كيف أصبحت الصين أكبر اقتصاد في العالم؟

كيف أصبحت الصين أكبر اقتصاد في العالم؟

كشف تقرير جديد صادر عن البنك الدولي أن اقتصاد الصين قد يتخطى الاقتصاد الأميركي ليصبح الأكبر في العالم أواخر هذا العام، في مؤشر آخر ينذر بتحول القوة الاقتصادية من الغرب إلى الشرق. وكانت دراسات سابقة، ومنها دراسة لصندوق النقد الدولي، قد توقعت أن لا تتربع الصين على عرش الاقتصاد العالمي قبل عام 2019.

بعدما كان حجم اقتصاد الصين أقل من نصف حجم الاقتصاد الأميركي عام 2005، شهدت الصين في السنوات الماضية نمواً كبيراً في الاقتصاد بمعدل 10%. وصل النمو إلى 24% بين عامي 2011 و2014، مما دفع الناتج المحلي الإجمالي الصيني إلى 13.5 تريليون دولار أو ما يعادل 87% من قيمة الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة الذي يقدر بـ15.5 تريليون دولار.

لم يعتمد معدّو الدراسة على إجمالي الناتج المحلي المطلق للصين، بل على إجمالي الناتج القومي على أساس القوة الشرائية، وهو العنصر الذي يعتبره الخبراء أكثر دلالة على مدى قوة الأداء الاقتصادي.

حصدت الصين ثمار اعتمادها برنامجاً اقتصادياً إصلاحياً انفتحت من خلاله على التجارة العالمية أواخر السبعينيات، وقد بلغ متوسط النمو الاقتصادي 9.9% سنوياً من عام 1978 حتى عام 2012.

البرنامج الإصلاحي الصيني

أعلنت الصين عام 1978 عن فتح الباب أمام التجارة العالمية وحددت اليوان كعملة تجارتها الخارجية، في واحدة من خطواتها الأولى لإصلاح النظام الصيني الاقتصادي، والاستفادة من مواردها البشرية الضخمة. خلقت الصين كذلك أربع مناطق اقتصادية لتشجيع الاستثمار الأجنبي، وفي عام  1982وضعت خطة لستّ سنوات تهدف لتحقيق النمو في اقتصاد السوق. في عام 1987، اعترف الحزب الشيوعي الحاكم بدور القطاع الخاص كمكمل ضروري للقطاع العام. بعد بضعة تعثرات، دخلت الصين في منظمة التجارة العالمية، وفتحت أسواق الأسهم للمستثمرين الأجانب وعدلت بنوداً في الدستور من أجل حماية الأملاك الخاصة ووقعت على اتفاق تحرير الأسواق مع 10 دول جنوب شرق آسيا، وعملت على تقوية العلاقة الاقتصادية المباشرة مع أميركا لمواجهة التحديات بعيدة المدى. وفي عام 2008 استثمرت الصين 586 مليار دولار في مشروع لدعم البنى التحتية ومجالات عدة مختلفة.

زيادة الاستثمار المباشر الأجنبي  ونمو التبادل التجاري  

اجتذبت الصين تدفقاً مستمراً من الاستثمارات الأجنبية سنوياً منذ انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001، إذ تسابقت الشركات لدخول الدولة الأكبر في العالم من حيث عدد السكان. تزايد الاستثمار الأجنبي المباشر في الصين بنسبة 10.4% في أول شهرين من هذا العام بالمقارنة مع نفس الأشهر في العام الماضي، ليرتفع بذلك إلى 19.31 مليار دولار. 6.33 مليار أو ما يعادل ثلث قيمة الاستثمار الأجنبي، صُرف على قطاع الخدمات، الذي أصبح يشكل في العام الماضي 44.6% من الاقتصاد الصيني. يذكر أن الاستثمار الأجنبي في الصين سجل في ذلك العام مستوىً قياسياً بلغ 117.6 مليار دولار.

من جهة ثانية، نما إجمالي تجارة الصين بنسبة 7.6% في 2013 وهو ما يقل عن الهدف الرسمي البالغ 8%. وارتفعت قيمة صادرات الصين بنسبة 10.6% في يناير من العام الماضي، أي خمس مرات أكثر من التوقعات. ذكرت إدارة الجمارك السنة الماضية أن حجم التبادل التجاري في البلاد في عام 2012 بلغ 3.87 تريليون دولار، متخطياً قيمة التبادل التجاري في الولايات المتحدة الأميركية الذي بلغ 3.82 تريليون.

ارتفاع نسبة المتعلمين وانخفاض نسبة العاطلين عن العمل

أعلنت السلطات الصينية في شهر مارس أن الإنفاق على التعليم بلغ 1.26 تريليون دولار في السنوات الخمس الماضية، ليصل إلى 4% من الناتج المحلي الإجمالي. هذا الإنفاق على التعليم زاد من نسبة المتعلمين في البلاد لتتضاعف خلال السنوات الـ30 الماضية بحسب تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD.

في أواخر التسعينيات، التحق أقل من 10% من الشباب الصيني البالغ عمرهم ما بين 18 و22 سنة  بـالتعليم العالي، وفقاً لبيانات حكومية. اليوم، وبعد عقدين من الزمن، زادت النسبة إلى 27%، أي ما يعادل 30 مليون طالب، فيما تأمل الحكومة أن تصل نسبة طلاب التعليم العالي إلى 40% بحلول عام 2020. مع زيادة نسبة  المتعلمين، نما دخل الفرد بمعدل متوسط قدره 8.3% سنوياً.

بحسب وزارة العمل، ارتفع معدل البطالة في المدن الصينية بشكلٍ طفيفٍ إلى 4.05% في نهاية ديسمبر عام 2013، ولكن تبقى هذه النسبة قليلة بالمقارنة مع النسب المعلنة في دول أخرى. ففي الدول ذات الاقتصادات المتقدمة، يبلغ معدل البطالة بين أولئك الذين يبلغون من العمر ما بين 16 و24 عاماً ما يقارب 18.1%.

وفيما تتوقع منظمة العمل الدولية ILO أن ترتفع نسبة البطالة ما بين الشباب إلى 12.8% حول العالم بحلول عام 2018، تبقى نسب البطالة في الصين مقبولة مقارنة ببلدان أخرى تأثرت بشكل كبير بالأزمة الاقتصادية العالمية، ومنها الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة، حيث تقارب نسبة البطالة بين الشباب 20%.

الولايات المتحدة ليست في مأزق ولكن الإصلاحات ضرورية

إذا صدقت توقعات تقرير البنك الدولي، وتربعت الصين على عرش أكبر اقتصاد في العالم أواخر هذا العام، تكون المرة الأولى التي تسقط الولايات المتحدة من مركزها الريادي في العالم منذ القرن التاسع عشر. يأتي هذا التغيير باكراً، بعدما رجحت التقارير السابقة ألا تتصدر الصين المشهد الاقتصادي قبل عام 2019. يشير الاقتصاديون إلى أنه ليس من داع للقلق على مستقبل اقتصاد الولايات المتحدة، لأن تصنيف الاقتصادات بحسب كبرها لا يعكس قوتها، ويؤكدون على أن الاقتصاد الأميركي يبقى الأكثر تنوعاً وإبداعاً في العالم، حتى اليوم، لا سيما أنه يستمر في إظهار إشارات تعافٍ ثابتة ولكن بطيئة من الأزمة التي عصفت به عام 2008.

يقول تقرير أصدرته مجموعة بوسطن الاستشارية BCG، موضحاً القدرة التنافسية للبلدان الـ25 الأولى في التصدير، إن الولايات المتحدة ستعود لتكون "النجم الصاعد" في الصناعة العالمية بفضل انخفاض أسعار الغاز الطبيعي المحلي، وارتفاع إنتاجية العامل، وعدم وجود ضغط تصاعديّ للأجور. ورغم كون الصين لا تزال الدولة رقم 1 في العالم من حيث القدرة التنافسية الصناعية، فهي اليوم تعيش "تحت الضغط" نتيجة لارتفاع تكاليف العمالة والنقل وثبات النمو الإنتاجي.

التعليقات

المقال التالي