المواطن السوري اليوم، آمال وأحلام محطّمة

المواطن السوري اليوم، آمال وأحلام محطّمة

شهدت سوريا منذ العام 2008 وحتى بداية الحراك، الذي اقترب من عامه الثالث، نهضة اقتصادية كان محركها قطاعا السياحة والمصارف، إضافة إلى الصادرات. بدت على السوريين ملامح الرفاهية التي يتمتع بها جيرانهم الأتراك واللبنانيون، وأصبح لديهم أحلام لطالما كانت ضمن الكماليات، مثل امتلاك مكيف هواء، تلفون جوال، أو حتى سيارة.

اعلان


أداء العجلة الاقتصادية كان واعداً، وبدت سوريا حالمة بمستقبل اقتصادي لائق. تدهورت الأحوال سريعاً بعد اندلاع الأزمة، وتوقفت عجلة الاقتصاد مدمّرة أحلام السوريين، من الأثرياء إلى الشرائح الأفقر. وقد فاقم من صعوبة الحال الدمار الكامل الذي حل بمدن قاومت هولاكو والصليبيين، لكنها لم تقاوم البراميل المشتعلة.

كشفت دراسة حديثة للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الأسكوا) أرقاماً مخيفة عن ما آلت إليه أوضاع السوريين اليوم. 18 مليون سوري يعيشون "تحت خط الفقر الأعلى"، وسوريا تواجه "احتمالات المجاعة لأول مرة في التاريخ الحديث”. نحو 4 ملايين سوري يعيشون حالياً تحت خط الفقر الغذائي (أي أقصى درجات الفقر) مقارنة بـ200 ألف سوري عام ،2010 ونحو 8 مليون سوري يرزحون تحت خط الفقر الأدنى!

download (13)

تأثر الاقتصاد السوري بأعمال العنف والعمليات العسكرية الدائرة منذ ثلاث سنوات. أغلقت الكثير من المعامل والمنشآت أبوابها، ارتفعت الأسعار بشكل جنوني وتدهورت الليرة السورية أمام الدولار (سعر صرف الدولار حتى كتابة هذا المقال 150 ليرة سورية). يكثر الحديث اليوم عن هذه الوقائع، جنباً إلى جنب مع روايات القتل والدمار، وتعداد الضحايا. غير أن الوجه الآخر من الكارثة يبدو مغيباً، وهو تأثيرها المباشر على العائلات السورية التي تعيش في الداخل، وعلى تفاصيل يومياتها. كيف تعيش عائلة سورية متوسطة اليوم، كيف يتوزع مدخولها وكيف تتمكن من تغطية احتياجاتها في ظل أزمة الفقر التي تهدّدها.

م. موظف في ﻣرﻛز اﻟدراﺳﺎت والأﺑﺣﺎث اﻟﻌﻠﻣية الحكومية منذ عشرين عاماً. تعمل زوجته ر.ز في القطاع الخاص، وقد أسسا حياتهما وفقاً لراتبهما الشهري الذي كان يصل قبل الأزمة إلى 150 ألف ليرة سورية (أي ما كان يوازي 3000 دولار). "اعتدنا على الدخل الجيد ولم نشعر بالإرهاق حتى عندما رزقنا بولدين” يقول م. لكن الشركة التي يعمل فيها سرحت الكثير من الموظفين، وكان واحداً منهم. انقلبت الأمور حينها رأساً على عقب، وهو يحاول اليوم التأقلم مع المتغيرات، مع دخل تراجع إلى 100 ألف ليرة (أي ما يوازي 666 دولار). “أتى ذلك مع خسارتي لمنزلي بمحتوياته، إذ اضطررنا لمغادرته من دون أي شيء مع بداية الأحداث” يقول.

تسكن العائلة اليوم في منزل أحد الأقارب، ما يرتب عليها الكثير من المصاريف الإضافية. “أحمد الله أننا لا زلنا قادرين على شراء المواد الغذائية اللازمة لصغارنا كالحليب والفواكه” يقول م. موضحاً أنها تستهلك ما يقارب 30% من دخل العائلة اليوم. 20% من الدخل مخصص للمواصلات، فيما تحاول العائلة أن تدخر على امتداد السنة أقساط المدارس، بما يعادل 30% من المدخول”. “لا يبقى سوى 20% بالكاد تكفي لدفع فواتير الخدمات العامة والحالات المرضية الطارئة” يوضح م. “ما يضطرنا أحياناً إلى الاستعانة بالسلف”.

س.ع مهندس زراعي يعمل في المؤسسات الحكومية منذ 25 سنة، بينما تعمل زوجته كمدرّسة حكومية. يحاربان منذ وقت طويل كي يلبيا متطلبات أولادهم الثلاثة الذين وصل أكبرهم للمرحلة الجامعية. ظروفهم المعيشية ليست سهلة في ظل دخل متواضع ارتفع من 45 ألف إلى 65 ألف ليرة سورية (تساوي اليوم 400 دولار). "لم يكن سهلاً علينا أن نوصل أولادنا لهذه المرحلة الدراسية بدخلنا الشهري” يقول س.ع. ارتفع مدخول الزوجين أكثر من مرة ونالا أكثر من زيادة لكنهما لم يشعرا يوماً بأنهما مرتاحان، بحسب الزوج “فكلما زاد راتبنا الشهري 20% قفزت الأسعار إلى ما يقارب 40%، خصوصاً أن كل احتياجاتنا وموادنا يسعّرها التجار حسب ارتفاع سعر صرف الدولار”.

اضطرت العائلة لإهمال الكثير من المواد الغذائية التي كانت أساسية “نكتفي بنوع واحد من الفاكهة، ونقسم كيلو اللحمة وكيلو الدجاج إلى عدة أجزاء صغيرة”. يستهلك الغذاء 60% من المدخول الشهري للعائلة، بينما يذهب 40% منه للمواصلات والفواتير الشهرية، أما ما يبقى من مستلزمات، “فالله المدبر”. تلجأ الزوجة ع.ف. بشكل دائم إلى الجمعيات الخيرية كلما اضطر أحد أولادها إلى أمرٍ لا يدخل ضمن ميزانية العائلة الشهرية “هي ملاذي منذ أن أنجبت صغاري” تقول. “راتبي لا يتجاوز 20 ألف ليرة (133 دولار) رغم أنني موظفة من الدرجة الأولى، وكثيراً ما كنت أخشى من أية حالة مرضية طارئة”، تضيف.

الأزمة التي تعيشها سوريا منذ ثلاث سنوات غيّرت القواعد بحسب ع.ف. “اضطررنا لصرف كل ما ادخرناه بسبب غلاء الأسعار، كما أننا صرنا نعتمد على الدين بشكل دائم، خصوصاً إذا مرض أحدنا، فمعاينة الطبيب ارتفعت وأسعار الدواء كذلك، وللأسف لم نستفد بأي شكل من الزيادات التي لحقتنا خلال الأزمة". ترافقت الزيادات التي طالت القطاع العام مع ارتفاع جنوني في الأسعار وتراجع في سعر صرف الليرة السورية، ما جعل فائض الدخل بلا قيمة فعلية.

يعمل و.أ (أب لطفلين) من جهته بواباً في أحد أرقى شوارع دمشق ويتقاضى 22 ألف ليرة (أي 146 دولار). يحمد ربه لأنه يملك وظيفة ودخلاً “يعتاش منه”، وهو ما لم يعد متوفراً لعائلات سورية كثيرة اليوم.  كان يعيش في بداية الأحداث في منطقة آمنة، ما ساعده على تخصيص راتبه بشكل كامل للحياة المعيشية، ولكنه اضطر للانتقال إلى منطقة أكثر أمناً (منطقة عشوائيات) فكان لا بد من تخصيص ثلث راتبه للآجار. بدأت قصة النزوح الداخلي، ففاجأه صاحب البيت بارتفاع الآجار، ليقضي بذلك على ثلثي راتبه.

الثلثان المتبقيان من الراتب بالكاد يكفيان الحاجات الأساسية. يحتاج إلى 10 ليترات مازوت يومياً للتدفئة "بسعر 125 ليرة (أقل من دولار) لليتر الواحد، مع العلم أن سعر ليتر المازوت المدعوم هو 65 ليرة ولكنه غير متوفر!”  كما يضطر لركوب سيارة أجرة مع ثلاثة ركاب يومياً بكلفة 250 ليرة (أقل من دولارين) ذهاباً وإياباً لعدم توفر وسائط نقل أخرى ولكثرة الحواجز العسكرية. يكلفه الطعام اليومي 2000 ليرة (13  دولار) كأقل تقدير. المصاريف الإضافية اضطره إلى صرف كل مدخراته وبيع مصاغ زوجته.

هكذا يعيش اليوم من كانوا يعدون من الطبقة الوسطى في سوريا قبل الأزمة. جرّت الحرب الدائرة منذ ثلاث سنوات ما يقارب 75% من المواطنين السوريين إلى دائرة الفقر، محطمةً كل آمالهم باستقرارٍ مادي أو رفاهية بدت في يومٍ من الأيام ممكنة.

download (14)

التعليقات

المقال التالي