انتخابات تونس: الاقتصاد داخل الصندوق

انتخابات تونس: الاقتصاد داخل الصندوق

لن يتغيّر شيء كثير على مستوى السياسات الاقتصادية- الاجتماعية في حال فوز حركة "نداء تونس" بانتخابات المجلس التأسيسي التونسي التي جرت الأحد الماضي، كما تشي الترجيحات الأولية، أو في حال فوز حركة النهضة. فالبرنامج الاقتصادي- الاجتماعي الذي ذاعته الحركتان قبيل أيام من إجراء الانتخابات لا يشي بأنهما باتتا أكثر إدراكاً لمشاكل تونس الحقيقية.

كلتا الحركتين تتحدث بلسان المؤسسات الدولية، في عجز صريح عن إنتاج برنامج محلي يستجيب للحدّ الأدنى من طموحات التونسيين بعد أربعة أعوام من ربيعهم.

والحال أن حركة النهضة التي قادت البلاد ضمن تحالف استمرّ عامين إثر فوزها في انتخابات المجلس التأسيسي الأولى عقب الثورة، قدمت برنامجاً لا يختلف إطلاقاً عمّا مارسته إبان إمساكها بمقاليد السلطة. وهو ما تسبب، إلى فشل تجربة الإخوان المسلمين في حكم مصر، بخسارتها للسلطة في مطلع العام 2014. إذ خرجت "النهضة" من الحكومة، مفسحةً في المجال أمام تشكيل حكومة مستقلين انحصر دورها الأساس في التحضير لإجراء الانتخابات. وهو ما كان.

وإذا كانت الإحصاءات الأولية المتاحة بعد يومين من الانتخابات تتيح التكهن بتصدّر "نداء تونس" بحوالى 37 في المئة من أصوات المقترعين مقابل 26 في المئة لـ"النهضة" و5.4 في المئة لـ"الجبهة الشعبية"، فإن السخط الشعبي المتنامي على سياسات "النهضة" اضطلع بدور أساسي في بلورة هذه النتائج. إذ تزايدت خلال مدة حكم النهضة حركة المطالبة الاقتصادية والاجتماعية، خصوصاً على مستوى تأمين فرص العمل واستهداف معدلات الفقر المتعاظمة، وتحسين التقديمات الاجتماعية.

يردّ الخبير الدولي في الشؤون السياسية والاجتماعية رياض الصيداوي فشل حكم "النهضة" إلى عجزها عن حلّ القضايا الاقتصادية الملحة. فـ "حركة النهضة قالت إنها ستوفر 450 ألف فرصة عمل جديدة العام 2012، ولم توفر شيئاً. بالعكس، فهنالك شركات أقفلت أبوابها وأخرى أفلست وشركات أجنبية هربت أصلاً من تونس. فالبطالة تفاقمت، الحياة الاجتماعية توترت، الفقر تكاثر، والدليل على ذلك هذه الهجرات غير الشرعية إلى أوروبا والشباب التونسي يبحث عن أي فرصة خارج البلاد".

بالعودة إلى برنامج "النهضة"، يمكن القول إنه لم يتضمن أي خلاصة جديدة، باستثناء تكرار تبني الحركة لـ"إصلاحات" البنك وصندوق النقد الدوليين. وذلك على مستوى الحديث النظري عن رفع نسبة النمو الاقتصادي، فضلاً عن "مقاربة جديدة للمنوال التنموي" إلى جانب إصلاحات جذرية في شتى المجالات.

 

لكن ما هي هذه المجالات؟ هنا تظهر بوضوح لمسات المؤسسات الدولية، إذ تتركز الإصلاحات الجذرية "على الحفاظ على التوازنات المالية، وخفض عجز الموازنة، وترشيد نفقات الدعم الحكومي، والحدّ من التضخم، ورفع الاستثمار، وبعث مشاريع البنى التحتية، وتشغيل نصف خريجي الجامعات المعطلين".

ومعنى هذا أن الإصلاحات عبارة عن دعوة الحكومة التونسية إلى التقشف في وقت تحتاج تونس أكثر من أي وقت مضى إلى زيادة الإنفاق العام، إن من أجل استهداف البطالة المهولة أو من أجل تحسين مستويات المعيشة المتدهورة للأكثرية الساحقة من التونسيين. "النهضة"، إذن، لم تستفد من تجربتها في الحكم كما يقول المسؤولون فيها إلا في ناحية واحدة، تلزيم التفكير بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية للمؤسسات الدولية. علماً أن الأخيرة تحصر المشكلة بدور الدولة الكبير، وترى أن الخلاص ينبع من إنهائه، أو بالأحرى تقزيمه إلى الحدود الدنيا.

الجدير بالذكر أن البنك الدولي كان أصدر تقريراً في مايو الماضي شخّص فيه الاختلالات البنيوية في الاقتصاد التونسي. وقد ركز بصورة أساسية على البطالة ومعدلاتها المرتفعة، التي وصلت إلى 30 في المئة على مستوى الخريجين، مذكّراً بأنها استقرّت باستمرار منذ التسعينيات فوق 13 في المئة. وإذا كانت غالبية "الإصلاحات" التي يقترحها البنك دوماً تنبع من تصورات القيمين عليه الإيديولوجية، فإنّ المشاكل التي يحدّدها ويضيء عليها مستقاة في غالبية الأحيان من دوائر صنع القرار في البلدان المستهدفة. وهذا ما يعطيها أهمية تفوق أهمية الاستنتاجات.

وذكر التقرير أعلاه أن "اقتصاد تونس محبوس في أنشطة ذات إنتاجية منخفضة، تتمثل بتجميع الصادرات لمصلحة كل من فرنسا وإيطاليا".

المهم في الأمر أن برنامج "النهضة"، لم ينبس بكلمة في ما يخص هاتين النقطتين، الأمر الذي تكرر أيضاً في برنامج "نداء تونس". فالحركة المؤلفة من رجال أعمال، بعضهم كان محسوباً على الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، لم تجد أكثر من طرح عناوين عامة قالت إن سياساتها ستتمحور حولها في حال فوزها في الانتخابات. ويرتكز البرنامج "على أربع ركائز أساسية تم استقاؤها من مطالب الثورة، وهي التشغيل، والشباب، والتنمية الجهوية، والعدالة الاجتماعية". وهذه عناوين عامة شديدة الانتشار ويقتضي كي يكتسب طارحها بعض الصدقية أن يرفقها بتصوره العملي لطبيعة السياسات التي قد تفضي إليها.

صفوة القول أن تراجع شعبية "النهضة" يعود، أولاً وأساساً، إلى فشل السياسات التي انتهجتها، خصوصاً على المستوى الاقتصادي الاجتماعي، في التصدي لمشاكل تونس الحقيقية. أما تزايد شعبية "نداء تونس" فمردّه اليأس الواسع النطاق من تجارب الإسلاميين، هذا من جهة، ومن جهة ثانية توهم شرائح كبيرة من التونسيين بأن العودة إلى الوراء خير من إضاعة سبل التقدم الشائكة والمكلفة. وهذا كلّه لا يلغي البتّة حقيقة أن الوعي الشعبي بمدى عمق أزمات البلاد، تنامى كثيراً خلال السنوات الأخيرة، إلا أن خياراته الانتخابية تشي بأنه يبحث عن الحلول في غير محلّها الصحيح.

 

هل ما تقدم دعوة لليأس؟ طبعاً لا. هو دعوة للتأمل في تجربة واعدة لا تزال تتلمس خطواتها الأولى خارج الظلمة التي تجتاح العالم العربي. أصلاً، إذا نجحت الديموقراطية التونسية الوليدة في تكريس مبدأ تداول السلطة، فإن هذا وحده كافِ لاحقاً لمحاسبة الفاشلين على فشلهم.

التعليقات

المقال التالي