شركات الطيران الخليجيّة، من يستثمر أكثر؟

شركات الطيران الخليجيّة، من يستثمر أكثر؟

قبل التوسع الاستثماري لبعض شركات الملاحة الجوية، لم يكن طيران الخليج قد وصل إلى منافسة الشركات العالمية الكبرى كما هو الحال اليوم. ذلك أن الشركات الأجنبية كانت ما تزال تسيطر على هذه السوق. في السابق، اعتمدت غالبية دول الخليج في هذا القطاع على شركة طيران الخليج، التي ساهمت في رأسمالها سلطنة عُمان ودولة قطر وإمارة أبو ظبي قبل أن تصبح ملكاً للبحرين. حالياً، تُسيِّر ثلاث شركات خليجية رحلاتها الجوية بمواصفات عالمية، هي الإماراتية التابعة لدبي، الاتحاد التابعة لأبو ظبي، والقطرية الحكومية.


سياسة التوسع التي أوصلت هذه الشركات إلى هذا الحجم تسير وفق "الاستراتيجية القطرية في الماركيتنغ،" كما يقول الكاتب الاقتصادي عبد الله بن غانم العلي المعاضيد. تقوم هذه الاستراتيجية، التي أصبحت تُدرَّس في معظم الجامعات، على اعتماد الاستثمارات الضخمة للوصول الى السوق العالمي والمنافسة فيه. وقد وصلت هذه الشركات الى مستويات راقية عالمياً بفضل نوعيّة الأسطول الجوي المعتمدة والوجهات العالمية المقصودة والخدمات التي تُقدّم للمسافرين.


تقوم الشركات الثلاث، بحسب صحيفة فايننشل تايمز Financial Times البريطانية، بمنافسة الشركات الأوروبية الكبرى كشركة "الخطوط البريطانية" وشركة "لوفتهانزا" Lufthansa الألمانية التي تعاني من متاعب مالية. لكن هذه الشركات الخليجية، في الوقت نفسه، تتنافس فيما بينها للوصول إلى مستوى الريادة عالمياً، حيث تشهد تسابقاً لتوسيع استثماراتها الخارجية. والاستراتيجيات المتبعة في هذا المجال متنوعة، تبدأ من عقد اتفاقيات الشراكة وصولاً الى شراء الحصص في كافة مجالات قطاع الطيران حول العالم.


قامت الخطوط الجوية القطرية، بحسب مجلة آفييشن بيزنس Aviation Business، بشراء 20% من أسهم شركة مطار هيثرو Heathrow البريطاني في شهر أكتوبر 2012، ورصدت أربعة ملايين دولار ونصف للاستثمار في تجديد البنية التحتية للمطار. تعمد الشركة إلى توسيع شراكتها مع شركات الخطوط الجوية، وقد وصلت إلى 125 وُجهة حول العالم. كذلك الأمر بالنسبة للشركة الإماراتية التي تعتمد في نموها على تشغيل خطوط جديدة، وتسيير رحلات إلى أكثر من 120 وجهة. أما منافستها الاتحاد فتعتمد على بناء شراكات من خلال شراء حصص أو أسهم في شركات طيران عالمية، ابتداء من ألمانيا وانتهاء بأستراليا، فقد قامت في العام 2011 بشراء 29.2% من أسهم شركة أير برلين Air Berlin الألمانية، كما اشترت 10% من شركة فيرجن أستراليا Virgin Australia، وحوالى 40% من شركة أير سيتشل Air Seychelles. وفي أبريل من هذا العام، أصبحت الاتحاد شريكاً بنسبة 24% من رأسمال شركة طيران جيت Jet Airways الهندية لقاء مبلغ وصل إلى 379 مليون دولار أميركي. كما ستقوم باستثمارات أخرى في هذا المجال أبرزها الحصول على ثلاثة أحياز زمنية تعود لـ جيت في مطار هيثرو البريطاني.


تعمل هذه الشركات على توسيع اتفاقيات الشراكة والشراكة بالرمز مع الشركات العالمية الكبرى. هذا النوع من الشراكة هو اتفاق تجاري ما بين شركات الطيران يمكنها تسيير رحلة مشتركة، ويمكن للمسافر حجز مقعده من أي شركة طيران يشملها هذا التعاون تحت أرقام أو رموز رحلات مختلفة. تهدف هذه الاتفاقيات إلى تعزيز التحالف ما بين شركات الطيران وتوسيع الحضور في الأسواق العالمية. إذا كانت اتفاقيات الشراكة بالرمز للخطوط الجوية القطرية ولالإماراتية تقتصر على 10 تقريباً وهي مهمة، فشركة الاتحاد، الحديثة العهد، تملك حالياً عقوداً لأكثر من 42 اتفاقية، أهمها مع إير سيتشل واير برلين ولينجوس Air Lingus وفيرجين استراليا، وأخيراً، الطيران الكندي، ما يفتح أمامها حوالى 349 وجهة عالمية. ودرّت هذه الشراكات للاتحاد أرباحاً إجمالية بلغت 600 مليون دولار أميركي في العام 2012 بحسب مجلة آفييشن بيزنس. وتظهر تقارير عدة أن شراكات الاتحاد كانت ناجحة حيث أن إير برلين حققت أرباحاً صافية بقيمة 7 ملايين يورو في العام 2012 للمرة الأولى منذ العام 2007، رغم الأزمات المالية التي واجهتها أخيراً. كذلك، حققت إير سيتشل أرباحاً صافية بقيمة مليون دولار أميركي للمرة الأولى منذ العام 2007.


167


ما بعد النفط

الماركيتنغ من ضمن الاستثمارات الخارجية التي تقوم بها شركات الطيران، وهي استراتيجية ذات أهداف بعيدة المدى، لاسيما عقود الرعاية الموقعة مع أهم فرق كرة القدم الأوروبية. فقد منحت الخطوط الجوية القطرية فريق برشلونة Barcelona عقد رعاية بلغت قيمته 170 مليون يورو لقاء وضع لوغو الشركة على قمصان النادي الإسباني لثلاث سنوات. أما الاتحاد فترعى فريق مانشستر سيتي Manchester City الإنكليزي بعقد يُقدَّر بنصف مليار جنيه استرليني على مدى عشرة أعوام. كذلك تقوم الإماراتية برعاية فرق كرة قدم عدّة، مثل فريق أرسينال Arsenal الإنكليزي منذ العام 2004، وميلان Milan الإيطالي منذ العام 2007، وباريس سان جرمان -Paris Saint Germain الفرنسي منذ 2005. جَنْي الأرباح هو الهدف بعيد المدى من وراء هذه الاستثمارات، بحسب المعاضيد. إن عقد الرعاية، عدا عما يحققه من ترويج لأسماء الشركات في الأسواق العالمية، يهدف إلى بلوغ سوق جمهور النشاطات الرياضية حول العالم والعمل على خطوط النقل الرياضي. وفي هذا السياق، نقلت صحيفة الراية القطرية، ما قاله الرئيس التنفيذي للخطوط الجوية القطرية، حول عقد الرعاية لفريق برشلونة الإسباني، بأن "ناقلاته ستعزز مدينة برشلونة بجسر جوي لنقل مشجعي الفريق عبر تقديم العروضات والحسومات."


وعن طبيعة هذه الاستثمارات وجدواها والهدف منها، يشير المعاضيد إلى أن هدف كل استثمار هو الربح. في حالة دول الخليج، يبرز أيضاً الهدف الاستراتيجي للمدى البعيد وهو التطلع "إلى ما بعد النفط". فإنشاء شركات عملاقة قوية قادرة على المنافسة في السوق العالمية يعتبر تنويعاً في الاستثمارات وفي القطاعات الأخرى غير النفطية. فحركة توسيع الاستثمارات الخارجية لشركات الطيران تسير بالتوازي مع حركة توسيع المطارات في دول الخليج. كما نمت حركة شحن البضائع من القرى اللوجيستية في قطر ودبي إلى كافة أنحاء العالم. وفي هذا المجال تعمل الدول الخليجية على توسيع الاستثمار بشراء طائرات الشحن الكبيرة وعقد اتفاقيات الشراكة. فالاتحاد حققت في العام 2012 نمواً بـنسبة 19% في حمولتها السنوية خاصة في ظل ازدياد الطلب من الصين والهند. ويذّكر المعاضيد هنا بالفاعليات والأنشطة الثقافية والرياضية والسياسية التي تستقبلها دول الخليج والتي حققت استقطاباً كبيراً لحركة المسافرين، فدبي مثلاً أصبحت وجهة سياحية عالمية.


يُعتبر الموقع الجغرافي لدول الخليج مهماً لحركة الترانزيت، التي نمت في الآونة الأخيرة بشكل كبير عبر المطارات الخليجية. ويتوقع المعاضيد في حديثه عن البعد الاستراتيجي لهذه الاستثمارات أن يكون الناقل الرسمي لـمونديال 2022، الذي ستستضيفه قطر على أرضها، الخطوط الجوية القطرية؛ أي أن هذه الشركة ستدخل على خط النقل الرياضي لتلبية حاجات الجمهور الرياضي، لذا تعمل على توسيع استثماراتها وتكبير أسطولها ليتماشى مع الحدث.


تتسابق شركات الطيران الخليجية على الاستثمارات الخارجية وتتنافس على درجات الامتياز، وكل هذا ينسجم مع روح التنافس القائم ما بين دول الخليج للمضي في الاستثمارات الداخلية والخارجية على السواء بكل أبعادها الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية. وها هي تنمو لتصل إلى 6 قارات وأكثر من 350 مدينة حول العالم، وتنافس الشركات العالمية الكبرى التي يعاني معظمها من متاعب مالية. إن التساؤل المشروع اليوم هو حول إمكانية دوام هذا النمو في ظل ما تشهده بعض شركات الطيران التي عرفت الصعود والنمو، ولكنها تبدو اليوم عرضة لمنافسة الشركات الخليجية.

168

وليد حسين

كاتب وباحث لبناني متخصص، تتناول كتابته الشؤون الانتخابية والسياسية. حائز على شهادة ماجستير من جامعة تريستي في إيطاليا في علوم الحكم والسياسات العامة، وعمل كمنسق للحملة المدنية للإصلاح الانتخابي.

كلمات مفتاحية
استثمار

التعليقات

المقال التالي