الصمغ العربي "يلصق" العلاقات الأمريكية السودانية

الصمغ العربي "يلصق" العلاقات الأمريكية السودانية

شكّل تاريخ 3 نوفمبر 1997 علامةً فارقة في تاريخ العلاقات الأمريكية السودانية، إذ وقّع الرئيس بيل كلينتون Bill Clinton القرار التنفيذي الرقم 13067 الذي ينصّ على عقوبات تجارية واسعة ضد السودان. وتعزى هذه العقوبات إلى أن السودان يمثّل تهديداً غير اعتياديّ للأمن الداخلي وللسياسة الخارجية الأمريكية، ويعتبر دولة داعمة وراعية للإرهاب بحسب تصنيفها.

اعلان


لكن، لم يمضِ الكثير من الوقت حتى بدأ كبار تجّار سلعة الصمغ العربي، الذي يُنتج السودان نحو 80 في المئة من إنتاجها العالمي، يبحثون عن مخارج تؤمّن وصول هذه السلعة الهامة للولايات المتحدة. حينذاك، قالت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت Madeleine Albright: "إنّها المشكلة مع العقوبات. فنحن لا نفهم دائماً من الذي يعاقب من فعلياً". في حين وصفت صحيفة  الواشنطن بوست The Washington Post "ضعف" سياسة الولايات المتحدة الخارجية في السودان، بـ"دبلوماسيّة الصودا" Soda Pop Diplomacy.


في النتيجة، لجأ المستوردون الأمريكيون المقيمون في غالبيتهم في نيوجيرسي إلى نائب ولايتهم الديموقراطي روبرت مينينديز Robert Menendez الذي توجّه بدوره إلى البيت الأبيض، ومجلس الأمن الخاص بالرئيس كلينتون ووزارة الخارجية. إلا أنه اصطدم بمعارضة شرسة من الوزيرة اولبرايت، فآلت الأمور في نهاية المطاف لمصلحة المستوردين.

 

في يوليو 1998، أكّد قانون العقوبات المفروض على السودان تطبيق الحصار على كلّ شيء... باستثناء الصمغ العربي. كما فرض على هذا الاستثناء ضوابط هائلة دفعت التجّار بدورهم إلى استحداث مسارات جديدة للصمغ العربي عبر صناعيين أوروبيين يضمنون لزبائنهم في الولايات المتحدة  ستاراً  يمرّ عبره الصمغ السوداني من الموانئ السودانية عبر أوروبا وصولاً للشواطئ الشرقية للولايات المتحدة.

 

مجالات الاستخدام

الصمغ العربي عبارة عن مستحلب من جذوع وأغصان شجرة الهشاب Acacia Senegal وشجرة Acacia Seyal المعروفة بشجرة الطلح. وهو مادة صلبة بيضاء تميل إلى البني البرتقالي وتتكسر إلى قطع زجاجية. إذا حُفظ الصمغ بطريقة مناسبة، يظلّ مئات السنوات دون تغيير؛ وهو مادة مركّبة من الكربوهيدريتات (Polysaccharide) يضمّ موادَّ غذائية وأخرى علاجية ويعود استخدامه إلى حوالي 5000 سنة.


وبحسب تقرير صادر عن البنك الدولي، يستخدم الصمغ العربي كمستحلب ومثبت (يكون غشاءً لا يخترق حول جزيئات النكهة) ويمنح المواد ملمساً ورابطاً. كما يستخدم في المشروبات الخفيفة كمستحلب ومثبت ويعطي نكهة. ويستخدم في الحلويات لربط الماء ويمنع تبلور السكر. وتعتبر خاصية الاستحلاب فيه مهمة لتوزيع الدهون على أجزاء المنتج وعدم تحركها نحو السطح. كذلك يستخدم في أدوية الشراب والمطهرات وأدوات التجميل والمواد اللاصقة.


ويستخدم أيضاً في والأحبار والأقمشة ولا يتم تعديله كيميائياً ويصنف ضمن المكوّنات الطبيعية. عدا أنه مصدر أساسي للألياف ويحتوي على ما لا يقل عن 15 في المئة من الألياف الغذائية القابلة للذوبان وسعراته الحرارية قليلة.


تمثل المشروبات الخفيفة (الغازية) والحلويات معظم الطلب على الصمغ العربي كما تستخدمه صناعة الدواء. أما الاستخدامات التقنية كالطباعة والغراء والسيراميك فتشكل منفذاً محدوداً. ويستخدم أيضاً في أغذية الحمية والصحة لاحتوائه على كمية كبيرة من الألياف.


يشير البنك الدولي في تقريره إلى أنّ مصنّعي المواد الإضافية الغذائية حاولوا إيجاد بديل للصمغ العربي، إلا أنّ هذه البدائل لا تؤدي وظيفته. فبالإضافة إلى أنه طبيعي وخالٍ من السموم، يتميّز بمزايا تقنية غير متوافرة في البدائل. إذ تحتفظ المنتجات المحتوية على الصمغ بنكهتها وبمدة صلاحية أطول.


المشروبات الغذائية: الصمغ ضرورة

تقول شركات أمريكية تعمل في مجال استيراد وتحويل الصموغ، إنّه في غياب هذا المحلب (الصمغ) المعروف أيضاً برمز E 414، "ستطفو المادة السوداء التي تُستخدم لتلوين الكوكا كولا على سطح القنيّنة. ولن يعود بإمكاننا تناول المشروبات الغازيّة، ولا استهلاك السكاكر والأدوية التي يثبّت الصمغ تغليفتها، ولا تناول الألبان التي يُستخدم في تكثيفها، أو شرب النبيذ الذي يخفّف من حموضته، أو طبع الصحف التي يسمح بتثبيت الحبر عليها". هذا فضلاً عن دوره في صناعة الأدوية، ومستحضرات التجميل، والأغذية، والمشروبات العطرية، والأقمشة، إلخ.


يعتبر السودان أكبر منتج للصمغ العربي في العالم ومعظم إنتاجه من شجرة الهشاب. ويمتد حزام الصمغ عبر اثنتي عشرة ولاية في السودان (حوالي خمس المساحة البالغة 500000 كيلومتر مربع) معظمها في مناطق الزراعة المطرية التقليدية في غرب ووسط البلاد ويعمل فيه نحو خمسة ملايين شخص.


بحسب البنك الدولي، أسهم مشروع ترقية إنتاج وتسويق الصمغ العربي في السودان منذ العام 2010 في زيادة متوسط الدخل السنوي 65 في المائة، من 5105 جنيهات سودانية (1157 دولاراً) في العام 2010 إلى 8416 جنيهاً (1907 دولارات) في العام 2011. وبين عامَيْ 2009 و2011 سجلت صادرات الصمغ العربي زيادة كبيرة مقدارها 120 في المائة.

 

يقول الأمين العام لمجلس الصمغ العربي السوداني، عبد الماجد عبد القادر، إنّ مقدار صادرات الصمغ العربي الى الولايات المتحدة خلال 2013، بلغ 42 طناً بعائد ناهز الـ103 ملايين دولار. وتوقّع أن يصل إجمالي الصادرات من السلعة الإستراتيجية إلى 55 طناً في نهاية 2014.

 

كما أشار الى أنّ الولايات المتحدة كانت تستورد الصمغ العربي من السودان بطرق غير مباشرة، مبيّناً أن بعض الشركات الأمريكية تغلبت على الحظر الاقتصادي المفروض على السودان باستصدار قرارات قضائية من ولايات أمريكية تسمح بالاستثمار الزراعي في السودان.

 

وأضاف أن الولايات المتحدة تستورد ما نسبته 10 إلى 15% من حاجاتها الخاصة من الصمغ العربي من السودان، بينما تستورد ما نسبته 80 إلى 85% من شركات دول غربية عبر إعادة الاستيراد، وهي شركات ألمانية وفرنسية وإيطالية تستورد الصمغ من السودان بغرض التصنيع، ثم تعيد تصديره إلى الولايات المتحدة.

التعليقات

المقال التالي