وذات نظم لا تخالف أحكام الدستور".

وتعوّل هذه النقابات أيضاً على موافقة الأردن على "العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية"، والذي ينص صراحة على حق جميع العمال بتأسيس نقابات لهم من دون تدخل أي جهة.

لكن العقبة التي تواجه النقابات المستقلة تكمن في الفصل 11 من قانون العمل المتعلق بنقابات العمال ونقابات أصحاب العمل، إذ يتضمن نصوصاً مقيدة لممارسة العاملين في القطاع الخاص لحقهم في إنشاء نقابات عمالية. من هذا المنطلق، دعت النقابات الى إعادة صوغه بشكل يلائم الواقع العمالي الجديد، إذ لا يجوز أن تؤثر القوانين التي تصدر بموجب الدستور لتنظيم الحقوق والحريات على جوهر هذه الحقوق والحريات أو تمسّ أساسياتها.

من جهة ثانية، توجّه أصابع الاتهام للنقابات المستقلة بأنها تحاول أن تفتت القاعدة العمالية وتحطم وحدة الحركة النقابية، وهذا ما يفقدها القرار الذاتي المستقل.

15 نقابة مهنية 

والحال أن هنالك في الأردن اليوم 15​ نقابة مهنية، أبرزها نقابة المعلمين التي يفوق عدد منتسبيها الـ100 ألف معلم ومعلمة، وقد انتزعت الاعتراف بها العام 2011 بعد سجال طويل وحاد مع الحكومة.

ويبلغ عدد منتسبي النقابات المهنية نحو 150 ألفاً ما عدا المعلمين، وتعتبر نقابة المهندسين ثاني أكبر النقابات المهنية ويزيد عدد منتسبيها على سبعين ألف مهندس، ويسيطر الإسلاميون الذين يخوضون الانتخابات بـ"القائمة البيضاء" على نقابات المهندسين والمهندسين الزراعيين والمعلمين.

في المقابل، تسيطر "القائمة الخضراء التي تضم القوميين واليساريين على نقابتي المحامين والأطباء، وتتبادل القائمتان الأدوار في بقية النقابات، باستثناء نقابة الصحافيين التي تخضع لحساب مختلف، بفعل تمركز العدد الأكبر من الصحافيين المسجلين فيها على أربع صحف يومية، أكبرها صحيفة "الرأي" التي تستأثر بمنصب النقيب غالباً.

النقابة في خدمة السياسة

استثمرت الحركة الإسلامية النقابات في العمل السياسي في فترة الحراك الشعبي، إذ كان مجمع النقابات المهنية حاضناً للعديد من الفعاليات المطالبة بالإصلاح ومصدّراً للبيانات في مختلف القضايا التي شغلت بال الشارع الأردني.

هذا الانخراط السياسي أحدث آثاراً سلبية للكثير من منتسبي النقابات، إذ ظهرت في النقابات المهنية وعلى غرار النقابات المستقلة، تجمعات لم تتبلور كنقابات حتى الآن، تطالب بتحقيق مكتسبات المنتسبين والدفاع عن حقوقهم مهنياً، قبل الانجرار وراء العمل الحزبي والسياسي.

إلى ذلك، تشير أرقام مركز "الفينيق" إلى أن 89% من الاحتجاجات العمالية التي تمّ تنفيذها في العام 2013 كانت خارج إطار النقابات العمالية القائمة بواقع 792 احتجاجاً، وان نسبة الاحتجاجات العمالية التي نفّذتها النقابات العمالية الرسمية والمستقلة بلغت 5.5% من إجمالي الاحتجاجات.

التعليقات

المقال التالي