رفع الحد الأدنى للأجور في مصر، عملية انتحارية؟

رفع الحد الأدنى للأجور في مصر، عملية انتحارية؟

يصل معدل الفقر في مصر بشكل عام إلى 26% وقد يرتفع سقفه في القرى إلى   50%، حتى يصل إلى 80%  في الصعيد. هذه الأرقام تتأزّم مع مرور السنوات، إذ كان معدل الفقر عام 2011  يصل إلى 25.2% مقابل 21.6% لعام 2009، وفق الإحصائيات الأخيرة، كما أن خط الفقر في مصر يصل إلى 37$ للفرد الواحد شهرياً، في حين يصل الفقر المدقع إلى 25$ للشخص الواحد. هذه المشكلة تكبر وتتفاقم مع تكاثر الأزمات السياسية في مصر، لذا يحاول النظام الحالي ربط الأزمتين (المعيشية والسياسية) ومعالجة إحداهما للتخفيف من حدّة الأخرى. على رأس خطواته، القرار الذي اتخذته الحكومة برفع الحد الأدنى للأجور من 100 إلى 170$.

تعتبر التحليلات العامة أن الحكومة المصرية المؤقتة خططت لرفع الأجور سعياً لتهدئة المحتجين الذين يطالبون بعدالة اجتماعية وبتحسين ظروفهم المعيشية، دون أن تخطط للخطوة التالية. خطة سياسية ربما يعتبرها البعض ناجحة لكونها سترضي فئة من العمال بشكل مؤقت، ولكن نهايتها قد تكون كارثية، من دون خطّة اقتصادية ترافقها.

اعلان


وها قد ظهرت الأزمة المالية حتى قبل الانتهاء من توزيع الدفعة الأولى للأجور، فالحكومة عاجزة عن تمويل مدفوعات كافة موظفي الدولة. بعد الوعد الذي أطلقته، ورغم المعارضات التي واجهتها، اصطدمت وزارة المال بحائط الركود، ما اضطرها إلى اقتراض 1.58 مليار دولار من البنوك لتتمكن من الوفاء بوعدها، بجزء بسيط منه. المشهد الاقتصادي في مصر اليوم: فئة من الموظفين حصلت على الزيادة الموعودة، وفئة أخرى لا تزال تنتظر الاستمارة الواعدة برفع الحد الأدنى، وكتلة حكومية عاجزة عن إرضاء شعبها.

يحتاج تطبيق الحد الأدنى للأجور إلى 2.6 مليار دولار من خزينة الدولة، وهو ما لا تستطيع مصر اليوم الوفاء به. هذا تحديداً ما كان قد أوضحه رئيس مجلس الوزراء الدكتور حازم الببلاوي، قبل أشهر من الآن، في مقابلة له مع “المصري اليوم” مؤكداً أن الحكومة لن ترفع الحد الأدنى للأجور “لأن الميزانية لا تسمح بذلك”. ما الذي خطر ببال الحكومة المصرية إذن، كي تتغاضى عن هذا العجز وتدخل في هذا النوع من العمليات الانتحارية!

نقطة أخرى ربما تفاقم من انحدار الوضع الاقتصادي في مصر، في ظلّ العمليات الاقتصادية العشوائية التي تنظّمها الحكومة، هي مشكلة التضخم التي يمكن أن تدخل البلاد في حلقة من الشؤم المادي الذي سينال من كافة فئات الشعب. يرىالاقتصاديون بشكل عام أن اعتماد الحد الأدنى لأجور موظفي الدولة سيؤدي للتضخم، لا سيما أن الحكومة لم تخطط للحفاظ على قيمة عملتها مقابل تدفق الأموال دون إنتاجية متفائلة في البلاد.

إذا أخذنا على سبيل المثال تجربة زيادة الأجور ولمرتين بين عامي 2011 و2013 فيسوريا، نلاحظ أن تلك الخطوة حصلت بطريقة وهمية على أرض الواقع، مع تراجع قيمة الليرة السورية.  فأول زيادة للأجور عام 2011 بنسبة 30% لحقها تدهور في قيمة العملة المحلية، أما الزيادة الثانية، التي رفعت الأجور بنسبة 30% أيضاً في العام 2013، فقد نتج عنها انخفاض حاد للعملة السورية فاق نسبة الزيادة، الأمر الذي قلّص من القيمة الشرائية لليرة السورية. المثال السوري لرفع الأجور كوسيلة لإرضاء الفقراء سيتردد أينما تُعطى زيادات لا تتماشى مع زيادة الناتج القومي أولاً.

تشكل مسألة الحد الأدنى للأجور إشكالية أينما حلّت. فقد دعا الرئيس الأميركي أوباما مؤخراً إلى زيادة قوية للحد الأدنى للأجور، بنسبة 40% في المؤسسات المتعاقدة مع الدولة، محاولاً، حسب تعبيره، تقليل الفجوة بين الأغنياء والفقراء. وهو الأمر الذي يعارضه بشدّة الجمهوريون، معتبرين أن خطوة مماثلة ستؤدي إلى زيادة تكلفة الإنتاج، وتنعكس بالتالي سلباً على الاقتصاد الأمريكي.

يعتبر أندرو كوين Andrew Coyne، المحلل السياسي في صحيفة ناشيونال بوست National post  أن التلاعب بالحد الأدنى للأجور لن يحرّك ساكناً لمكافحة الفقر، ذلك أن قلة من الفقراء أساساً يعملون بالحد الأدنى. ويرى المحلل السياسي أنه إذا ما أراد أحد مساعدة الفقراء وتقليص الفروقات الاجتماعية بينهم وبين الأغنياء، فليعطِهم المال بكل بساطة، مستخدماً نظام الضرائب والتحويلات المالية! في سخرية واضحة من هذه الورقة التي بات يستلذ باستخدامها السياسيون.

مع وجود الكثير من المعارضين لسياسات رفع الحد الأدنى للأجور، غير أنه نظام تشجع عليه منظمة العمل الدولية، كوسيلة للحد من الفقر والمساهمة في تحقيق العدالة الاجتماعيّة عبر تحسين المستوى المعيشي للعمال ذوي الدخل المنخفض، وبالتالي تقليص حدة التفاوت في توزيع الدخل بين شرائح المجتمع المختلفة. ترى المنظمة أن التغييرات في الأجور في السنين الماضية كانت ضئيلة جداً بالنسبة للأزمة الاقتصادية القاسية التي تركت أثراً كبيراً على أجور العمال في جميع أنحاء العالم. ففي وقت ارتفعت فيه الأجور الشهرية بنسبة 3% في العام 2007، علت بنسبة 1.2% فقط في العام 2011، وسط العواصف الاقتصادية الكبيرة.

الحد الأدنى للأجور قد يكون مصطلحاً اقتصادياً ينقذ فئة من المجتمع من الفقر، ولكن رفعه بطريقة لا تتماشى مع إمكانيات الدولة، بهدف إعطاء آمال زائفة للشعوب التي تضغط على الحكومات الحالية أو لتسجيل نقطة ضد الخصوم السياسيين، هو انتحار اقتصادي بطيء.

كريستين أبي عازار

صحافية لبنانية تعمل في مجالي الإعلانات والصحافة المكتوبة. متخصصة في الشؤون الاجتماعية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط. عملت سابقاً في مجلة ماري كلير Marie Claire العالمية بنسختها العربية.

التعليقات

المقال التالي