تونس في نفق المديونية

تونس في نفق المديونية

يتأرجح الوضع في تونس، لا سيما الاقتصادي، بين آمال شعبية كبيرة وضاغطة لتحسين المستوى المعاشي وضعف قدرات الدولة على تلبيتها، مما اضطرها اللجوءَ إلى المديونية الخارجية كحل إزاء حجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الحكومات المتعاقبة  منذ 14 يناير 2011. ما هي دوافع لجوء تونس إلى المديونية الخارجية؟ ما حجم تلك الديون وما هي الحلول الممكنة؟

لم تستطع تونس تجنب الاقتراض من السوق المالية الدولية، البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وذلك لتسديد العجز الحاصل في موازنة الدولة. يصف بعض الخبراء الاقتصاديين وضع تونس المالي بأنه الأصعب منذ أكثر من عقد، إذ تحتاج الخزينة إلى زيادة اعتمادها على التحويلات لمواجهة ضعف الموارد الخارجية، والتي تتمثل أساساً في تحويل المهاجرين التونسيين الذين يعانون بدورهم من أزمة منطقة اليورو، إضافة إلى تراجع مردود القطاع السياحي وضعف الاستثمارات الأجنبية نتيجة سوء الوضع الأمني والحراك الثوري. لمجمل هذه الأسباب، قامت الحكومة برفع أسعار المواد الأساسية كالمحروقات وبعض الرسوم والضرائب حتى تغطي جزءاً من عجز الموازنة، خاصة صندوق التعويض، إلا أنها لاقت رفضاً جماهيرياً واسعاً من قبل الطبقات الوسطى والفقيرة، مما اضطرها للتراجع. هكذا، لم يعد أمام الحكومة التونسية من سبيل آخر لتغطية عجز الموازنة غير اللجوء إلى الاقتراض المتواصل من الأسواق المالية الدولية.

في متاهة المؤسسات المانحة

يبلغ عجز ميزانية الدولة التونسية، حسب تقرير البنك الدولي، قرابة 7% من إجمالي الناتج المحلي خلال سنة 2013-2014، وذلك لعدم اتباع الحكومة التونسية الخطوات التمهيدية لترشيد الدعم على مواد الطاقة ووضع ضوابط للميزانية. وقد أوضح التقرير الاقتصادي ربع السنوي لدول شمال إفريقيا والشرق الأوسط، أن الاتفاق على دعم  المواد الاستهلاكية والطاقة في تونس قد زاد 3 أضعاف، وأن عجز الميزانية قد يفوق الـ7 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي ما لم تتخذ الإجراءات المناسبة لتخفيض دعم سعر المحروقات والالتزام بسياسة نقدية مسؤولة. استوجبت الحاجة المالية خلق فرص عمل جديدة، وهو ما يتطلب استثمارات كبيرة تعجز الدولة ورأس المال الوطني على توفيرها. أمام حالة عدم الاستقرار السياسي والامني والاجتماعي المؤثر في الدورة الاقتصادية، تخطت ديون الدولة 27 مليار دولار، أي بنسبة 51.1% من الناتج المحلي الاجمالي لعام 2013، في حين كانت النسبة 40.2 % عام 2010.

لم تتوقف تونس عن طلب الاقتراض من المؤسسات المالية الدولية وبعض الدول الغنية، وأمام عدم تمكنها من إرساء مناخ اقتصادي واجتماعي مستقر، أصبحت المؤسسات الدولية المانحة تخشى عدم قدرة الدولة التونسية على الوفاء بقروضها، سواء كان ذلك بالنسبة للقروض الطويلة الأجل أو القصيرة منها، واشترطت وضوح الرؤية السياسية وتحسن الوضع الأمني. نتيجة لذلك، قامت بعض مؤسسات الائتمانية الدولية مثل ستاندار أند باورزز Standard & Poor’s وفيتش رايتنق Fitsh Ratings بتخفيض تصنيف تونس وهو ما زاد الوضع تعقيداً.

لا بد إذاً من وضوح المناخ السياسي، لتتمكن تونس من الوصول إلى نسبة نمو تقدر بـ4.5 % ويتقلص بذلك عدد العاطلين عن العمل، إذ أن قرابة 15.7% من السكان يعانون البطالة، وتصل هذه النسبة إلى 33.5% لدى أصحاب الشهادات العليا. وجدت تونس نفسها في معادلة مستحيلة الإنجاز، تتمثل في عجزها عن تلبية حاجات شبابها المهمَّش من جهة، وعدم قدرتها على جلب العملة الصعبة لتحقيق نسبة نمو تمكنها من الوصول إلى تلك النتيجة من جهة ثانية.

الحلول الممكنة

يرى بعض المختصين أنه من الضروري لتونس أن توفر الاستقرار الأمني في البلاد، وخاصة التصدي لظاهرة الإرهاب كي تشجع الاستثمارات الأجنبية وتتحسن مردودية القطاع السياحي، كما عليها أن تعدل في أبواب الميزانية وذلك بإعادة النظر في بعض المشاريع الكبرى المبرمجة للفترة القادمة، إضافة إلى إعادة جدولة ديون تونس من قبل المنظمات والدول المانحة وتقليص دعم أسعار الطاقة؛ باعتبار أنها كلّها نزيفٌ يعيق التحول الديمقراطي.

الجدير بالذكر، أن الاقتراض من المؤسسات الدولية ليس حكراً على الدول الفقيرة، ثم أن اللجوء إلى الاقتراض ليس مشكلة بحد ذاتها، خاصة بالنسبة للدول التي تفتقر إلى موارد غنية مثل تونس، بل تتعلق المسألة بالسيطرة على توظيف تلك الديون حتى لا تفقد الدولة استقلالية قراراتها السيادية.

التعليقات

المقال التالي