أسواق المال العربية: مرآة تطوّرنا

أسواق المال العربية: مرآة تطوّرنا

بلغت قيمة الأوراق المالية المسجّلة في 16 سوقاً للأسهم في العالم العربي، حتى الفصل الثاني من هذا العام 969 مليار دولار لـ 1467 شركة مُدرَجة، وتشكل دول مجلس التعاون الخليجي ما لا يقل عن 82 في المئة من قيمة السوق و90 في المئة من دورة رأس المال. في المقابل، فإن القيمة الراهنة لأكبر شركة مدرجة، وهي شركة أبل، تبلغ 414 مليار دولار.

بدأ تاريخ الأسواق المالية في المنطقة في الإسكندرية في 1883، وبعدها بسنوات قليلة افتتحت بورصة الأسهم في القاهرة، وهي إحدى أقدم البورصات في المنطقة، وقد تبوّأت في منتصف القرن الماضي المركز الخامس عالمياً. لكن، في منتصف خمسينيات القرن الماضي، تسبّبت أفكار مستوردة، حول سياسات مركزية واشتراكية، في تآكل السوق، ومن ثمّ دخولها في حال سبات دام حوالي 30 عاماً نقلت عالمنا إلى حاله المؤسف اليوم. ظهرت أسواق أخرى للأسهم بشيء من التردّد في عدد من الدول العربية، لكنها لم تحقق حضوراً ملموساً حتى عقد التسعينيات. ولعل مصر مثال على حظوظ تتغيّر: إذ يُقدّر سوق الأسهم فيها بـ 52 مليار دولار في آب 2013، في حين أن المرتبة الخامسة عالمياً تحتلّها الآن بورصة هونغ كونغ المقدّرة برقم مذهل هو  2.8 تريليون دولار، أي 55 ضعفاً فقط!

اعلان


فكيف تنتقل أمّة من سوق مالية حلّت خامسة عالمياً، إلى سوق هامشية، في بحر خمسين عام؟

تصعد الأمم بفضل جهود متناغمة يبذلها فرقاء عدّة: المفكّرون والسياسيون والمبدعون وأصحاب المال، لكن ما الذي يجعلها تذوي؟ تعاين هذه المقالة "تيمات" تتكرّر، بدرجات متفاوتة في البورصات العربية، لتبين بعض الأسباب المباشرة لتراجع الأداء.

في مستهل القرن العشرين، سادت، في بورصتي الإسكندرية والقاهرة، دينامية لم تختلف في شيء عن مناخ الأعمال في نيويورك أو بوينس آيريس آنذاك: روح المشاريع الكبرى، سياسة تيسير الأعمال، قاعدة استهلاكية صحيّة، اقتصاد غني بالموارد، طبقة قياديّة متعلمة، وأسواق مفتوحة. المؤرّخ الفرنسي فرناند بروديل ينسب المفهوم الأوّل للبورصات إلى بورصة القاهرة في القرن الحادي عشر، أي قبل الريادة التي تدّعيها إيطاليا منذ القرن الرابع عشر، إذ يقرّ بميل المصريين طبيعياً إلى التجارة. ويتوقف بروديل خصوصاً عند نجاح الشعوب المصرية في هذا المجال، ربطاً بمجتمع تميّز حينها بالانفتاح والتنوّع. بعد ثورة 1952 المصرية، استقرّت البلاد تدريجياً في أحضان الاتحاد السوفياتي، متبنيّة نموذجاً اقتصادياً فاشلاً، قد يكون ذلك بسبب النفوذ الإسرائيلي المتنامي في الغرب الذي راح ينبذ مصر من جهة، فيما كانت القيادة المصرية راغبة في كسر العلاقة الكولونيالية على طريقة السيِّد والتابع، والتي كانت مهيمنة على العقلية الغربية، من جهة ثانية. أفضى هذا إلى الاشتراكية العربية في مجتمع له تاريخ طويل في التجارة وصبغة مسلمة (لا إسلامية بالمعنى السياسي) تتنافر بالمبدأ مع الاشتراكية، وإلى التأميم تحت شعار  الإصلاح، والنّيل من الروح التجارية لصالح اقتصاد مركزي فاشل في أفضل الأحوال، ناهيك عن هجرة الأدمغة التي لم يبدُ منها مفرّ إثر انحسار التعددية وصعود القومية العربية. خوف المسؤولين من ثورة مضادة مدعومة من الغرب، ومن التطرّف الديني في الداخل، واحتمال تسلّل الشيوعية، والصراع مع إسرائيل... كلها عناصر يتّفق الدارسون على أنها استدعت قيوداً صارمة وطويلة الأمد على المعارضة السياسية، إضافة إلى منع التعدد الحزبي داخل النظام الحاكم، ما فاقم مسبّبات سقوط أمّة عظيمة كانت قيادية صناعياً وزراعياً وثقافياً في العالم العربي وما يتعدّاه. خُنقت المشاريع، تدهور التعليم وتدهورت معه الحرّية الفكريّة، امتصّ الإنفاق الحربي الموازنات، ودخل العالم العربي بريادة مصر في أكثر مراحل تاريخه ظلاماً.

أُعيد إنتاج هذه المحنة، وغالباً لأسباب مشابهة، في أنحاء العالم العربي. فقد أدّى انحسار الحريات السياسية إلى قيام حكومات مكبّلة بفساد مستشرس كما بسياسات قصر النظر التي عرقلت الاقتصاد وحدّت من الإبداع، وفاقم الانفجار السكاني ذلك كله. فعندما يكون نصف السكّان تحت سنّ الـ25، لا تعود البلاد تشكل النموذج الأمثل لاقتصاد، لا الزراعة عماده ولا الصناعة ولا الخدمات ولا السياحة.

ما دور الاسواق المالية؟

تؤدّي الأسواق المالية دوراً مهماً في حركة الموارد، إذ تسيّرها في قنوات إنتاجية، ما يسهّل عملية النمو الاقتصادي ويدفع بها قدماً، إضافة إلى تشجيع الادّخار والاستثمار. والحال أن أكبر المشاريع والصناعات في العالم العربي غير مدرجة على البورصة، تديره حكومات، وعائلات قليلة، نظراً إلى اعتلال الأسواق المالية أحياناً، أو إلى التصميم المسبق أحياناً أخرى. لا تملك الحكومات، في أكثر الاقتصادات تقدماً، خدماتها، ولا شركات طيرانها ولا مرافئها ولا مصانع تبغها ولا مصافيها ولا معادنها، فلماذا تملك حكوماتنا مثل هذه المقدّرات وهي معظمها غير منتخبة صراحة؟

إدراج الشركات في الأسواق المالية، يؤمّن الشفافية والمحاسبة، يعيد توزيع الثروة، كما يساعد في نشوء طبقة وسطى: المحرّك المستدام الوحيد للنموّ الداخلي. كما أن إدراج الشركات العائلية يضمن استمراريتها بعد الجيل الأول. ذلك أن أحكام الشريعة توجب توزيع الأصول على الورثة، في حين أن إدراج الشركات في الأسواق الماليّة يفسح المجال أمام استراتيجيات أخرى لانتقال الملكية يحمي الأصول من التفتّت، ما يتيح استمرارية الشركات ونموّها. كلّنا مطّلع على المؤسسات العالمية الناجحة و كلنا نتباهى بأصول ستيف جوبز وكارلوس سليم و نيكولا حايك، وكلّنا مقتنع أنهم لو نشأوا في بلادهم الأم لما وصلوا إلى هذه النجاحات، فما علينا إلا القبول صراحة أن السياسة الرأسمالية أنتجت من نحلم بنجاحاته.

نعم قد انغمس رأس المال العربي، شأنه شأن العالم كله، في أزمة 2008. لكن تعافيه ظلّ متلكّئاً، على رغم أن العالم العربي لم يعانِ أزمة ديون، إضافة إلى أنّ أسعار النفط تضاعفت منذ بدء تلك الأزمة. والسبب، ببساطة أن العالم مشكّك في السياسات والمحاسبة والشفافية في المنطقة بالرغم من الإمكانيات الواعدة. هل هناك شركة عربية واحدة غير حكومية، او مملوكة من الحكام، ذات نفوذ عالمي؟

لا يسعنا أن نطمح للانضمام إلى النظام العالمي من دون الالتزام بقوانينه: أطر قانونية صحيّة، ومحاسبة وشفافية. وبالعودة إلى المثال الأول، أي بورصتي الإسكندرية والقاهرة، تتّضح ضرورة الانضمام إلى النظام العالمي، واستغلال كامل الإمكانات في منطقة غنيّة بالأفكار والقوى العاملة ورؤوس الأموال. الأسواق العالمية الفعّالة والمفتوحة جزء لا يتجزأ من المعادلة المطلوبة في البلاد العربية الـ 22. من دونها لا مجال للتقدّم.

التعليقات

المقال التالي