النفط المغربي: حقيقة أم خيال؟

النفط المغربي: حقيقة أم خيال؟

في العام 2000، بشّر وزير الطاقة والمعادن يوسف الطاهري، في حكومة عبد الرحمان اليوسفي، المغاربة بإكتشاف احتياطي مهمّ من النفط يُقدّر بـ1.5 مليار برميل في مجموعة من الآبار بمنطقة "تالسينت". لكن سرعان ما تحوّلت هذه البشرى، بعد أسابيع قليلة، إلى سراب. فقد تبخر الحلم واكتشف الجميع أن نفط "تالسينت" كان مجرد خدعة مدبّرة من رئيس شركة "لون ستار" Lone Star مايكل كوستين Michael Kosten، الذي زفّ البشرى من أجل مضاعفة قيمة أسهم شركته في البورصة.

 

اليوم، يتجدّد الحلم لدى المغاربة، فمجموعة من الشركات المستفيدة من رخص التنقيب عن النفط والغاز أكدت وجود احتياط كبير جداً في العديد من نقاط التنقيب، خاصة في منطقة سيدي ايفني. فقد أعلن المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن في المغرب، وشركاؤه الممثلون في شركات "جينيل" Genel و"سان ليون" San Leon و"سيريكا" Serica وجود مؤشرات إيجابية لتوافر النفط ببئر "س م 1" الموجود على بعد 59 كيلومتراً قرب مدينة سيدي إفني المغربية وعلى عمق يبلغ 2087 متراً.

  

وأكد المكتب في بيان أن أشغال حفر هذه البئر انطلقت في 30 يوليو الماضي لتصل إلى عمق 2825 متراً في 16 أكتوبر الجاري، مشيراً إلى أن العمليات الخاصة جارية لتصنيف طبيعة النفط وتقدير الجودة البتروفيزيائية للصخور المخترقة للإعلان عن المؤهلات الحقيقية للمنطقة المعنية. كذلك أقرّت الحكومة المغربية بوجود مخزون في نحو 900 ألف متر مربع من الأحواض الرسوبية، منها 400 ألف تنقّب فيها شركات عالمية بحفر 27 بئراً نفطية هذه السنة، وهو استكشاف "لا سابق له ويعزز جاذبية المغرب للاستثمارات في مجال التنقيب، ويقوي احتمالات وجود مخزون كبير من النفط والغاز في المغرب".

  

شكوك تحيط بالاكتشافات؟

 في هذا الإطار، قال وزير الطاقة والمعادن والماء والبيئة عبد القادر اعمارة لرصيف22: "عندما يُكتشف بترول، ستعلن الدولة عنه. ما سيتم اكتشافه خلال السنوات الثلاث المقبلة سيخفض الفاتورة المتصلة بالطاقة، إذ يستورد المغرب حالياً 97% من حاجاته، ولن تتغير معطيات ميزان الطاقة، وهذا يعني أن المغرب لن يصير بلداً نفطياً".

 


يذكر اعمارة أن النتائج التي أعلنتها شركات التنقيب عن النفط في المغرب "لا تعني أنها وجدت شيئاً قابلاً للتسويق"، ولفت إلى أن الشركات الأجنبية كثيراً ما تعلن عن إنجازات عملها كسياسة موجهة إلى المتخصصين في القطاع، مشدّداً على أهمية عمليات التنقيب التي جرت حتى الآن براً وبحراً باعتبارها إستراتيجية لتقليل فاتورة اعتماد البلاد على النفط من الخارج.

  

وفي السياق نفسه، أبدى المكتب الوطني المغربي للهيدروكربونات- المؤسسة المغربية المشرفة على تدبير شؤون الطاقة والمعادن باستثناء الفوسفات- تحفظاً شديداً حيال تأكيد وجود النفط في المنطقة، لافتاً إلى أن العمليات الخاصة جارية لتصنيف طبيعة النفط وتقدير الجودة البتروفيزيائية للصخور المخترقة قبل إعلان المؤهلات الحقيقية للمنطقة المعنية.

 


أما الخبير المغربي في مجال النفط، عمر الفطواكي، فرأى في تصريح أن هذا الحذر في محله نسبياً، على اعتبار أن إعلانات الشركات لا تتيح الجزم باكتشاف النفط في المغرب، بعكس ما قد يظن البعض، مشيراً إلى أن "التنقيب في البحر يحتاج إلى الكثير من الاستثمارات والتكنولوجيات العالية، وهذا لا يتأتى إلّا للشركات العملاقة".

 


قلق الجارة إسبانيا

وإذا كان هذا الكشف النفطي يحظى بالكثير من الحماسة لدى المغاربة، فقد صب الزيت على نار الخلافات بين الحكومة الإسبانية ومجموعة "ريبسول" Repsol الإسبانية وكلتاهما من المدافعات عن التنقيب عن النفط في جزر الكناري، وبين الحكومة المحلية ومنظمات المجتمع المدني فيها. فالأخيرة ترى أن التنقيب عن النفط سيهدد التوازن البيئي للمنطقة، التي تجعل من السياحة محوراً لاقتصادها، بعدما استقبل الأرخبيل الذي يسكنه 12 مليون نسمة 3.4 ملايين سائح في 2013.

 


وقال وزير الصناعة والطاقة الإسباني، خوسي مانويل صوريا Jose Manuel Soria، في تصريحات عدة، إنه "سيكون من العبث رؤية المغرب يستغل جيوب النفط، في الوقت الذي تتشبث جزر الكناري بتحفظها". كذلك نقلت صحيفة "إلموندو" الإسبانية، عن خبراء قولهم إن حوض سيدي موسى بمدينة سيدي إيفني، الذي تنقب شركة "جينيل إنيرجي" في جانبه المغربي، يتمتع بأوصاف جيولوجية مشابهة للمنطقة التي تعتزم "ريبسول" التنقيب فيها، وتم حفر آبار يناهز عمق كل منها الـ4 آلاف متر، على أمل العثور على النفط وإنهاء تبعية إسبانيا في الطاقة للخارج.

 


لكن، بين تقارير الشركات الدولية وبيانات المكتب الوطني للهيدروكاربورات والاحتياطيات الحقيقية للغاز الصخري التي تخفيها القشرة الأرضية في بعض مناطق المغرب، يذهب محلّلون إلى أن ما يتم الحديث عنه اليوم مجرد بالون اختبار تحاول السلطات من خلاله جذب اهتمام المغاربة وتحويل انتباههم عن الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المغرب حالياً، مؤكّدة أنه خلال الأشهر المقبلة سيستفيق المغاربة من هذا الحلم على حقيقة تعيد للأذهان مرة أخرى ذكرى واقعة "تالسينت".

التعليقات

المقال التالي