اقتصاد دول الربيع: انتهى اللعب وبدأ الجدّ!

اقتصاد دول الربيع: انتهى اللعب وبدأ الجدّ!

مرّ أكثر من ثلاثة أعوام على انطلاقة “الربيع العربي”. شعوب دول الربيع حققت القليل مما كانت تطمح إليه، قليلاً من الحرية، قليلاً من الديمقراطية، لكن أوضاعها الاقتصادية تراجعت. انتهت مرحلة الشعارات الرنّانة وبدأت مرحلة التحديات الصعبة.


عندما قام محمد بوعزيزي بإحراق نفسه أمام مقر ولاية سيدي بوزيد التونسية، كان، بشكل أساسي، يعترض على وضعه الاقتصادي الصعب، وعلى تعدّي القوى الأمنية على عربة الخضار التي كانت آخر ما يقيه وعائلته من العوز. وفي مصر صدح من حناجر المتظاهرين في 25 يناير شعار "عيش، حرية، عدالة اجتماعية". الجماهير الثائرة كانت تطمح إلى حياة كريمة وظروف اقتصادية واجتماعية أفضل. كانت تظن أن وقف الفساد والسرقات كفيل بإحداث نقلة نوعية في حياتها. السلطات التي أعقبت الأنظمة المخلوعة تلهّت بالجانب الإداري من الحرية. الآن وجدت نفسها أمام التحدّي الأساس: ماذا ستقدّم في مجال الاقتصاد؟

اعلان



تونس... الوضع حرج

رئيس الحكومة التونسية مهدي جمعة ينبّه من "خطورة الوضع الاقتصادي لتونس". وزير الاقتصاد التونسي حكيم بن حمودة يتحدث عن الوضع الاقتصادي "الحرج والدقيق". نضال الورفلي، الناطق الرسمي باسم رئاسة الحكومة، يقول إن وضع البلاد الاقتصادي "يمكن أن يكون كارثياً". هذه هي حال تونس حيث انخفض النمو الاقتصادي فيها من 5 بالمئة قبل الثورة إلى ما دون الـ2 بالمئة أحياناً. حالياً هناك مخاوف على قيمة الدينار التونسي في بلد تراجعت صادراته في الأشهر الثلاثة الماضية بنسبة 1.8 بالمئة، في الوقت الذي ارتفعت فيه وارداته بنسبة 7.9 بالمئة، وذلك مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.


معدّل البطالة الذي وصل في أواخر حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي إلى 14 بالمئة وكان أحد أسباب الثورة ارتفع إلى 15.7 بالمئة في العام الماضي والمشكلة مرشحة للتفاقم. في تونس الآن أكثر من 610 آلاف مواطن عاطل عن العمل. سنوياً،يتخرّج 70 ألف شخص، بينما لا يوفر سوق العمل أكثر من 30 ألف وظيفة جديدة. لحلّ هذه المعضلة يجب أن يحقق الاقتصاد التونسي نمواً سنوياً بحدود الـ7 بالمئة وهذا بعيد جداً عن واقع الحال.

لا استقرار المرحلة الثورية انعكس سلباً على الاستثمارات الأجنبية. هناك حاجة ماسة لاسترجاع ثقة المستثمرين بالاقتصاد الوطني لجذبهم إلى تونس وخاصة إلى المناطق الفقيرة التي انطلقت منها شرارة الثورة. على الحكومة أيضاً الالتفات إلى هذه المناطق، حيث أن ثلثي الاستثمارات العامة التي تديرها لا تزال متركزة في المناطق الساحلية للبلاد.


يحصل هذا في ظل عجز مالي تواجهه الخزينة التونسية، ما اضطرها إلى اقتراض 221 مليون دولار من أجل دفع مرتبات شهر أبريل. وكان وزير الاقتصاد قد كشف أن العجز في الموازنة لن يكون أقل من 4.9 مليارات دولار وذلك نتيجة النقص الحاد في الموارد الذاتية مقابل ارتفاع مصاريف التسيير وتطور نفقات الأجور.


ما العمل؟ "لا خيار أمام تونس لمواجهة الإفلاس والانهيار الاقتصادي سوى طلب الدعم من أصدقائها ومزيد من الاقتراض"، قال مهدي جمعة قبل بداية جولته الخليجية منذ أيام. يسير رئيس الحكومة الانتقالية على خطى حكومات الترويكا التي تمادت في أخذ القروض ما سيسبب إرهاقاً للخزينة التونسية بعد سنتين حين تستحق مواعيد البدء بتسديدها. المشكلة الأساسية هي أن هذه القروض لا تفيد سوى في تأجيل الكارثة، فهي لا تُوظَف في قطاعات منتجة ومشاريع استثمارية بل تستخدم للاستهلاك.

مصر في محنة

عندما اندلعت الثورة المصرية كان الوضع قد وصل إلى مرحلة بالغة السوء: ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، ارتفاع الأسعار، تردي الخدمات الصحية والتعليمية، تفشي الفساد... لم يتغيّر الكثير في بلاد النيل بعد ثلاث سنوات من عمر الثورة. "مصر في محنة اقتصادية"، أكّد أحمد المسلماني، المستشار الإعلامي للرئيس.

بعد الثورة، تراجعت موارد قطاع السياحة، الحيوي بالنسبة للاقتصاد المصري، بنسبة 65 بالمئة، وذلك نتيجة للأوضاع السياسية والأمنية غير المستقرة. أقفل حوالي 5000 مصنع وتراجع حجم الاستثمارات الأجنبية بشكل كبير. الأرقام تشير إلى مشكلة خطيرة. نسبة البطالة وصلت إلى 25 بالمئة. معدّل النمو المتوقع للسنة الحالية لن يتجاوز 2.3 بالمئة وهو معدل متدنٍ لا يتناسب مع معدل النمو السكاني المرتفع. بعد 3 يوليو، تفاقمت الأمور أكثر إذ بلغ معدّل التضخم في المرحلة الانتقالية 10.9 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.


وصل العجز في الموازنة إلى 34 مليار دولار. "نحن الآن نعيش على جهاز تنفس صناعي مع مساعدات دول الخليج"، قال شريف سامي، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية بمصر. منذ 3 يوليو، حصلت مصر على قروض تزيد قيمتها عن 12 مليار دولار. للوهلة الأولى، الرقم كبير ومشجّع. ولكن هذا الرقم متواضع مقارنة بحجم الاقتصاد المصري. وحدها تكاليف خدمة الدين العام ستصل في موازنة العام المالي الحالي إلى أكثر من 25 مليار دولار. كما أن الدعم الخليجي كان سياسياً ومؤقتاً ولا يمكن الاعتماد عليه. حين زار رئيس الوزراء المصري الإمارات العربية المتحدة، قال له نائب رئيس مجلس الوزراء الإماراتي، الشيخ منصور بن زايد آل نهيان: "لا يمكن أن تعيش مصر على مساعدات الخليج وحدها لإصلاح اقتصادها".


بعد الثورة، لم تسر أيّ من الحكومات المصرية المتعاقبة في خطة إصلاحية. الإصلاح يعني التقشف وأموراً ستؤثر سلباً في حياة المواطن وستنعكس سلباً على شعبية الحاكم. بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، لن يعود ممكناً التأجيل. ينتظر المصريون ما لم يتوقعوه أبداً.

وعود بحياة صعبة!

أمام هذا الواقع الصعب، لا تملك السلطات في البلدين حلولاً سحرية. في تونس، سيوجّه رئيس الحكومة مهدي جمعة، قريباً، كلمة إلى الشعب التونسي "لمصارحته والكشف عن المصاعب الاقتصادية التي تمر بها تونس". جمعة دعا الجميع إلى "التضحية من أجل مصلحة تونس". وقريباً أيضاً، يُنتظر أن يُعقد حوار وطني اقتصادي على غرار الحوار الوطني الذي أخرج البلاد من أزمتها السياسية. ليست واضحة التدابير التي يمكن اللجوء إليها. وزير الاقتصاد التونسي حكيم بن حمودة تحدث عن "مخطط تنموي جديد لمدة 20 عاماً". إذن، لن يكون هناك شيء ملموس في المدى القريب. "إن توفير الأمن وإعادة العمل والتوافق بين كل الأحزاب هي الحلول الممكنة للخروج من الوضع الاقتصادي الصعب"، قال نضال الورفلي، الناطق الرسمي باسم الحكومة. ماذا يعني هذا؟ يعني ببساطة أن التونسيين سيخيّرون بين استمرارهم في التظاهر والاعتراض كأحد مكتسباتهم الثورية وبين الاستقرار الضروري للخروج بهم من أزمتهم الاقتصادية.


بعد ثورة 1952 المصرية، اتخذت الحكومة الثورية خطوات جدية هدفت إلى إعادة توزيع الموارد. تدخلت الدولة في الاقتصاد وأصدرت قانون الإصلاح الزراعي الشهير واتخذت خطوات هدفت إلى تحويل جزء من الاقتصاد المصري إلى اقتصاد صناعي بهدف خلق فرص عمل... الآن، يقول الرئيس المصري القادم عبد الفتاح السيسي للمواطن المصري: "لا تنظر إلى ما ستقدمه إليك مصر، ولكن فكر بما تقدمه أنت لبلادك" ويؤكد أنه "من الممكن أن يُظلَم جيل أو جيلان من المصريين، كي تعيش الأجيال اللاّحقة في وضع أفضل".


في خطابه، بعد استقالته من منصبه العسكري، قال المشير: "اقتصادنا ضعيف وهناك ملايين من الشباب يواجهون البطالة، وهذا أمر غير مقبول، وملايين يعانون من المرض، وهذا أمر أيضاً غير مقبول، ومصر غنية بالموارد والشعب، ولا يجب أن نعتمد على الإعانات والمساعدات، والمصريون يستحقون حياة أفضل ويعيشون بأمن وحرية وكرامة، ويحق لهم الحصول على العيش والعمل والمسكن". ماذا سيفعل؟ لن يستطيع فعل أي شيء، أقله في المدى المنظور!


كل السجالات السياسية في مصر وتونس، بعد الثورة، تركزت على انتقاد الخصم بالتقصير في تحسين أوضاع الشعب. وُعد الشعبان بالكثير وهما أساساً كانا مشحونين حتى التخمة بالأماني الزهرية. الآن هناك من يفرمل أحلامهما ويقول لهما: عليكما أن تتحملا المصاعب. فهل سيخيب أمل الثوار أم أنهم سيُطلقون ثورات اجتماعية جديدة؟

التعليقات

المقال التالي