أزمة التهريب والتجارة الموازية في تونس

أزمة التهريب والتجارة الموازية في تونس

في الخامس والعشرين من أغسطس الماضي، أعلنت السلطات التونسية حدودها مع الجزائر وليبيا منطقة عسكرية عازلة لسنة كاملة قابلة للتمديد. جاء القرار عقب الانفلات التجاري الذي تشهده البلاد بسبب تنامي ظاهرة التهريب والتجارة الموازية، وتفاقم النشاطات الإرهابية التي تستهدف سياسيين وأمنيين وعسكريين. ذلك أن التهريب تجاوز المواد الغذائية والمحروقات ليشمل الأسلحة والذخائر ولتتحول تونس إلى أرض عبور للمشروع الجهادي للتنظيمات المحلية والإقليمية المجاورة للبلاد. هل تكفي المعالجة الأمنية للتهريب في وقف التدهور الاقتصادي الذي تعرفه البلاد؟ أم أن الحل شامل ويكمن في إصلاحات اقتصادية وسياسية حقيقيّة تكون السد المنيع في وجه الانفلات الحدودي؟

ازدهار السوق الموازية في تونس

بدأت النشاطات غير القانونية على الحدود عبر توفير الخدمات التي يحتاجها المسافرون عادة، مثل خدمات الهاتف والصرافة وتوفير الطعام، على قارعة الطريق وبدون ترخيص. في مناطق الجنوب الشرقي، لا يكلف تجار العملة أنفسهم عناء الاختباء، ويديرون أعمالهم علناً، فتتطوّر إلى تهريب لمختلف البضائع الاستهلاكية كالمواد الغذائية والأجهزة الإلكترونية والبنزين، مستفيدين من الفارق الكبير في الأسعار. كان ذلك يجري على مرأى ومسمع السلطات التونسية التي كانت في الماضي تغض الطرف عن هذا النوع من التجارة الموازية لسببين. يتمثل الأوّل في تورط أصهار الرئيس السابق وبعض أفراد حاشيته عبر توفير التسهيلات اللوجيستية وتمويل اقتناء البضائع، بل وتأمين الحماية من الملاحقات الأمنية للمهربين مستغلين نفوذهم وفساد الجهاز الجمركي. أما السبب الثاني، فهو ما توفره هذه الأنشطة من فرص عمل لعدد ضخم من سكان المناطق الحدودية، وهو ما من شأنه أن يؤمن استقرار آلاف الأسر. فقد خلقت هذه التجارة مجموعات كثيرة من المستفيدين، مثل الوسطاء، وناقلي الشحنات، والبائعين بالجملة، وباعة التقسيط، وأصحاب المخازن، وغير ذلك من المهن المؤقتة، إلى جانب المهربين.

امتدّ التأثير الاقتصادي والاجتماعي لهذه الحركة التجارية الموازية ليشمل قطاعات واسعة من السكان. تنعكس آثارها فيما يسمى بأسواق ليبيا المنتشرة بكامل المناطق التونسية والتي تؤمن معظم حاجات الفئات محدودة الدخل، أو حتى الطبقة الوسطى، لانخفاض قدرتها الشرائيّة بشكل ملحوظ منذ يناير 2011.

كشف تقرير أصدره مؤخراً البنك الدولي حجم التجارة الموازية والتهريب على الحدود التونسية الليبية والحدود التونسية الجزائرية، مظهراً أن التجارة الموازية تلعب دوراً هاماً في التجارة الثنائية مع ليبيا والجزائر لاسيما في قطاعات معينة. بينت الدراسة أن التهريب يمثل أكثر من نصف المعاملات التجارية لتونس مع ليبيا، في حين من الصعب تقدير مستوى التجارة غير الرسمية مع الجزائر لأنها أكثر انتشاراً وأكثر سرية. على الرغم من ذلك، يمكن تقدير أن ما يقارب 25 بالمئة من البنزين المستهلك في تونس هو من الواردات غير الرسمية من الجزائر. كشف التقرير كذلك أن تجارة الوقود وزيت الوقود هي الأكثر رواجاً وتعتمدها أكثر من 60 بالمئة من الشاحنات المشاركة في هذا النشاط وأن التهريب ينشط كثيراً في ميدان السجائر بين تونس والجزائر. وقد بلغ إجمالي حجم التهريب بين تونس ومختلف جيرانها ما يقارب 1.13 مليار دولار سنوياً. يعتبر هذا الرقم هائلاً بالنظر إلى محدودية السوق التونسية والوضعية الاقتصادية الحالية ويعكس مدى تطور السوق الموازية في النسيج التجاري العام للبلاد.

انعكاسات التهريب على الاقتصاد التونسي

يعتبر هذا النشاط غير القانوني ذي اتجاهين. فلا تقتصر المواد المهربة على تلك الواردة من الجزائر أو ليبيا من محروقات وسجائر وبضائع متنوعة، بل تغادر قوافل التهريب التي تدخل البلاد محملة بمختلف السلع التونسية وخصوصاً المواد الغذائية. أدّت هذه العملية إلى الضغط على الأسواق التونسية لاسيما أن التهريب يشمل بعض المنتجات المدعومة مثل السكر والمعجنات الغذائية والزيوت النباتية والحليب التي ارتفعت نفقات دعمها خلال الأربع سنوات الأخيرة بنسبة 270 بالمئة، مما فاقم من عجز الموازنات المالية للدولة (7.5 مليار دولار خلال هذه السنة).

كما أدّى استنزاف المواد الغذائية في تونس وتسريبها إلى الخارج عبر مسالك غير خاضعة لرقابة الدولة إلى شح بعض هذه المواد في السوق المحلية وارتفاع نسبة التضخم بشكل ملحوظ، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية للمواطن التونسي. بلغت نسبة التضخم خلال شهر مارس من هذا العام 5.8 بالمئة، ولكن هذا الرقم يبقى نسبياً ولا يعكس بشكل واضح حدة الأزمة وتأثيرها على حياة المواطنين وقدرتهم الشرائية. فهو يبقى معطىً عاماً، لكون النسبة تختلف من قطاع إلى آخر ومن منتج إلى آخر. شهدت الأسعار ارتفاعاً كبيراً، لا سيما أسعار منتجات قطاع التغذية والمشروبات التي ارتفعت بنسبة 7.8 بالمئة على مدى عام كامل بين أكتوبر 2012 وأكتوبر 2013.


تثير الأرقام الواردة أعلاه الهلع خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية التي تعرفها البلاد وارتفاع الأسعار والنقص الحاد لاحتياطي العملة الصعبة. وتهدد مشكلة التهريب الأمن الغذائي للشعب التونسي والمحاولات للسيطرة على الانحدار الاقتصادي. أدّى تناميها في الاتجاهين إلى انتشار ما يُسمى بالسوق الخفية التي تنخر الاقتصاد الوطني، كونها سوقاً في الظل، لا تخضع للقوانين والمسالك المتعارف عليها. تتسبب  هذه السوق بخسائر جبائيّة سنوية تُقدر بـ750 مليون دولار منها 315 مليون دولار كخسائر جمركية. بالإضافة لذلك، أكد العديد من الخبراء ظهور مصارف موازية تعمل على تمويل تلك العمليات وتوفير احتياجات مثل هذه النشاطات من العملة الصعبة.

هل المعالجة الأمنية هي الحل؟

قد يكون قرار الحكومة التونسية بتشديد الرقابة على الحدود وتكثيف العمليات الأمنية خطوة تحد ظرفياً من حجم المعضلة وانعكاساتها. إلا أنها لن تشكل، بأي شكل من الأشكال، الوسيلة الأنجح لمحاربة التهريب والقضاء عليه. يسهل الارتخاء الأمني، على طول الشريط الحدودي والفساد المستشري في جهاز الديوان المكلف بالرقابة على المبادلات التجارية مع الخارج، عمليات التجارة غير الشرعية، لكنه ليس أصل المشكلة.

تدفع الوضعية الاقتصادية والاجتماعية لسكان الشريط الحدودي عدداً كبيراً من سكان تلك المناطق الى الانخراط في تلك الأنشطة المدعومة من قبل السكان المحليين الذين يشعرون بالنقمة تجاه النظام المركزي، للتفاوت الذي رسخه في البلاد. استقطب الشريط الساحلي مثلاً، منذ ستينيات القرن الماضي ما يقارب 75 بالمئة من الاستثمارات العامة وما يزيد عن 80 بالمئة من الاستثمارات الخاصة. وتبرز الدراسة التي أصدرتها وكالة النهوض بالاستثمار أواخر 2012، بوضوح الفارق بين حجم الاستثمارات في المناطق الكلاسيكية الجاذبة للاستثمارات على الشريط الشرقي للبلاد وبين الداخل التونسي. إذ تتركز أكثر من 93 بالمئة من الشركات الأجنبية في العاصمة والشريط الشرقي للبلاد. مستوى الإنفاق الأسري يعتبر كذلك من أعلى المستويات خاصة في العاصمة والوسط الشرقي، يليها، في المرتبة الثانية، الشمال الشرقي والجنوب الشرقي. نجد في هذه المناطق أهم المدن وأكثرها تطوراً وتركزاً للثروات، سواء على مستوى المؤسسات والإنتاج أو على مستوى الأفراد والاستهلاك. وتضم ما يزيد عن 80 بالمئة من المؤسسات الصناعية والخدماتية الكبرى. ينعكس ذلك إيجابياً على سوق العمل ويسهم في الحد من نسبة البطالة في تلك المناطق وانتشار السكن البدائي.

كانت تلك صورة مشرقة لجزء من تونس. ولكن بالغوص غرباً نحو المناطق الحدودية، نبدأ بفهم مدى التفاوت الحاد بين فئتين من الناس الذين يتقاسمون وطناً واحداً. يضم الشريط الغربي ما يناهز ثلث السكان (31.48 بالمئة). شهدت هذه المناطق هجرة  كبيرة بسبب ثقل حجم البطالة، الأمية، والفقر، كما تعاني من الوضع المزري للبنى التحتية وتواضع الموارد البشرية وغياب الوسائل اللوجيستية، مما انعكس على الأنشطة الاقتصادية في المدن الغربية الحدودية. بقيت هذه المناطق تقليدية تعتمد أساساً على الفلاحة الممتدة حيث تمثل اليد العاملة الفلاحية فيها  30.3 بالمئة مقابل 16.1 بالمئة كمعدل وطني، في الوقت الذي نجد فيه الأنشطة الصناعية محدودة جداً ولا توظف سوى 7.7 بالمئة من اليد العاملة مقابل 19.4 بالمئة في مجمل البلاد.

في ظل هذا التهميش والحرمان وغياب سياسة تنموية عادلة، لم يكن أمام سكان مناطق "الظل" من خيار سوى البحث عن مصادر أخرى لتنشيط الحياة الاقتصاديّة في مناطقهم. استفادوا من طبيعة التضاريس الصعبة وما سبق ذكره من دعم مبطن للسلطة التي تزيح عنها جزءاً من مسؤولياتها في دعم التنمية الاقتصادية وخلق فرص عمل في تلك المناطق.

إذاً، تبدو إقامة المنطقة العازلة محاولة عبثية للسيطرة بشكل أفضل على الحدود ومكافحة التهريب واستنزاف مقدرات البلاد. نظراً للبنية الاقتصادية، لن تستطيع تونس الانعزال عن محيطها طويلاً. كما أن غياب حل عاجل لسكان المناطق الحدودية يعوضهم عن عائدات التهريب التي تمثل إلى حد كبير مصدر رزقهم الوحيد، سيسبب، عاجلاً أم آجلاً، هزاتٍ اجتماعية كبيرة قد تنسف أي جهود لضبط الحدود والقضاء على ظاهرة التهريب وما تخلّفه من انعكاسات كارثية على المستوى الأمني والاقتصادي.

من جهة أخرى، سلطت أحداث الشعابني التي راح ضحيتها أحد عشر جنديا تونسياً، وتكرار عمليات الاغتيال وما ضبطته قوات الأمن والجيش من أسلحة مؤخراً، الضوء على خطر آخر أشدّ ترهيباً وفتكاً بالبلاد من تهريب المواد الاستهلاكية. السلاح المحجوز وحوادث العنف التي شهدتها تونس تثبت أن مسألة ضبط الحدود وحل المشاكل التنموية في المناطق الحدودية تتعدّى بعدها الاقتصادي، لتصبح أولوية قصوى تتعلق بأمن البلاد واستقرار المنطقة ككل.

سميح الباجي

صحافي تونسي في موقع نواة، متخصص في الشؤون الاقتصادية والسياسية والنقابية. يحمل إجازة في العلوم الاقتصاديّة والتجاريّة.

التعليقات

المقال التالي