الاحتكار في الكويت يوجع المستهلكين

الاحتكار في الكويت يوجع المستهلكين

منذ سنوات قليلة، كان المشترك في خدمات الهاتف الخليوي في الكويت يدفع نحو 250 دولاراً شهرياً مقابل الحصول على خدمات الاتصال والرسائل والإنترنت، أما اليوم فيكفي أن يدفع 80 دولاراً للحصول على عدد كبير من الدقائق وساعات إنترنت أكبر، بل وأيضاً هاتفاً ذكياً حديثاً تقدمة من الشركة.

الجديد في الأمر ليس تغيير الشركات نمط تعاطيها مع عملائها، بل كسر الاحتكار في السوق بعد سيطرة شركة "زين" عليه سنوات طويلة، قبل منح رخصتين لشركتين جديدتين بهدف تطوير القطاع، وتقديم أفضل الخدمات للعملاء في السوق المحلية.

المدقّق في واقع حال الكويت، يكتشف أن قطاعات كثيرة وشركات عديدة تعمل وتحقق ملايين الدولارات أرباحاً سنوية، من خلال حصولها على حقّ التوزيع الحصري لمنتجات الشركات العالمية في البلد، من مطاعم وشركات الهواتف، وعلامات الموضة، والعطورات وغيرها.

يرى الخبراء أن الأرباح السنوية الهائلة التي تحققها الشركات الكويتية في قطاعات عديدة، تعود في جزء منها إلى الأساليب "الملعوبة" من قِبلها، وتوقيعها عقوداً لتوزيع سلع معينة بشكل حصري، وهو ما يجبر المحالّ على التعامل معها من أجل الحصول على السلع، ويتيح لها أيضاً التحكم بالأسعار كيفما تشاء، من دون اعتراض العملاء.

ويشير المطلعون على خبايا الأمور في العمل التجاري، أن رجال الأعمال الكبار يعمدون إلى توزيع "الكعكة" فيما بينهم بالشكل الذي يتيح لكل منهم تحقيق مبتغاه من دون تأثير على الآخر. ويلفت هؤلاء إلى وجود أكثر من من 500 علامة تجارية عالمية في السوق موزعة ما بين سيارات وقطع غيار وهواتف نقالة وغيرها، منوهين بأن هذا الواقع يجعل الأمور فالتة. إذ يتفق صاحب العلامة مع صاحب الشركة الكويتية على حق التوزيع والأسعار، في ظل غياب أي رقابة رسمية جادة ومسؤولة.

الاحتكار يرفع الأسعار 60%

يقول الخبير الاقتصادي داوود معرفي لرصيف22 إن الاحتكار في الكويت صنفان: مباشر وغير مباشر، وإن المستهلك هو المتأثر الأساسي بهذا الأمر، مبيّناً أن ذلك ينعكس بشكل رئيسي على قطاع استيراد السيارات وبيعها، عبر ما يسمّى الاتفاقات الحصرية التي تتمّ بين الشركات والعلامات العالمية، مثل تويوتا وهوندا ومرسيدس بنز وغيرها، وذلك لتوزيع سياراتها في السوق المحلية بشكل حصري.

 

ويشير معرفي إلى أنه من الطبيعي أن لا يكون الاحتكار لمصلحة المستهلك، إذ يمنح المحتكر حق تحديد الأسعار التي يريدها، من دون الالتزام بمعايير الجودة، ومن دون منح المستهلك حق الاختيار، لأنه مجبر على الحصول على هذه المنتجات من مكان واحد ومصدر واحد.

ويلفت إلى أن السوق الكويتية تعاني من الوكالات الحصرية، وهي نوع من "الاحتكار المخفي"، إذ تحصل الوكالات على حق توزيع المنتجات في السوق، عبر عقد شراكة حصرية مع العلامات العالمية، شارحاً أن الأسعار في هذه الحالة ترتفع 30 إلى 60% بحسب نوع السلعة وطبيعة القطاع.

لا رقابة

أمّا عضو اتحاد الجمعيات التعاونية السابق ميثم الشخص، فيقول إن الاحتكار مسألة ممتدة منذ عشرات السنين، نتيجة عوامل عدة، أهمها غياب الرقابة وارتفاع أسعار التخزين في السوق المحلية.

 

ويرى الشخص إن الاحتكار فاعل في قطاع السيارات وقطع الغيار، الذي يتسبب بارتفاع الأسعار 60%، مقارنة بأسعار دول المنطقة مثل السعودية والبحرين وغيرهما، كاشفاً أن ارتفاع الأسعار وتحكّم التجار المورّدين بها يعودان إلى غياب الرقابة وضياع دور بعض الهيئات واستشراء الفساد.

ويؤكّد أن قانون منع الاحتكار نافذ في الكويت، إلا أنه موضوع في الأدراج، لكن الجهات المعني في الدولة لا تتولّى مسؤولية مراقبة الأسعار في السوق، منوّهاً بأن هيئة مكافحة الفساد وهيئة حماية المستهلك تغضان النظر عن الموضوع لاعتبارات خاصة، وهذا ما يضرّ في النهاية بمصلحة المستهلك ويؤثر على قدراته الشرائية في كثير من الأحيان.

ويضيف الشخص: "في قطاع المطاعم، يستفيد كبار رجال الأعمال من اتفاقات "الفرانشايز" التي تتيح لهم الحصول على حق تمثيل شركة ما، وتوزيع سلعها في السوق، وهذا ما يؤدي إلى تحكمهم في الأسعار وفرض أسعار أعلى من الأسعار الفعلية، مثل مطاعم السي فود والوجبات السريعة". ويكشف أنه في دول أخرى يمكن الحصول على حق تمثيل العلامة من أكثر من طرف وفي المكان نفسه، وهو ما يفضي إلى اختلاف الأسعار ويصبّ في مصلحة المستهلك في النهاية.

في السياق نفسه، يقول المدير العام في شركة "زون وان" للاتصالات ضياء الأحمد، إن الاحتكار في قطاع الاتصالات يسهم في ارتفاع أسعار الأجهزة بشكل كبير، بسبب تحكم المحتكر في الكميات المعروضة ورغبة الشركات في تحقيق أرباح إضافية، مشيراً إلى أن الاحتكار ظهر عند إطلاق المنتجات الجديدة لشركتي "آبل" و"آيفون"، إذ كانت الأسعار عالية جداً. ولفت إلى أن إحدى الشركات استطاعت تحقيق مبيعات خيالية خلال 5 أيام من إطلاق هاتف "آيفون 6" بسبب بعض الأساليب الاحتكارية التي اعتمدتها وجعلتها أول من يطلق الجهاز في السوق.

من هذا المنطلق، يمكن القول إن الاحتكار والمصلحة المشتركة بين الشركات العاملة في السوق الكويتية، فضلاً عن الجهات المعنية بعدم تشويه صورة الكويت، يساعدان في جعله أمراً واقعاً يؤثر على المستهلك، ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار على نحو يراوح بين 30 و60%، ويختلف بين قطاع وآخر بحسب عدد الشركات العاملة في السوق وأنواع المنتجات والسلع.

المصارف والبورصة أيضاً

في الفترة الأخيرة أطلقت بعض المصارف، وخصوصاً الكبرى منها، خدمات حصرية للعملاء في السوق المحلية، كخدمة السحب النقدي من دون بطاقة مصرفية، أو خدمة السحب النقدي عبر البطاقة المدنية، مع إجبار العملاء على دفع بعض الرسوم مقابل الاشتراك فيها، وهو ما ساعد هذه المصارف على احتكار نحو نصف أرباح القطاع.

يقول الخبير المصرفي علي العنزي لـرصيف22، إن عشرة مصارف تعمل في الكويت، خمسة منها تقليدية والبقية إسلامية، تمنح العملاء العديد من الخدمات، وتحقق أرباحاً تجعل القطاع يتربع على عرش القطاعات الاقتصادية في الكويت.

ويضيف أن أرباح البنوك الكويتية مليار دينار تقريباً أي ما يعادل 4.4 مليارات دولار، يستأثر بنك الكويت الوطني بنحو 40% منها، إذ تصل أرباحه إلى نحو 450 مليون دينار، أي ما يعادل حوالى 1.35 مليار دولار سنوياً.

 

الجدير ذكره أن بيت التمويل الكويتي "بيتك" يُعدّ المصرف الثاني في الكويت، وبوصفه متخصصاً بتقديم الخدمات الإسلامية، ويطرح عدداً كبيراً من البطاقات المصرفية الائتمانية، فهو يحتكر تقديم الخدمات في بعض المجمعات التجارية ويمنع العملاء من القيام بعمليات السحب إلا عبره.

كذلك تحتكر شركة المقاصة عملية تنظيم التداولات في السوق المالية في الكويت منذ سنوات بالتعاون مع هيئة أسواق المال، وهو ما جعلها تجبر الشركات على دفع رسوم سنوية باهظة تعادل 1.5 مليون دولار للشركات الكبرى، و500 ألف دولار للشركات الصغرى، وهذا ما يساعدها على تحقيق أرباح وإيرادات سنوية كبيرة، خصوصاً أن عدد الشركات المدرجة في البورصة يصل إلى 192 شركة تقريباً.

السفارات وشركات التأمين 

وتُعدّ شركات التأمين من القطاعات التي تشهد قدراً كبيراً من الاحتكار في السوق الكويتية، إذ تعمد إلى التعامل مع السفارات الأجنبية في السوق المحلية، مقابل إجبار الراغبين في السفر إليها على شراء بوالص التأمين منها، بمبالغ تزيد على غيرها بنحو 40 إلى 60%.

يشرح الأمين العام للاتحاد الكويتي للتأمين عادل الرميح لرصيف22 إن شركات التأمين استطاعت أن تستأثر بنسبة كبيرة من أرباح القطاعات الاقتصادية في الكويت خلال النصف الأول من السنة الجارية، مشيراً إلى أن أرباح 7 شركات تأمين مدرجة في البورصة، من أصل 15 فاعلة في السوق، بلغت 15 مليون دولار.

ويضيف الرميح أن المنافسة التي تشهدها السوق الكويتية تؤدي إلى احتكار قسري لبعض أنواع التأمينات، منوّهاً، على سبيل المثال، بأن إدارة المرور تجبر السائقين على شراء التأمين من شركة "الخليج للتأمين"، في حين تعمد بعض السفارات إلى توقيع اتفاقات مع شركات معيّنة مقابل الحصول على مبالغ تصل إلى 10 آلاف دينار، أي ما يعادل 50 ألف دولار كل 6 أشهر.

التعليقات

المقال التالي