هل يصلح منتدى جدة ما أفسده النفط؟

هل يصلح منتدى جدة ما أفسده النفط؟

من كان ليصدق أن المملكة العربية السعودية - أكبر مصدّر وثاني احتياطي نفط في العالم - تعاني من أزمة بطالة تتعدى الـ 11.5 بالمئة في أفضل الأحوال حسب "مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات"، وقد تصل إلى أضعاف ذلك حسب بيانات وزارتي الخدمة والعمل؟ نحاول من خلال هذا التحقيق الإضاءة على هذه الأزمة، أسبابها والحلول المطروحة من أجل الحد من البطالة ونقل المملكة العربية السعودية من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد شمولي.

منتدى جدة الاقتصادي

"الإنماء من خلال الشباب"، عنوان منتدى جدة الاقتصادي الذي سينعقد في الثامن عشر من الشهر الجاري في نسخته الرابعة عشرة، والذي يقول القيمون عليه إنه يهدف إلى الحد من نسب البطالة المرتفعة في أوساط الشباب في منطقة الشرق الأوسط، ويسعى لتأمين ملايين الوظائف في السنوات القادمة.

المنتدى يبدأ فعالياته وسط تحذيرات من هيئات دولية وخبراء اقتصاد بتفاقم مشكلة البطالة وعدم التوازن ما بين احتياجات سوق العمل والفرص المتاحة أمام الشباب، خصوصاً في السعودية، الإمارات، مصر، قطر، عُمان وغيرها من الدول العربية. تبرز التقارير والأبحاث أن حاجة تلك الدول هي لنحو 15 مليون وظيفة، مرشحة للزيادة بشكل متسارع إلى مستويات هائلة، إذا لم يتم إيجاد حلول جذرية للتزايد السكّاني السريع.

مصر

نظرة إلى سوق العمل في مصر تضع المشكلة السعودية في الإطار المناسب. بعد أن كشف رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، اللواء أبو بكر الجندي، في تصريح له العام الماضي، أن نسبة البطالة ارتفعت في أوساط المصريين إلى 13 بالمئة بينما كانت 9 بالمئة قبل الثورة عام 2011 وبلغ عدد "العاطلين عن العمل 3.5 مليون مواطن"، مشيراً إلى أن "معظمهم كانوا يعملون من قبل وفقدوا وظائفهم". غير أن مشكلة مصر مع البطالة مزمنة وتتعلق بعوامل أكثرها بنيوي، أبرزها: معدل نمو سكّاني مرتفع جداً، تضخم عدد الخريجين من الجامعات من دون تنسيق مع سوق العمل، تقلّص دور القطاع العام، التطور التكنولوجي الذي خفض الطلب، ضعف القدرة على جذب الاستثمارات الأجنبية، انخفاض الطلب الداخلي كنتيجة للركود الاقتصادي وانخفاض القدرة الشرائية، كما اقتصاد نامٍ يعاني من اختلالات هيكلية، لاسيما في ميزان المدفوعات وارتفاع نسبة المديونية.

السعودية

إذا كانت مشكلة مصر في نسب البطالة المرتفعة بنيوية، تتعلق بالتعداد السكاني، ضعف دور القطاع العام، سوء استخدام الموارد، الفساد وغيرها من الأسباب التي أضيفت إليها الثورة وتداعياتها، ما حوّلها منذ أمد إلى دولة مصدرة للعمالة، إلا أن أسباب البطالة وانحسار فرص العمل في السعودية تتعلق بعوامل أخرى، أبرزها: تركيز مصادر الإنتاج واعتماد المملكة على قطاع النفط، سيطرة القطاع العام على قطاع الأعمال والمشاريع الاستثمارية، اعتماد الاستثمارات على اقتصاد "التوريق"، أي على أسواق الأسهم والأوراق المالية والعملات والسلع، ومعظمها خارج المملكة، إهمال القطاع المصرفي لتمويل أنشطة صناعية ومشاريع صغيرة ومتوسطة، فشل تنفيذ السعودية توطين الوظائف في القطاع الخاص، تهميش الأرياف والمناطق "اللاحضرية" وشبه انعدام فرص العمل فيها، ما خلا الزراعات المحدودة.

رفض الكثير من السعوديين القيام بأعمال يعتبرونها ليست من مستواهم وبإمكان العمالة "غير الكفوءة" القيام بها، إضافة إلى اتساع الفجوة ما بين حاجة سوق العمل واختصاصات الخريجين، وبالتالي اتساع الفجوة ما بين العرض والطلب في سوق العمل، وسط غياب الأرقام الدقيقة حول نسبة البطالة الفعلية في السعودية، والتي يؤكد برنامج "حافز" الذي أطلقه صندوق الموارد البشرية "هدف"، التابع لوزارة العمل في ديسمبر العام الماضي، بهدف الحد من البطالة وتوفير الحماية الاجتماعية، أن المنتسبين للاستفادة منه منذ إطلاقه يبلغون حوالي 1.9 مليون عاطل عن العمل، 80 بالمئة منهم من النساء.

يجدر الذكر هنا أن عدد السكان في السعودية حسب آخر إحصاء هو 20.271.000 نسمة، منهم 11.286.000 في سن العمل ويطلبون العمل (غالبية الإناث لا تطلب العمل بحسب الارقام)، ما يضع البطالة في السعودية بنسبة 16.8 بالمئة إن اعتبرنا أن كل عاطل عن العمل سجل نفسه مع حافز. العديد من الخبراء، من بينهم الخبير الاقتصادي السعودي الدكتور أنور أبو العلا، يشككون بالنسب الرسمية  التي تصدرها السلطات المتخصصة في المملكة عن حجم البطالة، ويستنتج أبو العلا أن نسبة البطالة الحقيقية قد تكون أقرب إلى 36%.

ينبّه الدكتور عصام خليفة، عضو جمعية الاقتصاد السعودي، كذلك إلى حقائق تسهم في ارتفاع نسب البطالة في السعودية معتبراً أن اعتماد الاقتصاد السعودي على صناعة النفط  يشكل أحد أبرز التحديات، رغم خطط الحكومة في تنويع القاعدة الإنتاجية، بالإضافة إلى نسبة العمالة الأجنبية العاملة في البلاد والتي تشكل نحو 85% من مجمل العاملين في القطاع الخاص، ورغم البرامج التي وضعتها وزارة العمل بالتعاون مع "هدف" صندوق الموارد البشرية، للتخفيف من نسب البطالة، إلا انها لا تزال تشكل تحدياً كبيراً خاصة مع آخر المعدلات المذكورة التي تشير إلى وجود أكثر من ثمانية ملايين وافد أجنبي عامل في السوق السعودية، بدءاً من الأعمال المهنية إلى الأعمال المصرفية والهندسية وغيرها، وتشكل العمالة الأجنبية 42 بالمائة من مجمل العاملين بالقطاعين الخاص والعام، حيث بلغت نسبة البطالة  12 بالمئة لدى الرجال و30 بالمئة لدى النساء، ما يستلزم المزيد من الخطط التي تكفل دفع أكبر عدد من السعوديين إلى سوق العمل.

الإمارات

تعاني دولة الإمارات من نسب مرتفعة في البطالة، وتتفاوت الأرقام حول نسبتها، وقد يعود الأمر للأسباب نفسها الحاصلة في السعودية، إلا أن الشيء الوحيد المختلف، هو تعداد سكان دولة الإمارات من المواطنين، الذي لا يزيد عن مليون نسمة، فيما يبلغ تعداد سكان المملكة المواطنين حوالي 20 مليون نسمة، كما أن برامج الحماية الاجتماعية بالإضافة لقانون الشركات وكفالة المواطنين للمستثمرين الأجانب يخفف من مخاطر البطالة وتبعاتها على الاقتصاد، إذ هناك الكثيرون ممن لا يبحثون عن عمل في أوساط الشباب بسبب استفادتهم من عائدات نظام كفالة الشركات الأجنبية، ما لا يعدّ علمياً بطالة.

مجلس التعاون الخليجي

وكانت دراسة أعدتها دائرة البحوث والدراسات في الأمانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي في سبتمبر العام الماضي حول مخاطر ازدياد العمالة الوافدة على دول المجلس، ذكرت فيها أن  نسبة البطالة بين مواطني الإمارات وصلت إلى نحو 14%، تليها السعودية بنسبة 11%، وسلطنة عمان ومملكة البحرين بنسبة 8%، فيما تصل في الكويت إلى 6% وقطر 3%، وذلك وفقاً لآخر إحصاءات العام الماضي. أوصت الدراسة بتشجيع القطاع الخاص على استقطاب العمالة الوطنية عن طريق فرض رسوم مرتفعة على العمالة الأجنبية وتدريب الكوادر الوطنية، معتبرة أن العمالة الأجنبية أصبحت تسيطر على القطاع الاقتصادي بشكل كبير، لامتداد أذرعها إلى ميادين الإلكترونيات والمواد الغذائية والزراعة والرعي والصيد وغيرها من القطاعات التي كانت تشكل مصدر رزق للمواطن  ليستثمرها الأجنبي مقابل أجر بسيط يدفعه للمواطن، بعد أن تخلى المواطن عن الكثير من الأعمال والمهن التي كان يمتهنها أجداده بسبب الرفاهية الزائدة.

صندوق النقد الدولي

صدرت كذلك العام الماضي دراسة عن صندوق النقد الدولي تحذر فيها الدول العربية المصدرة للنفط من احتمال ارتفاع نسبة البطالة إلى معدلات جديدة بين مواطنيها في الأعوام المقبلة، إذا لم تغير سلوكياتها في هذا المجال، سواء في اعتمادها على العمالة الأجنبية الرخيصة، أو إذا لم تعمد إلى خلق فرص عمل في القطاع الخاص، وتحفّز المواطنين الشباب للعمل فيه، حيث لا يزال مواطنو هذه الدول يفضلون الوظائف المريحة ذات الرواتب المرتفعة في القطاع الحكومي.

وذكر الصندوق في تقريره الذي صدر في نوفمبر 2013، أنه مع زيادة سريعة للسكان من الشباب، فإن خلق وظائف في القطاع الخاص لمواطني دول مجلس التعاون الخليجي أصبح يشكل تحدياً، وقد ترتفع البطالة في السنوات القادمة إذا لم تتوفر للمواطنين وظائف في القطاع الخاص". تشير تقديرات الصندوق إلى أن القوة العاملة في الدول الخليجية قد تنمو بنسبة بين 3 و4 بالمئة سنوياً بسبب تزايد التعداد السكاني، وتلك نسبة عالية من الصعب على أي اقتصاد امتصاصها، لذا فإن نحو 1,4 مليون مواطن خليجي قد يدخلون سوق العمل بحلول عام 2018. وإذا بقيت الحصة الحالية للمواطنين في وظائف القطاع الخاص بلا تغير يذكر، فإنه سيتعين إيجاد حوالي 600 ألف وظيفة في هذا القطاع للمواطنين بحلول عام 2018.

ومن المفترض أن يركز المنتدى الذي يرعاه أمير منطقة مكة المكرمة على الرؤى الوطنية التي تبنّتها الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، خصوصاً لجهة ضرورة تنويع اقتصاداتها، وزيادة مشاركة المواطنين الشباب ضمن القوى العاملة والاستثمار بهم، بغية تعزيز دور القطاع الخاص وإطلاق طاقة الجيل المقبل من المحترفين ونقل الاقتصادات الخليجية من اقتصادات ريعية إلى اقتصادات متنوعة تعتمد على الإنتاجية والابتكار.

التعليقات

المقال التالي