بعد النفط، هل يصبح الصراع مستقبلاً حول الطاقة الشمسية؟

بعد النفط، هل يصبح الصراع مستقبلاً حول الطاقة الشمسية؟

بين الحين والآخر يصدر تقرير متخصص عن جهة دولية أو عربية ما، أو يطل علينا مرجع اقتصادي أو بيئي عالمي ليتحدث عن أهمية الاستثمار في الطاقة الشمسية وضرورة التحول إلى الطاقة النظيفة كحل لأزمة الاحتباس الحراري الناتجة عن الانبعاثات الكربونية وحرق الوقود الإحفوري، ولتخفيف الاعتماد على النفط لإنتاج الطاقة الكهربائية.

وإن كان الدافع الرئيسي لتحول الدول المتقدمة المستهلكة للنفط إلى هذه الطاقة هو تقليص حجم فاتورة استيرادها للنفط، فهو لا يختلف كثيراً بالنسبة للدول المنتجة للنفط، لكون براميل النفط تباع محلياً بأسعار زهيدة للمؤسسات الوطنية المنتجة للطاقة، ما يتسبب بهدر مليارات الدولارات على إنتاج الكهرباء. يصبح الأمر أكثر إلحاحاً في الدول النفطية الخليجية التي تشهد نمواً متسارعاً في استهلاك الكهرباء والمياه.

اعلان


من هنا كان توجه دول عربية كثيرة للاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة من أجل تخفيف الاعتماد على النفط كمصدر لإنتاج الكهرباء، ولكون كلفة إنتاج الكهرباء عبر الطاقة الشمسية متدنية. يلقي رصيف 22 نظرة على واقع هذه الاستثمارات في ضوء التغيرات السياسية والاقتصادية.

شمال أفريقيا

عام 2009، أي قبل اندلاع "ثورات" الربيع العربي، ذكر تقرير للبنك الدولي أن منطقتي شمال أفريقيا والشرق الأوسط منطقتان واعدتان للاستثمار في مجال الطاقة الشمسية، لأنهما تتمتعان بنسبة سطوع عالية على مدار العام، وخصوصاً في الحزام الشمسي الذي تقع فيه كل من مصر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، حيث يصل معدل الإشعاع إلى 8.60 كيلوواط ساعة لكل متر مربع. يحتل هذا الحزام المركز الثاني عالمياً بعد صحراء "أتاكاما" في شيلي من حيث نسبة إشعاع الشمس على مدار العام، ولهذه الغاية وضع البنك الدولي خطة للاستثمار بهذه الطاقة شملت تقديم قرض ميسر بقيمة 750 مليون دولار عبر صندوق تكنولوجيا الطاقة النظيفة التابع للبنك، كما كشف التقرير حينها أن "الاتحاد الأوروبي وضع بدوره خطة لاستثمار إشعاع شمس شمال أفريقيا لإنارة أوروبا".

تتطلع لأن تقود هذا القطاع في شمال أفريقيا ثلاث دول رئيسية، هي ألمانيا، فرنسا ولاحقاً بريطانيا من خلال ثلاثة مشاريع ضخمة: "ديزرتيك" Desertec، تقوده الشركات الألمانية منذ انطلاقته عام 2009، و"ترانسغرين" transgreen يقوده كونسرتيوم فرنسي ضمن ما سمي الاتحاد من أجل المتوسط منذ انطلاقته عام 2010، فيما أعلنت بريطانيا عن مشروع "تونور" Tunur صيف العام الجاري، وهو عبارة عن صفقة شراكة ضخمة مع تونس تبلغ قيمته الاستثمارية 20 مليار دينار تونسي (أكثر من 12 مليار دولار)، ضمن ما سمي تحويل شمس تونس إلى البيوت الأوروبية بحلول عام 2016. واجه هذا المشروع عقبات سياسية عدة، منها معارضة الأحزاب الإسلامية، وهكذا أطلقت رصاصة الرحمة عليه قبل أن يولد.

كانت 24 شركة ألمانية قد باشرت عام 2009 الاستثمار في مركز الطاقة الشمسية "دزرتيك" الأوروبي الذي يهدف إلى إقامة شبكة واسعة لإنتاج الكهرباء من شمس الصحراء الأفريقية ضمن اتفاق شراكة ضخم ضم نحو 57 شريكاً من 16 دولة، ودخلت فيه بداية كل من الجزائر والمغرب، وقدّرت كلفة هذا المشروع  بنحو 400 مليار يورو (ما يقارب 550 مليار دولار)، والذي من المفترض أن يلبي حوالي 15% من إجمالي حاجة أوروبا للطاقة مع بلوغ عام 2050.

غير أن  هذا المشروع نال نصيبه من المعوقات أيضاَ من الجانبين الجزائري والإسباني. أجّلت إسبانيا التوقيع على بنود التفاهم الأوروبي المتوسطي عدة مرات، ما دفع بعض الشركاء الألمان إلى اتهام الفرنسيين بعرقلة المشروع لأن لديهم مشروعاً منافساً هو "ترانسغرين"، فيما عزا خبراء ذلك إلى التراجع الاقتصادي الذي تعاني منه إسبانيا، مع ما يمكن أن يعكسه ذلك من تدنٍّ في نسبة حصتها من المشروع.

وتهدف خطة "ترانسغرين" إلى بناء قدرات إنتاج كهرباء "قليلة انبعاثات الكربون" عبر الطاقة الشمسية بعشرين جيغاواط بحلول 2020، من المفترض أن يتم جرّ جزء منها -  حوالي 5 جيغاوات - تحت مياه البحر المتوسط  الى أوروبا.

أما بالنسبة للجزائر فقد أعلنت انسحابها عام 2011 من صفقة "دزيرتيك" لأسباب لم تكشفها السلطات المعنية بداية، فيما سربت تقارير صحفية  فيما بعد أن الجانب الجزائري قد طالب الجانب الأوروبي بالحصة الأكبر من عائدات المشروع، أي 51%، بعد حصوله على حاجته من الطاقة الشمسية اللازمة لإنتاج الكهرباء، الأمر الذي أدى إلى تأجيله مرات عدة، ومن ثم نقله إلى صحراء المغرب.

أعلن المغرب في سبتمبر الماضي عن عزمه الاستثمار بمبلغ 2.2 مليار يورو (ما يقارب 3 مليار دولار) في الطاقات المتجددة في غضون السنوات الخمس القادمة، ضمن خطة تتطلع من خلالها الحكومة إلى تصدير هذه الطاقة إلى أوروبا.

السعودية

أما في الخليج الثري والمستقر أمنياً، تبدو الصورة مختلفة تماماً، إذ تقود كل من دولة الإمارات والسعودية هذا القطاع، حيث أعلنت السعودية عام 2010 عن إطلاقها مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة  والتي تستهدف إنتاج نحو 50% من الكهرباء عبر الطاقة المتجددة، النسبة الأكبر منها عبر الطاقة الشمسية.

أطلقت المدينة خطة طموحة لتحويل السعودية إلى الطاقة المستدامة عبر دعم مشروعات بقيمة 109 مليارات دولار لإنشاء صناعة للطاقة الشمسية تستطيع إنتاج نحو ثلث احتياجات السعودية من الكهرباء بحلول عام 2032. أي ما يقارب 41 جيغاواط، وهي كمية هائلة إذا تمت مقارنتها بأكبر دولة منتجة للطاقة الشمسية وهي الصين، التي وصلت في العام الماضي إلى إنتاج 48 جيغاواط.

تعتزم السعودية التحوّل بشكل كامل إلى الطاقة الشمسية لاحقاً، لتوفر بذلك ما قيمته نحو 1.5 مليون برميل نفط يومياً ينفق لتوليد الكهرباء وتحلية المياه، أي ما يعادل نحو سدس إنتاجها النفطي. غير أن التزايد السكاني يشكل تحدياً آخر، إذ يدفع إلى نمو استهلاك الطاقة الكهربائية والمياه بنسبة بلغ متوسطها السنوي نحو 5.5%، وبهذا الشأن قال خالد السليمان، نائب رئيس مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة: "إن التحدي الذي نواجهه اليوم يكمن في تأمين حاجات المملكة في قطاعي الكهرباء والمياه وتوفيرها بشكل مستدام".

تدرس السعودية كذلك إمكانية تصدير الطاقة الشمسية إلى الاتحاد الأوروبي، مروراً بتركيا فشرق أوروبا، ومن شمال أفريقيا إلى جنوب أوروبا، وهذا ما يفسر دخولها بمشروع "دزرتيك".

أبو ظبي

بدورها سارعت حكومة أبوظبي لاستثمار ما قيمته 600 مليون دولار في مشروع "شمس1" لإنتاج 100 ميغاواط من هذه الطاقة النظيفة، ضمن ما أسمته أكبر محطة للطاقة الشمسية المركزة، أعلنت عنها في مارس الماضي، يفترض أن تمد في المرحلة الأولى نحو 20 ألف منزل بالطاقة الكهربائية. فيما كشفت عن خطة تستهدف فيها الإمارة توليد نحو 7% من طاقتها الكهربائية من مصادر بديلة بحلول عام 2020.

يعتمد مشروع شمس1 في إنتاج الكهرباء على حرارة الشمس، وليس على ضوئها، بخلاف ما تلجأ إليه عادة محطات شمسية عدة في العالم، حيث تعمد إلى استخدام تقنيات الخلايا الضوئية "فوتوفولتياييك"، وهي تقنية مختلفة عن تقنية الطاقة الشمسية المركزة لإنتاج الكهرباء.

دبي

من جهتها أعلنت إمارة دبي الشهر الماضي عن إطلاق مجمع الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية والذي وصفته بأحد أضخم مشروعات الطاقة المتجددة في المنطقة، بقدرة إنتاجية ستصل إلى 1000 ميغاواط عند اكتماله، وبتكلفة تقارب 12 مليار درهم (3 مليار دولار). يأتي هذا المجمع ضمن مشروع تنفيذ خطة دبي الاستراتيجية 2030 المتكاملة للطاقة، ويستهدف تنويع مصادر الطاقة وتقليل انبعاثات الكربون وتحويل الأراضي الصحراوية إلى بيئة ذات موارد طبيعية.

لبنان

وبعيداً عن الخليج العربي وعلى الحوض الشرقي للبحر المتوسط، لا يزال لبنان يتخبط بين جدران السياسة وسقف الأمن، فيما فرصه محدودة من أجل توفير التيار الكهربائي بشكل كامل للمستهلك الذي يخضع للتقنين لأسباب عدة، ليس أقلها ارتفاع كلفة فاتورة الوقود المستورد لإنتاج الطاقة وسط شح  في موارد الخزينة.

وضعت وزارة الطاقة عام 2010 خطة لإنتاج الطاقة الكهربائية عبر الطاقة المتجددة باستخدام الشمس والرياح. وافق عليها مجلس الوزراء وتم رصد نحو 4 ملايين دولار مؤخراً من أجل تنفيذ المرحلة الأولى لإنتاج نحو 10 ميغاواط من الطاقة الشمسية، فيما تستهدف الوصول إلى 200 ميغاواط مع حلول العام 2020، يقدر أن تبلغ تكلفتها 500 مليون دولار. من المنتظر أن يتم إنتاج أول ميغا واط  محلياً عام 2014، وذلك من طاقة الرياح، فيما يعلن قريباً عن الشركتين الفائزتين بمناقصة الإنتاج من الطاقة الشمسية بقدرة 10 ميغاواط سنوياً.

كانت الوزارة قد أطلقت عام 2010 حملة لتشجيع المواطنين على استخدام نظام تسخين المياه عبر الطاقة الشمسية، وتحفيزهم لاستخدام قروض مصرف لبنان المدعومة. من الجدير ذكره أن حوالي 100 ألف عائلة في المناطق النائية، قد بادرت وزودت منازلها بتقنيات الطاقة الشمسية بكلفة تتراوح ما بين 15 ألف دولار و30 ألف دولار للبيت الواحد.

التعليقات

المقال التالي