التغزل في عينَيْ الحبيبة على صندوق ذخيرة إسرائيلية ووعاء بنزين حديدي... الجركن

التغزل في عينَيْ الحبيبة على صندوق ذخيرة إسرائيلية ووعاء بنزين حديدي... الجركن

"ابق حيث الموسيقى والغناء... فالأشرار لا يغنون".

مثل غجري قديم يمكن أن يعبر بوضوح عن فلسفة فرقة الجركن البدوية السيناوية، التي رفعت شعار " نحن نحب الحياة... إذا ما استطعنا إليها سبيلاً‏"، لتحول مخلفات الحروب من صندوق الذخيرة وجركن البنزين إلى الآت موسيقية، تنتصر للحياة والسلام ضد القتل والدماء.

إذا حالفكم الحظ وشاهدتم حفلة لفرقة "الجركن" تأكدوا أنكم ستكونون على موعد مع السعادة والبهجة، لن تحتاجوا إلى مقعدكم نهائياً، لأنكم ستكونون وسط دبكة راقصي ومطربي الفرقة على المسرح، تشاركونهم في الرقص وربما الغناء، وربما فنجان من القهوة العربي.

أجواء أغاني الفرقة ساحرة تمتزج فيها رائحة الصحراء بالقهوة السمراء، بالتغزل في عيني الحبيبة البعيدة، ومدح شيم القبائل العربية، تصاحبها نغمات السمسمية المميزة، وصوت الناي الحزين، الذي يمتزج مع إيقاعات صندوق الذخيرة والجركن بعذوبة بالغة.

يحكي يحيى الشوربجي، عازف الناي بفرقة الجركن، لرصيف22: "التسمية تعود لاستخدامنا مخلفات الحرب كآلات إيقاعية في العزف؛ وهي جركن البنزين الحديدي الكلاسيكي وصندوق الذخيرة العتيد، الذي تركه الإسرائيليون في الصحراء بعد انتصار الجيش المصري فى حرب 1973، ومن ثم توارثنا هذه الآلات من الأجداد الذين استغلوها منذ سنوات في المناسبات المختلفة كالعُرس وليالي السمر البدوية والأعياد الوطنية للمحافظة".

الجركن تأسست عام 2003 كواحدة من فرق مركز المصطبة للموسيقى الشعبية، مركز ثقافي مصري مهتم بالفنون الشعبية. يرى مؤسسها زكريا ابراهيم ومدير المركز أن ميلادها كان استثنائياً وضرورياً لما تتمتع به شبه جزيرة سيناء والبدو من مكانة كبيرة في الوجدان الجمعي المصري، ثم كان يجب إحياء وتوثيق تراث وفنون هذه الصحراء، وتأكيد التنوع الثقافي الفني المصري المتفرد والممتد شرقاً وغرباً وصولاً للنوبة جنوباً والدلتا والاسكندرية شمالاً.

وأضاف أن الفرقة تعتمد في إحيائها للتراث السيناوي على الآلات الاصلية لسكان الصحراء: الناي، المجرونة، وهي آلة نفخ خشبية ذات مخرجين، الجركن وصندوق الذخيرة، السمسمية السيناوي، الدف والطبلة.

99830291.2fp0mNZi.P1030719

نغني عن السلام والجِمال وشيم القبائل العربية

"نغني عن السلام، الحب، الحبيبة، الصحراء، شيم القبائل العربية الاصيلة، البدوي وعلاقته بالجِمال الوفية ،القهوة "، يقول غريب مؤمن مغني الفرقة لرصيف22.

أقوال جاهزة

شارك غرد"ابق حيث الموسيقى والغناء... فالأشرار لا يغنون"

شارك غردمخلفات الحرب كآلات إيقاعية، جركن البنزين وصندوق الذخيرة الذي تركه الإسرائيليون في الصحراء في حرب 1973

شارك غرد"هناك مشكلة تخص التقدير واحترام للفن الشعبي بمصر"

ويضيف: "يتميز الفولكلور السيناوي باعتماده على الشعر الملحمي والغناء للطبيعة والجمال الساحر واللهجة البدوية. والفرقة تعتمد على الأغاني التراثية المحفوظة عن الأجداد مثل أحبابنا، يا دروبي، عم يا جمال، يا ليدانا، واغاني حديثة تفرضها مواقف مختلفة مثل معاناة سيناء من الإرهاب خلال السنوات السبع الأخيرة، فكانت الأغنية تقول:

"جبلنا وبترابه ودمه ومهما الدهر من غضباته برضه جبلنا... بنبقى في سيناء ما بنترك جبلنا وترابك ياسينا أغلى من الدهب..."، وهي تعكس تمسك السيناوي بأرضه وتضحيته وموته من أجلها وعدم التفريط فيها.

"الفرقة هي رسالة محبة وتواصل للعالم أجمع من أرض الفيروز سيناء، هذا الجركن وصندوق الذخيرة المدون عليه كلمات باللغة العبرية ويحمل صدأ سنوات بعيدة، هو رمز تاريخي عن كراهيتنا للحرب والدماء والقتل، وتحويل الأدوات الحربية إلى الآت فنية، لتعبر عن شعب يرفض الإرهاب ويحب الحياة، ونجاح الفرقة في أوروبا وأستراليا وأمريكا، هو دعوة للتضامن حتى تتوحد الشعوب ضد الكراهية والعنف".

يصف عبد المقصود رمضان، عازف المجرونة، مشاعره بكلمات امتزجت بالفخر لنجاح الفرقة عالمياً، ويستنكر ما تتعرض له سيناء من إرهاب.

الرقص والدبكة جزء من أداء الفرقة على المسرح

يقول علي سلامة، عازف الإيقاع بالفرقة وراقص الفنون الشعبية، لرصيف22 إن الرقص الجماعي والأداء الحركي هما جزء أصيل من العرض الذي تقدمه فرقة الجركن. ويعتبر سمة مميزة للتراث السيناوي البدوي في جميع المناسبات كالعُرس وحفلات السمر، فيمتزج الغناء برقص الدبكة، التي نشترك فيها مع دول الجوار كفلسطين والأردن والشام.

يرى سلامة أن أحد أسباب نجاح فرقة الجركن عالمياً هو ذلك العرض الممزوج بالغناء، والرقص والاستعراضات، فالجمهور الغربي لا يفهم اللهجة البدوية أو اللغة العربية، ولكن ينبهر بالآلات البدائية البسيطة كالناي وصندوق الذخيرة، التي تصدح بأصوات مميزة لم يسمعوها من قبل.

"حققت الجركن شهرة وعرفها العالم قبل أن يعرفها المصريون، رغم تقديمها للعديد من العروض المحلية في مكتبة الإسكندرية، الساقية الصاوي، المركز الثقافي الفرنسي، مهرجان القاهرة الدولي لموسيقى الشعوب، والجامعة الأمريكية. وانطلقت عالمياً في جولات دولية ومهرجانات معروفة مثل WOMAD وGlastonbury في إنجلترا وWOMADadlida في أستراليا.

3335466840_3f3e713652_b

وقت القهوة: ألبوم عالمي من إنتاج إنجليزي

"ألبوم وقت القهوة، الذي تم إنتاجه بواسطة شركة إنجليزية، كان شهادة ميلاد جديدة لفرقة الجركن، وانطلاقاً حقيقياً للعالمية، ليس فقط إحياء حفلات دولية، ولكن أصبح بحوزتنا ألبوم يباع ويوزع في الغرب، ويحقق أعلى مبيعات في إنجلترا، يا له من إنجاز مذهل"، يقول عبد المقصود.

ويضيف زكريا ابراهيم مدير مركز المصطبة ومؤسس الفرقة: "نجح المركز في توقيع بروتوكول تعاون مع شركة 30 IPS الإنجليزية لصاحبها مايكل وايت وود لإنتاج ألبوم عالمي بعنوان وقت القهوة لفرقة الجركن عام 2008".

ويستكمل زكريا: "وود منتج موسيقي ويمتلك عدة استديوهات، ومهتم بالموسيقى الشعبية المصرية بصفة خاصة، وحريص على توثيق التراث الفني الشعبي من كل دول العالم، ولكن الجزء الأكبر من نشاطه الفني منذ عام 2005 كان مع مصر ومركز المصطبة، ونجحنا بعد إنتاج الألبوم في تنظيم عدة حفلات وأمضينا أكثر من 55 يوماً بلندن نتجول من مدينة إلى أخرى لتوزيع الألبوم".

"القهوة السمراء مع الجمراء (القمر) ومعاها راح تحلى السهراء... اسقينا يا حلو وتعالى نرجع ماضينا. دة البن العربى عارفينه متقولش هاتلي كابيتيشنو... وطحناها بالمطحاناه... واهو ابن العم اهو جانا؟ وورثناها من اجدادنا واحنا نعلمها لولادنا."

أغنية القهوة السمراء من ألبوم وقت القهوة.

يفسر علي سلامة تسمية الألبوم بهذا العنوان: "القهوة جزء مهم من التراث السيناوي والحياة البدوية اليومية، فتناول القهوة في المناسبات المختلفة مكون أصيل من العادات والتقاليد، لذا كان يجب أن يحمل الألبوم هذا العنوان ويضم أغنيتين عنها هما ؛القهوة السمراء، فنجان القهوة".

وأضاف: "الجركن نجحت في نقل هذه الأجواء البدوية في جولتها بإنجلترا بامتياز، حتى أذهلت الجمهور وجعلته يرقص طرباً. نقلتهم الفرقة إلى عالم الصحراء والطبيعة، فكان يقوم عدد من أعضاء الفرقة بطحن حبات البن الطازج مباشرة على المسرح بشكل متوازٍ مع الرقص والغناء والعزف، ثم تحضير القهوة وتعبئتها في أكواب كرتونية مطبوع عليها لوغو الفرقة".

2713665311_3a668b1d62_o

ألبوم "وقت القهوة" يضم 13 أغنية هي: بدو سيناء، يا ليل دانا، الرجا، عم يا جمال، القهوة السمرا، خلف، دبكة، وإيش علمك، ماريا، ملليت، قمر ١٤، يا دروبي وفنجان.

"الأجانب يحترمون التراث أكثر من المصريين، يتجاوز الجمهور في حفلات الفرقة بأوروبا الـ25 ألف مستمع. حتى التفاعل يكون حماسياً وصادقاً مع الجمهور رغم عدم فهم اللغة، عكس الحفلات بمصر، والدليل أن ألبوم وقت القهوة لم يحقق ربع مبيعات ما حققه في لندن، بل لا أظن أن هناك من يعرف في مصر شيئاً عن هذا الألبوم!"، يقول علي سلامة عازف الإيقاع عن تراجع الاهتمام بالتراث الشعبي بمصر.

يقاطعه يحيى الشوربجي: "بعد انتهائنا من كل حفلة كان هناك ساعة على الأقل للرد على أسئلة المهتمين من الجمهور سواء كانوا متخصصين بالموسيقى أو متذوقين، عن نوعية الآلات التي نستخدمها في العزف، وعن أصلها".

ويضيف: "نجحنا من خلال إشراف أستاذ زكريا ابراهيم ومايكل وايت وود في تنظيم ورش فنية صغيرة على هامش هذه الجولات للعزف مع فرق موسيقية غربية من مارسيليا ولندن، بعازفين محترفين وحققنا مزيجاً فنياً موسيقياً شرقياً غربياً، نال استحساناً كبيراً، حتى أنهم كانوا مهتمين بمعرفة خطوات رقصة الدبكة والتدرّب عليها".

كيف نجحت فرقة محلية بدوية للوصول للعالمية بألبوم كامل لم يحققه نجوم المينستريم في مصر طوال تاريخهم؟

يوضح زكريا ابراهيم: "سوق الموسيقى العالمي يعتمد على هذه الفرق القادمة من كل بقاع العالم من كوبا وأفريقيا وآسيا، والتي نسميها في بلادنا العربية فرقاً تراثية شعبية، ولكن دول أوروبا بصفة عامة ولندن خصوصاً تضم عدداً كبيراً من المنتجين وشركات الإنتاج الفني التي تتنافس طوال العام على اكتشاف هذه الفرق الشعبية لتقديمها للسوق العالمي من خلال المهرجانات الكبيرة، ويعتمد نجاح هذه الشركات على قدرتها على تسويق الفرق الشعبية، وتحقيق أرقام كبيرة في توزيع ألبوماتها، وإقامة حفلات لها متنوعة تجوب عدة دول.

لماذا يغيب الاحترام المصري للفن الشعب؟

يفسر مدير مركز المصطبة: "اتفقنا أن الموسيقى العالمية هي الموسيقى الشعبية التي تعبر عن شعوب أخرى، وبالتالي يقدر الجمهور الأوروبي بشدة هذا التراث المتوارث من جيل لجيل عبر الأجداد، لأنه نوع من الموسيقى انتهى في الغرب منذ قرون بعيدة لعدة اسباب: أولها تاريخي، فالكنيسة في العصور الوسطى حرّمت الغناء والموسيقى خارج الكنائس، ما أثر سلباً على فكرة استمرار وتواصل الإبداع الشعبي الجمعي.

السبب الثاني هو السوق الرأسمالي، الذي يجنح للخصخصة، ويسيطر فيه النجم ويتوارى العمل الجماعي بقوة، فالنجم أو المطرب الفرد يكون هو المستفيد من بيع الألبومات وأجور الحفلات حتى تتماشى مع متطلبات هذا السوق الرأسمالي الذي يسوق لفكرة النجم الأوحد المينستريم، ثم عندما يحضر جمهور في إسبانيا، أو أستراليا، أو باريس، حفلة لفرقة الجركن الشعبية التي تعتمد على الإبداع الجماعي الشعبي التاريخي، تصبح بالضرورة حدثاً مثيراً متفرداً".

في مصر الشباب عايز "يتأجنب" وينبذ التراث؟

"العولمة سيطرت على البلد، الشباب يريد سماع غيتارات وكيبورد فقط، عايز يتأجنب لو صح التعبير، والفرق الموسيقية التي تنجح فى مصر أصبحت هي الفرق التي تقلد الغرب على الأقل في الآلات الموسيقية المستخدمة، وبالتالي هناك مشكلة تخص التقدير واحترام للفن الشعبي بمصر!"، هكذا لخص زكريا ابراهيم حالة الردة الثقافية والفرنجة القائمة على التقليد الأعمى.

"الفرقة تعاني من الإهمال وعدم الاهتمام الإعلامي بها، وغياب دعم وزارة الثقافة المصرية. سعداء بنجاح الفرقة خارج مصر ولكن نريد الشهرة من أبناء الوطن أيضاً، لا نشعر أن الفرقة تقدم غناء فقط بل هي رسالة صريحة لانتصار أهل سيناء على الحرب بالفن، وهي طبيعة الشعب المصري كله، والفرقة همزة وصل بين مصر والغرب الذي لا يشعر بقسوة الإرهاب الذي تعاني منه سيناء الآن"، يختم مؤمن غريب.

تستكمل فرقة الجركن البدوية جولاتها الفنية خلال الشهور المقبلة للمشاركة في مهرجان جرش بتونس، وإحياء عدة حفلات في الإمارات وأستراليا.

التعليقات

المقال التالي