للسعوديات فقط!

للسعوديات فقط!

بطالة النساء السعوديات خطر يواجهه المجتمع السعودي. إنه السبب الذي يدفع بالسلطات السعودية لمنح ذلك الملف أهمية قصوى، والبحث في إمكانية تأمين وظائف جديدة للنساء فقط، حفاظاً على سلامة المجتمع! لا تعي السلطات السعودية أن مشكلة بطالة النساء لا تتمحور حول قلة الوظائف، بل تتجذر في تمييز اجتماعي رمى المرأة السعودية في دائرة مغلقة؟

وعدت المملكة العربية السعودية منذ أيام قليلة نساءها بأن توفر لهن وظائف جديدة مخصصة للنساء فقط، في خطوة تدعم أكثر من مليون امرأة عاطلة عن العمل، يعلن عن مخططها المفصّل في الأيام القادمة. تأتي هذه الخطوة ضمن خطة هدفها القضاء على البطالة التي تهدد المملكة بحلول العام 2025. تشهد السعودية تزايداً في عدد النساء السعوديات بين عمر 18 و30 عاماً اللواتي يتقدمن للتوظيف، إذ ارتفعت نسبتهنّ من 28.4 بالمئة عام 2009 إلى 33.2 في المئة العام الماضي، ولكنه يبقى رقماً منخفضاً جداً.

لمواجهة تلك الأزمة، عمدت السلطات العام الماضي إلى تأمين وظائف لأكثر من 50 ألف امرأة عاطلة عن العمل في محال مخصصة لبيع المنتجات النسائية. اعتبرت السلطات هذه الخطوة مساهمة في تحسين وضع المرأة. ضمن الموجة الحماسية نفسها للاهتمام بشؤون المرأة السعودية، صدر مؤخراً قرار يمنع الرجال من العمل في مجال المستلزمات النسائية. برنامج "تأنيث" قطاع المستلزمات النسائية الذي يعمل على تحسين وتطوير بيئة العمل المناسبة  "لطبيعة المرأة"، جاء أيضاً ضمن تلك الحاجة الملحّة لإيجاد حل لقطاع يحكمه الرجال.

كذلك يأتي مشروع "العمل عن بعد" للمرأة السعودية وذوي الاحتياجات الخاصة. ربما تساعد تلك الخطوة ذوي الاحتياجات الخاصة على أن يساهموا في تطوير سوق العمل وحياتهم الشخصية، بتعقيدات أقل، ولكن ما شأن المرأة؟ لماذا حصرها في مجالات العمل عن بعد؟ ومن قال إن تلك الخطوة ستتيح لها آفاقاً أوسع لتحقق طموحاتها المهنية في بيئة مثالية منحصرة بين 4 جدران؟

تضخم البطالة لدى النساء السعوديات ليس بشأن حديث التداول، والأسباب الاجتماعية التمييزية التي تقف وراء هذه الظاهرة المتفاقمة، معروفة ومطروحة منذ وقت قديم. المشكلة هي في مقاربة روّاد المملكة لحقوق المرأة الاجتماعية، واعتمادهم الخطوات الخاطئة لتحسين وضعها الاجتماعي والعملي. منذ حوالي عامين حلّل "برنامج حافز"، البرنامج الوطني لإعانة الباحثين عن العمل، والذي تستفيد منه النساء بنسبة 80 بالمئة، ذلك اللغز الذي يضع النساء اللواتي يملكن مؤهلات علمية عالية في خانة البطالة المتشائمة، بانتظار ما يقدمه لهن "حافز" نهاية كل شهر. سبب البطالة لا يكمن في عدم وجود فرص عمل للنساء، بل في عدم وجود فرص عمل متناسبة مع العادات والتقاليد المكتوبة للمرأة، وفي عدم توفر مواصلات تنقلها من منزلها إلى العمل، وفي تلك الشروط الاجتماعية التي يحدّ بها المجتمع من عمل المرأة. إنها أمور دفعت 60 بالمئة من النساء إلى عدم الاكتراث، بعد أن سرقت منهن رغبة العمل المثابر.

ربما بذلك، تدخل المرأة فئة ذوي الاحتياجات الخاصة، لأنها ضحية لمعوقات اجتماعية تحكمها باسم التقاليد والأعراف، مثل رفض الأهل والزوج عملها خارج المنزل، أو إقرارهم أنها ببساطة لا تحتاج المال كي تعمل، وكأن هذا كل ما تؤمنه الوظيفة! ليس من الغريب أن ترغب المرأة بالاستفادة من المعونات الاجتماعية أكثر مما ترغب في البحث عن عمل، مع كل تلك الصعوبات الكبيرة التي تواجهها في المجتمع لتنطلق في المجال الوظيفي. خبرة المرأة التي تمتلك الشهادات العالية معدومة مع الظروف الاجتماعية المفروضة، واستشاراتها العملية والعلمية تختصر داخل نطاق العائلة بعيداً عن الأخصائيين والخبراء، ما يبعدها عن منافسة الرجال في النجاح بإيجاد الوظائف وتحقيقها.

رفضاً للاكتئاب وقلة الثقة بالنفس، قررت بعض الفتيات السعوديات العمل كمضيفات في المقاهي، متحديات التقاليد التمييزية، من أجل حرية العمل والحياة. سعوديات جامعيات بوظائف "قهوجية"، ينعمن عبرها باستقلال مادي يتخطى الهيمنة الذكورية، بينما تضيّع الدولة وقتها حائرة في إيجاد الدواء الذي لا يمكن أن يعالج البطالة الأنثوية، حتى ولو عين المرأة بمنصب "المدير العام لشؤون الأسرة" وأعطاها راتباً زائفاً لإنقاذها من البطالة العامة.

كريستين أبي عازار

صحافية لبنانية تعمل في مجالي الإعلانات والصحافة المكتوبة. متخصصة في الشؤون الاجتماعية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط. عملت سابقاً في مجلة ماري كلير Marie Claire العالمية بنسختها العربية.

التعليقات

المقال التالي