اقتصاد الحرب

اقتصاد الحرب

تستهلك الحروب، بالإضافة إلى الطاقات البشريّة، الزخم الاقتصادي وتنهك البلدان مستنزفةً جميع القطاعات دون استثناء. كما تشكّل منظومة اجتماعيّة جديدة تتوزّع على أساسها الثروة في صيغ مختلفة. لقد دفعت الحروب الحديثة والنزاعات الأهلية منذ بداية القرن العشرين العديد من الدول إلى اعتماد تخطيط اقتصاديّ يحافظ على توازن ابين لاقتصاد المحليّ ومتطلّبات النفقات الروتينيّة المدنيّة من جهة وبين ما يحتاجه المجهود الحربيّ من موارد وتدابير استثنائيّة من جهة أخرى. من هذا المنطلق، ظهر مفهوم اقتصاد الحرب، وهو مجموعة التدابير التّي تتخّذها الدولة خلال الحروب أو عند اندلاع الأزمات والنزاعات الداخليّة كي يصمد اقتصادها خلال هذه الظروف الاستثنائيّة، وذلك عبر اعتماد نظام إنتاجي يعمل على توفير الموارد الاقتصادية لضمان استمرارية التماسك على المستوى الداخليّ المدنيّ وكسب المواجهة العسكريّة.

لهذا الغرض، يتم اتخاذ بعض الإجراءات لتحويل اقتصاد البلاد إلى اقتصاد حرب، كرفع نسبة الضرائب وإعادة توزيع الموارد، علاوة على إعادة الدولة النظر في نشاطها الاقتصادي وإجراء التعديلات المناسبة من خلال إتباع بعض التوجهات التي تخدم المجهود الحربي. تبدو المعضلة أكبر في الدول النامية التي تزداد أعباؤها نظراً لعدم قدرتها على تصنيع احتياجاتها العسكريّة وجزء هام من مستلزماتها الاستهلاكيّة المدنيّة ممّا يضطرّها للاستيراد واستنزاف مدّخراتها من العملة الصعبة التّي تكون عاجزة عن تعويضها، كما تشهد عند اندلاع النزاعات الأهليّة تباطؤ نسق الإنتاج وانخفاض وتيرة المبادلات التجاريّة الخارجيّة.

تفضي النزاعات الأهليّة والحروب غالباً إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية نتيجة تهديم وسائل الإنتاج كالبنى التحتية، وإعادة توزيع القوى العاملة البشرية، على أُسُس غير اقتصادية وتهجير أعداد كبيرة منها إلى الخارج، وانهيار حكم القانون، وتدهور الأوضاع الأمنية، وتقسيم السوق الواحدة إلى بضع أسواق، واضطراب مختلف مجالات النشاط الاقتصادي، من إنتاج وتوزيع، وتبادل في الداخل ومع الخارج، وشلل أو هجرة عدد كبير من المؤسسات الاقتصادية، وانهيار الإطار القانوني والمؤسّسي الذّي يحكم النشاط الاقتصادي ويرعاه.

إذن، تبدو نتائج الاضطرابات السياسيّة والأمنيّة كارثيّة على الاقتصاد المحليّ. فانفجار نزاع أهليّ أو خارجيّ سيؤدّي إلى حالة من الانكماش الاقتصاديّ نظراً لجملة أسباب، أوّلها الارتفاع المحتمل للنفقات الأمنيّة والعسكريّة وقفز العجز المالي للدولة قفزات كبيرة. كما أنّ القطاع الخاصّ يتعرّض لضرر فادح نتيجة انكفائه عن طلب التحديث ومواكبة التطورات المستجدة في المجالات العلمية والتقنية والمهنية والإدارية مادياً وبشرياً على السواء، وذلك بسبب محدودية أفق العمل الناجمة عن حدة الصراع وانعدام الأمن والاستقرار، وانخفاض المنافسة الداخلية. عدا أن عدداً كبيراً من كبار رجال الأعمال وأصحاب المشروعات، يغادرون البلد المضطرب إلى حيث مجالات العمل أكثر اتساعاً وأمناً في صورة مشابهة لما حدث في الأسابيع الأولى في العديد من دول "الربيع العربي" ممّا يؤدّي إلى تآكل الاحتياطيّ المحليّ من العملات الأجنبيّة، ما يعود بالضرر على الاستهلاك الداخليّ في كلّ المجالات.

كذلك تتسّبب النزاعات الأهليّة والحروب الخارجيّة في انهيار المؤسّسات وانتهاك القوانين والأطر الرسميّة للأنشطة الاقتصاديّة وظهور ما يسمى الاقتصاد الموازي، ونموه وتوسعه. هذا الاقتصاد لا يلتزم بقواعد العمل الاقتصادي المتعارف عليها، وهو ما يزيد من ضعف دور القطاع الخاص، إذ يجد القطاع الخاص نفسه، وهو "التقليدي" ذو المهارة العالية والإنتاجية المرتفعة، في صراع غير متكافئ مع طرف لا يقيم وزناً للمنافسة النزيهة أو للمصلحة العامّة.

من الدول العربيّة التي اعتمدت "اقتصاد الحرب" خلال العقود القليلة الماضية، العراقخلال حرب الثماني سنوات ضدّ إيران، وسوريا خلال الحرب الدائرة حالياً على أراضيها منذ ثلاث سنوات، بالإضافة إلى تونس التّي يبدو أنّها ماضية يوماً بعد يوم في اعتماد موازنات تستجيب لمتطلّبات الحرب التي تخوضها ضدّ الإرهاب في الشريط الغربي للبلاد.

تبيّن الجداول التالية أهمّ الارتدادات الاقتصاديّة لاقتصاد الحرب خلال اعتماد سياسة اقتصاديّة مسخّرة للمجهود الحربيّ. كما يستعرض الجدول انعكاسات هذه السياسة على مختلف المؤشرات الاقتصادية كالتضخّم وعجز الموازنات العامة والمديونيّة من خلال أمثلة لثلاثة أنواع من الحروب: حرب بين دولتين، حرب أهليّة وأخيراً حرب ضد عصابات تعتمد ضربات استنزافيّة.

Print

Print

Print

سميح الباجي

صحافي تونسي في موقع نواة، متخصص في الشؤون الاقتصادية والسياسية والنقابية. يحمل إجازة في العلوم الاقتصاديّة والتجاريّة.

التعليقات

المقال التالي