الإرهاب الاقتصادي في تونس

الإرهاب الاقتصادي في تونس

يتناسى السياسيّون أنّ النموّ الاقتصاديّ هو صمّام الأمان لحالة الاستقرار السياسيّ، وأنّ تخفيض نسبة البطالة وتحسين مستوى الدخل الفرديّ والطاقة الشرائيّة وهيكلة البرامج التنموية وفق الحاجات الحقيقيّة للبلاد، هي البلسم الذّي سيهدّئ نفوس النّاس. المطلب الأوّل الذّي رفعه التونسيّون في 17 ديسمبر كان التشغيل وتوفير مقوّمات الحياة الكريمة لمئات الآلاف من الشباب الذّين ضاقوا ذرعاً بزيف النظام السابق وتجاهله لمشاكلهم. يعيد السياسيّون اليوم الخطأ بتجاهلهم للمشكلة الأهم ويحاولون التملّص من المسؤوليّة عبر الدخول في صراعات جانبيّة وجدالات عقيمة والسعيّ لجعل المعارضة شمّاعة يعلّقون عليها كلّ أخطائهم، مُتناسين مرّة أخرى أنّ البطون الجائعة والجيوب الفارغة لا تعنيها مسألة الهويّة، أو الحرب في سوريا، أو التجربة النوويّة في كوريا الشماليّة.

اعلان


الصراعات السياسيّة التّي تغرق فيها البلاد قد أعمت الكثير من السياسيّين عن المشكلة الحقيقيّة والحلّ الحقيقيّ في آن واحد، بل تحوّلت إلى إرهاب اقتصاديّ يشمل الجميع دون استثناء، إرهاب أساسه التجويع حتّى الفوضى.

يعيش الاقتصاد التونسي منذ 14 يناير 2011 ظرفاً حرجاً جدّاً اتّسم بالتراجع والانكماش في نموّ جميع القطاعات. تراجع سعر صرف الدينار التونسيّ 10% مقارنة باليورو، وهي نسبة مرتفعة ذات تأثير سلبيّ على اقتصاد دولة كتونس التي يرتبط استهلاكها ارتباطاً وثيقا بالاستيراد، كما ستشمل الآثار مسألة المديونية، ذلك أنّ ما يقارب ثلثي ديون البلاد بالعملة الصعبة، وهو ما سيرفع من قيمة الدين.

تفاقمت وضعيّة الدينار التونسي نظراً للوضع الاقتصاديّ العامّ في البلاد واختلال التوازنات الماليّة وتنامي العجز التجاريّ، بالإضافة إلى تحويلات التونسيّين المقيمين في الخارج والاستثمارات الأجنبية التّي تأثّرت بالأوضاع المحليّة المترديّة وبالوضع الاقتصاديّ العام خصوصاً في دول الاتحاد الأوروبي.

أمّا نسبة التضخّم السنوي فقد ناهزت الـ6% في يوليو الماضي، وهو ما يؤدي إلى انخفاض نسق الاستهلاك والاستثمار المحلّي والأجنبي وتآكل الطبقة الوسطى وارتفاع نسبة البطالة التّي بلغت 17.6%. يجمع جميع الخبراء على انخفاض الثروة الوطنيّة وتضرّر مختلف القطاعات الحيويّة التّي تمثّل دعامة الاقتصاد المحليّ، كالسياحة والصادرات والاستثمار الأجنبي المباشر، ممّا انعكس على التصنيف الائتمائي لتونس وأدّى إلى تخفيضه وما يعنيه ذلك من "انحشار" للاقتصاد تحت رحمة هياكل النقد الدولي.

 

كشف رئيس الحكومة في مارس الماضي عن حقيقة الوضع الاقتصادي الذّي تعيشه البلاد في ما درج على تسميته بحوار "المصارحة"، فأعلن عن واقع الموازنات الماليّة التي تعرف عجزاً بلغ هذه السنة ما يناهز 12 مليار دينار تونسي. رقم مرعب بالنظر إلى حجم الديون التونسيّة التي بلغت خلال السنوات الأربع المنقضية 25 مليار دينار والتّي صارت تستنزف ما يقارب 50% من الناتج المحليّ الخام للبلاد، وقد صُرف معظمها باعتراف رئيس الحكومة في الاستهلاك ومصاريف الإنفاق التي قفزت من 4,5 مليار دينار سنة 2011 إلى 11 مليار دينار سنة 2014، بالإضافة إلى الزيادة غير المدروسة للأجور بنسبة بلغت 41% وفي الدعم الذي ارتفعت نفقاته بنسبة 270% منذ 2011.

وضعيّة المؤسّسات العموميّة سيئة، ومنها شركة الخطوط التونسيّة وفسفاط قفصة ومجمّع قابس الكيميائي. بلغت خسائر هذه المؤسّسات 3 مليارات دينار تونسي خلال العقدين الأخيرين. أمّا عن البنوك العموميّة، فقد بلغت ديونها نحو 2.5 مليار دينار، وهو ما جعلها عاجزة عن دعم بقيّة المؤسّسات العموميّة الأخرى أو تمويل مشاريع تنمويّة جديدة.

هذا الوضع الكارثيّ للاقتصاد المحليّ ألقى بظلاله على المواطنين من ناحية ارتفاع نسبة التضخّم ومؤشّرات الأسعار، إذ شهدت أسعار المواد الغذائيّة ارتفاعاً  سنة 2014، بالإضافة إلى ارتفاع مؤشّر الانزلاق السنويّ لمجموعة السكن والطاقة المنزليّة من 4,6% في أبريل إلى 6,8% في مايو نتيجة التعديل الذي أجرته الحكومة أخيراً على أسعار الكهرباء والغاز. كما ارتفعت أسعار المحروقات في يوليو بنسبة 6% ليبلغ سعر لتر البنزين 1.67 دينار.

في المقابل، وإزاء هذا التطوّر الكبير في أسعار المواد الاستهلاكية المختلفة، فإنّ نسق ارتفاع الأجور كان أقلّ بكثير من المطلوب لإحداث التوازن بين القدرة الشرائيّة للمواطن وارتفاع الأسعار. وهنا تكمن أهمّ أسباب التحرّكات الاحتجاجية في مختلف القطاعات، إذ إنّ المؤسّسات الخاصة والعموميّة لم تستطع مجاراة التغيّرات الحاصلة في السوق الاستهلاكية على صعيد الأجور المقدّمة وهو ما أوجد عجزاً أمام الموظفين الذين لم تعد أجورهم قادرة على تغطية استهلاكهم اليوميّ ونفقاتهم الاعتيادية من أكل وملبس وسكن وتنقّل. لم تتطوّر الأجور في المؤسّسات الخاصّة على سبيل المثال إلاّ بنسبة 2% حدّاً أقصى خلال سنة 2013 حسب معطيات المعهد الوطني للإحصاء، كما أنّ الحدّ الأدنى للأجور في تونس لم يتجاوز اليوم وفي ظلّ هذا الارتفاع النشط للأسعار، عتبة 280 ديناراً وهو مبلغ لا يمكن أن يفي بأي حال من الأحوال بحاجات المواطن التونسيّ.

هذا الاختلال المرعب بين مستويات الدخل ونسب التضخّم وارتفاع الأسعار خلق حالة من "الإرهاب الاقتصادي"، إرهاب صامت وقاتل وإن ببطء، كان السبب الرئيسيّ لحالة من الفوضى الاجتماعيّة وتزايد الإضرابات والاحتجاجات. أشارت الإحصاءات الرسميّة إلى تضاعف نسبة الإضرابات بين سنتي 2010 و2012، في كلّ الجهات تقريباً وفي مختلف القطاعات، لتشمل ما يقارب 411 مؤسّسة عموميّة وخاصّة، وقد أدّت هذه الإضرابات إلى إغلاق العديد من المؤسّسات وفصل الآلاف من العمّال كما حدث مع مجمع "يازاكي" الياباني لإنتاج "كابلات" السيارات في أمّ العرايس وغيرها من المؤسّسات الأجنبيّة والمحليّة التي تجاوز عددها سنة 2012  الـ 160 شركة، وهو ما أحال نحو 12,370 شخصاً على البطالة حسب إحصاءات وكالة النهوض بالصناعة.

 

هذا الرقم الكبير من التحرّكات الاحتجاجية يكتسي بعداً كبيراً إذا ما ركّزنا على نسبة المشاركة التي تجاوزت في أغلب الإضرابات نسبة الـ56% وهو ما ينفي عنها الاتهامات التي تركّز على محدوديّتها وطابعها المُسيّس كما يحاول البعض تصوير الأمر. فبنسبة مشاركة مماثلة ينبغي للجهات المشغّلة من خوّاص وجهات رسميّة أن تتوقّف على السبب الحقيقيّ الذي يدفع بفئات واسعة وأعداد كبيرة من القوى العاملة في تونس إلى الإضراب عن العمل وتصعيد المواجهة، وأن لا تكتفي بنظريّة المؤامرة وإلقاء التهم على الخصوم السياسيّين في محاولة لتسطيح المشكلة.

إن سیاسة الهروب إلى الأمام والإجراءات الوقتیّة، لن تكون الحلّ الحقیقيّ لمشاكل البلاد الاقتصادية، والمزایدات السیاسیّة والحسابات الانتخابية لن تنتشل البلاد من حالة الإحباط الجماعيّ ولن تُخفّف من حالة الاحتقان.

سميح الباجي

صحافي تونسي في موقع نواة، متخصص في الشؤون الاقتصادية والسياسية والنقابية. يحمل إجازة في العلوم الاقتصاديّة والتجاريّة.

التعليقات

المقال التالي