حي صغير في الأردن يدير نفسه بنفسه

حي صغير في الأردن يدير نفسه بنفسه

سبق سكان حي الرينبو في عمان، أقرانهم من أبناء المدينة، وبدأوا مشروع "تسيير ذاتهم" تمهيداً لإدارة كاملة لحيّهم، من دون الاعتماد على النظام التقليدي الذي يوكل البلديات، فحسب، هذه المهمة.

لم تعد أمسيات 2004 الصيفية لسكان جبل عمان، وتحديداً شارع الرينبو في العاصمة الأردنية، هي ذاتها منذ انطلاقة هذا الشارع كحيّ سياحي يعجّ بالمقاهي والمحلات التجارية ذات الطابع التراثي. فبعد مرور أشهر على نمط الحركة النشط وغير الاعتيادي بالنسبة لذلك الحي الهادئ، وجد سكان الحي أنفسهم أمام خيارين: إما ان يكونو جزءاً من نشاطه أو أن يكونوا على الهامش. لذا قررت مجموعة من سكان الحي أن تكون جزءاً اساسياً في عملية إدارته وتطويره، وعنصراً فاعلاً يحوّل جزءاً من الحركة السياحية فيه لتصب في مصلحة سكانه.

أسس أهالي الحي رابطة تجمعهم وتوحد جهودهم ضمن إطار مؤسساتي ونشاط مدني مستقل تجعلهم يطورون ويستفيدون في آن من عائدات التحول في ذلك الشارع الذي لم يقتصر على المقاهي والمحلات فحسب، وإنما تطور الى نشاطات سنوية من ضمنها سوق تراثي اسمه "جارا"، يتيح المجال للأردنيين لعرض منتجاتهم اليدوية كل نهار جمعة خلال الصيف.

فكرة أن يكون سكان الحي مسؤولين ولو بجزء بسيط عن تنظيم مناسبات أو فعاليات كهذا السوق، أو معارض للكتاب، أو عروض فنية غير تقليدية، جذبت أحياء أخرى في العاصمة عمان، منها حي اللويبدة القريب من جبل عمان ومركز المدينة (وسط البلد).

وقد بدأ سكان اللويبدة بالفعل محاولات لتنظيم نشاطات تطوعية كل صيف لإدارة شؤون حيهم وتنظيمه حتى لو كان ذلك المجهود يقتصر حتى الآن على العروض الفنية والثقافية، وعلى انتخاب ممثلين للحي يتولون إدارته الفعلية. بذلك يكون القرار في يد السكان المقيمين أنفسهم، الذين يدركون أولوياتهم وما يحتاجه حيّهم من مؤسسات الإدارة المحلية في الدولة.

"تسيير الذات" أو "الديمقراطية من الأسفل"، أو إدارة الذات، أسلوب تعتمده مدنٌ وأحياء كثيرة حول العالم، وهي تجربة قابلة للتطبيق والحياة في مدننا العربية. السؤال المطروح يبقى فيما إذا كانت تجربة حي جبل عمان-الرينبو، أو اللويبدة، قابلة للتطبيق  أينما كان، نظراً للخصوصية الدينية او الاجتماعية التي تربط السكان فيهما، وإذا ما كان يمكن تطوير هذه التجربة وصولاً إلى إجراء انتخابات قائمة على برامج تلامس احتياجاتهم، وتمكّنهم من التحكم الكامل بشؤونهم الخاصة وأمور حياتهم ومعيشتهم اليومية بعيداً عن الشكل التنظيمي التقليدي للبلدية.

يشكل هذا الأمر تحدياً كبيراً، لا سيما في الأحياء التي لا تربط ما بين سكانها تلك الروابط الموجودة في الأحياء القديمة، حيث يتوافد سكانها من مناطق وخلفيات وعرقيات مختلفة ومتعددة. يتوقف ذلك على مدى تمكن السكان، بكل اختلافاتهم، من الاتفاق على الأولويات فيما يخص مصالحهم المشتركة واختيار الأشخاص أو الجهات الأكفأ للقيام بذلك. فالحاجة إلى شارع، أو إلى حديقة، أو إلى حضانة للأطفال، أو حتى إلى مهنةٍ وصنعة ما يفتقر إليها الحي، لا تحتاج بالضرورة إلى تدخل الدولة أو الدين أو الانتماء الحزبي.

يساعد هذا المشروع، فيما لو اتسعت رقعته، على تخطي سلبيات باتت ملموسة في الأردن في السنوات العشر الأخيرة، حيث تدنت المشاركة في الانتخابات بشتى أنواعها، نتيجة عدم ثقة المواطنين بممثلي الشعب المنتخبين، واليأس من قدرتهم على التغيير أو التحسين. بإدارتهم لأحيائهم،  يحول سكان الحي سلبية التعاطي مع الشأن العام إلى مشاركة إيجابية في تحقيق مصلحة عامة ومشتركة في الحي الذي يسكنونه.

إن قرار سكان حي جبل عمان-الرينبو أو اللويبدة بالمشاركة في اتخاذ قرار يخص مكان سكنهم وعيشهم وحلمهم بأن يأخذوا دور البلدية في الشؤون المباشرة لإدارة حياتهم، تحققه عدة عوامل أهمها إيمان الدولة بهذه التجربة الديموقراطية الحقيقية والأصيلة، وثقة السكان بأنفسهم وبقدرتهم مجتمعين على تحقيق الأفضل، وتمكين هولاء السكان من إدارة أحيائهم بما يناسبهم وليس بالضرورة بما يناسب أحياء أخرى في مدينتهم أو خارجها كما هو الحال في السياسات العامة للدولة.

الداعم الأساسي لتطبيق الإدارة الذاتية وتطويرها يتعدى المقدرة على إقامة فعالية ثقافية أو سوق شعبي في الهواء الطلق، بل يرتكز على حصول مجلس أو رابطة الحي أو الشكل التنظيمي المنتخب لممثلي الحي على جزء من العائد المادي من الضرائب التي يدفعها السكان إلى الدولة، حتى يستخدموها هم، لا البلدية فقط، في تطوير محيطهم.

التعليقات

المقال التالي