النفط يتقلّب وحياتنا أيضاً

النفط يتقلّب وحياتنا أيضاً

"هناك صدع في أوبيك. وهو يرجح حصول حرب أسعار خلال الأشهر الستة المقبلة". "النفط الخام يترنح على حافة الإنهيار". هاتان العبارتان استخدمهما طوم كلوزا Tom Kloza كبير محللي النفط في "غاز بادي دوت كوم" GasBuddy.com في تقرير لكليفورد كراوس Clifford Krauss نشرته الـ"نيويورك تايمز" New York Times الاثنين الفائت.

على أن أهمية التقرير لا تكمن في التحليل الكلاسيكي لأسعار الطاقة عبر ربطها بحركة العرض والطلب بين الدول المنتجة للنفط والدول المستهلكة له، إنما تكمن أهميته في ربطه حركة الأسعار بالصراعات الدولية من أجل السيطرة والنفوذ في أكثر من ناحية من نواحي العالم المشتعلة، لا سيما في الشرق الأوسط.

اعلان


يشير كاتب التقرير إلى أن غالبية محللي النفط يعزلون  التراجع الأخير في الأسعار عن الطفرة في تقنيات التنقيب عن النفط في الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتحديد في داكوتا الشمالية وتكساس. ويضيف أنه خلال الأيام الأخيرة، خفضت عدد من الدول المنضوية في "منظمة البلدان المصدرة للنفط" (أوبيك)، كالسعودية والكويت والعراق وإيران والإمارات العربية المتحدة، من أسعارها للمشترين الأوروبيين والأسيويين نتيجة اشتعال المنافسة على حصة كل منها من السوق العالمية. وهو تحول جوهري يعكس تبدلاً في نظرة دول أساسية في "أوبيك" إلى مصالحها. فبدلاً من زيادة مداخيلها الآنية من الريع النفطي، تسعى دول كالسعودية إلى تكبد خسائر مؤقّتة في سبيل تعزيز حصّتها من السوق النفطية العالمية، وفي سبيل الضغط أيضاً على خصومها الإقليميين، إيران تحديداً، في ملفات أساسية. علماً  أن حصة دول "أوبيك" تبلغ حوالي ثلث إنتاج النفط العالمي.

التراجع ليس سحراً

وإذ يشير التقرير إلى دور سعودي أساسي في هذا التراجع، وإلى إمتعاض إيران وفنزويلا منه، يربط في المقابل التراجع بعوامل عدة. أولاً، محاولة السعودية إبطاء الإنتاج في الولايات المتحدة الأمريكية. ثانياً، تراجع الطلب العالمي على النفط، خصوصاً في أوروبا. ذلك أن الزيادة في المعروض النفطي تبلغ حوالي مليون برميل، مقارنة بحاجة السوق العالمي البالغة 90 مليوناً في اليوم. وهو أمر قابل للتبدل، بحسب التقرير، إذا هاجم تنظيم الدولة الإسلامية منابع النفط في جنوب العراق، أو إذا جددت الميليشيات الليبية حصارها لموانئ النفط.

ثالثاً، لعبت طفرة النفط الصخري في أمريكا دوراً بارزاً في زيادة المعروض العالمي من النفط. إذ بلغ الإنتاج المحلي الأمريكي حوالى 8.7 ملايين برميل يومياً، بزيادة مليون برميل مقارنة بإنتاج العام الماضي، وهي أعلى زيادة منذ ربع قرن تقريباً. لكن المهم هنا، أن هذه الزيادة خفضت واردات أمريكا النفطية من دول "أوبيك" بنحو النصف منذ العام 2008.

يضاف إلى ما تقدم، إشارة إدارة الطاقة الأمريكية الأسبوع الماضي، وفق التقرير، إلى أن استهلاك الطاقة في الدول المتقدمة تراجع 200 ألف برميل في اليوم، وهذا يعكس تراجع الطلب على النفط في أوروبا واليابان تحديداً. وهو تراجعٌ قابلته دول أساسية في "أوبيك"، بزيادة إنتاجها، فعزّز ذلك كفة العرض على الطلب.

من جهة ثانية، يشير ستانلي ريد Stanley Reed في تقرير ثان إلى أن أسعار النفط الخام بلغت أدنى مستوياتها منذ العام 2012 بفعل تباطؤ النمو في أوروبا والصين أكثر مما كان متوقعاً، في مقابل ازدياد المعروض. وإذ يتفق ريد مع كراوس في تحليل الدور السعودي الساعي إلى زيادة حصة المملكة من السوق العالمية ولو على حساب السعر، يبيّن أن شركة النفط الوطنية السعودية "سعودي أرامكو" خفضت سعر البرميل بحوالى دولار لزبائنها الأسيويين- أصحاب الحصة المتنامية بشكل ملحوظ من النفط الخليجي- وبحوالي 40 سنتاً في البرميل لأمريكا. كذلك يلفت ريد إلى أن صادرات النفط الخام من الولايات المتحدة الأمريكية ارتفعت بحوالى 400 ألف برميل يومياً، منها حصة معتبرة لكوريا الجنوبية التي تعتبر سوقاً أساسية للنفط الخليجي. وهذا، إن عنى شيئاً، إنما يعني أن إنتاج أمريكا من النفط الصخري بدأ بمزاحمة البلدان الخليجية على أسواق استهلاكها الرئيسة، وهذا يفتح الآفاق على المدى الطويل أمام تبدلات بنيوية في خريطة التحالفات الجيوسياسية الدولية. ذاك أن "الزيادة في الإنتاج الأمريكي قللت من تداعيات المواجهة مع روسيا في أوكرانيا، فضلاً عن تداعيات الاضطراب السياسي في سوريا والعراق، وانفجار "الإيبولا" في غرب أفريقيا، وهي كلها عوامل يفترض أن تؤثر في جانب العرض، ولكنها، في المقابل، خفضت الأسعار".

السعودية: مصدّر أو مستهلك؟

على أن المتخصص في شؤون الطاقة وليد خدوري ذكر في مقالة له في جريدة "الحياة"، أنه على الرغم من الكلام الكثير الذي يتردد "عن تحديات مستقبلية تواجه النفط العربي، خصوصاً المنافسة من بدائل الطاقة والاكتشافات الهيدروكربونية الجديدة، سيبقى النفط العربي مهماً بفضل تنافسيته الاقتصادية مع النفط الآخر، خصوصاً بفضل قدرة  النفط العربي على تلافي النقص في الأسواق العالمية نتيجة انخفاض الإمدادات بسبب حوادث صناعية أو كوارث طبيعية أو حصول زيادة سريعة في الطلب".

لا يكتفي خدوري بتعداد التحديات الخارجية أمام صادرات النفط الخليجية، إنّما ينصب قدر كبير من جهده التحليلي على سبر أغوار التحديات الداخلية. إذ يشير إلى "ارتفاع معدل الاستهلاك في السعودية من معدّله الحالي البالغ نحو ثلاثة ملايين برميل يومياً إلى نحو ثمانية ملايين بحلول 2030"، لافتاً إلى أن المعدّل الأخير قريب من مستوى الإنتاج السعودي في الفترة الراهنة ومقداره نحو تسعة ملايين برميل يومياً، وهذا سينجم عنه انخفاض كبير في معدل الصادرات. وهو أمر سيؤدي إلى تغيّر جوهري في السوق النفطية العالمية، لكون السعودية المصدّر الأكبر في العالم.

أما التراجع الأخير المسجّل في سعر برميل النفط العالمي فيربطه خدوري بـ"زيادة دول أوبيك إنتاجها منذ مطلع يونيو. فقد ارتفع مجمل إنتاجها من نحو 30.48 مليون برميل يومياً للعام 2013 إلى نحو 30.68 مليون في أغسطس الماضي، على الرغم من انخفاض الإنتاج من ليبيا والعراق خلال الفترة ذاتها". وذلك للتعويض عن نقص الإنتاج في هاتين الدولتين، الذي بدأ مع مطلع الصيف الماضي.

كما تزامنت هذه التغييرات، في رأي خدوري، مع الانخفاض المستمرّ لواردات أمريكا النفطية خصوصاً من دول "أوبيك". وهذا يعني "اضطرار الدول المصدرة للعثور على أسواق جديدة، بالاتجاه إلى الأسواق الآسيوية". في النتيجة، "أدت المنافسة الشديدة على السوق الآسيوية إلى اضطرار الدول إلى خفض معادلاتها السعرية للنفط المتجه شرقاً".

هكذا إذن يتبدى كم أن تقلّبات أسعار النفط العالمية متداخلة تداخلاً جدلياً مع الصراعات الجيوسياسية الحاصلة في عالم اليوم. ولدى الأخذ في الاعتبار حقيقة أن مشتقات النفط تدخل في تكاليف إنتاج كل ما يتعلق بحياة الناس اليومية، تتكشف مدى خطورة عزل الأكثرية الساحقة من مواطني الدول المتضررة، خصوصاً الأكثر فقراً، عن آليات صنع القرار في دولهم. فهذا العزل يكلفهم أضعافاً مضاعفة في المأكل والمشرب والصحة والتعليم والتنقل، إلخ. التفرج على ما يحصل ليس حلّاً. التفرّج، في الأصل، هُوَ هُوَ المشكلة.

التعليقات

المقال التالي