"فيسبوك" على رفوف المكتبات

"فيسبوك" على رفوف المكتبات

تزدحم شبكات التواصل الاجتماعي بالاقتباسات المأخوذة من الكتب، سواءً تلك التي تنشرها دور نشر هذه الكتب للترويج لها، أو التي ينشرها قراء هذه الكتب، ولكن ماذا لو عكسنا العملية؟ ماذا لو قمنا بأخذ منشورات شبكات التواصل الاجتماعي ونشرناها في الكتب؟

هل تساوي الكتب الأقدم التي كانت تجمع المقالات الصحفية المنشورة سابقاً لكاتب ما؟ اليوم أصبح بين يدينا نماذج عن كتبٍ تم تأليفها بالتقسيط على صفحات فيسبوك، تحتل رفوف المكتبات ومعارض الكتاب، ولم تعد مجرد "فكرة".

الكتاب الذي لا يشتريه القراء "الحقيقيون"

نشرت دار نوفل مؤخراً كتاب "عبود سعيد" الذي يشترك في اسم الكاتب والكتاب، بعد حذف عبارة "أفهم واحد على فيسبوك" من العنوان العربي، وعلى غير العادة، فإن ترجمات الكتاب قد سبقته، حيث ترجم إلى 9 لغات قبل أن ينشر النص الأصلي باللغة العربية، أمرٌ لم تشهده سوق الكتاب العربي ربما منذ محمد شكري الذي نشر كتابه "الخبز الحافي" بالإسبانية قبل عشر سنواتٍ من نشره بالعربية سنة 1982.

INSIDE_FacebookBooks_Said
تم جمع الكتاب، المكون من منشورات للسوري عبود سعيد (34 عاماً) على فيسبوك، أول مرة في آذار 2013 باللغة الألمانية، في نسخة إلكترونية مكونة من 78 صفحة، من "مايكروتيكست" الألمانية، التي هي أقرب إلى منظمة أهلية منها إلى دار نشر، تأسست في كانون الثاني/يناير 2013، على يد نيكولا ريختر بعد حصولها على منحة من المجلس الثقافي البريطاني، حسب لقاءٍ معها، وقامت المترجمة ساندرا هيتزل باختيار النصوص التي يحويها الكتاب.

أقوال جاهزة

شارك غردهل صحيح بأنه على عكس شبكات التواصل الاجتماعي، "في الكتب لا توجد ديمقراطية في اختيار الكاتب"؟

شارك غردسنين لاتمام كتاب مقابل ثوان ودقائق لمنشور على الفيسبوك، هل خسر العالم الورقي أمام الافتراضي؟

ويقول سعيد لرصيف 22 أنه لم يكن ينوي نشرها عند كتابتها، ولكن "وصلها (هيتزل) أحد منشوراتي باقتراح من شاب يعمل في مجلة ألمانية، واختار أحد المنشورات التي أتحدث فيها عن أمي، لتترجم وتنشر في عدد عن الأم".

لا ينكر سعيد وجود دورٍ للسياسة في انتشار كتابه، وترجمته لاحقاً إلى عدة لغات، فالمنشورات التي تشكل الكتاب، نُشرت من مدينة منبج، أثناء اشتداد العمليات العسكرية في عامي 2012-2013، ويضيف أن أسلوب كتابته لعب دوراً ربما، "أنا أكتب بشكلٍ تهكمي عن بساطتي، وكذلك أنا ضعيف في اللغة العربية، أعرف 100 كلمة منها"، لذلك لم تأتِ النسخة العربية مطابقة للنصوص الأصلية، إنما تم "حذف بعض النصوص من النسخة العربية، إضافة لتعديلات تتعلق بالكلمات البذيئة والأخطاء الإملائية".

مسيرة عبود سعيد ستنتهي قريباً وفقاً لحديثه، فبعد وصوله إلى ألمانيا وإنهائه مؤخراً دورة لغة اختصاصية، سيعود لممارسة مهنته الأصلية (الحدادة)، ويقوم بكتابة رواية ينوي نشرها قريباً، "هي مشروع أعمل عليه، سأقذفه وبعده سأصبح خارج دائرة النشر"، الدائرة التي لا يبدو سعيد "سعيداً" بدخولها، إذ ما زال يفضل النشر على فيسبوك، حيث يقول "النشر لم يضف لي شيئاً إطلاقاً سوى أمورٍ مادية هنا في أوروبا"، معتبراً أن من يشتري كتابه "ليس قارئاً حقيقياً"، مفضلاً القارئ الإلكتروني "الذي ليس لكَ عليه شيء، بينما في الكتب لا توجد ديمقراطية في اختيار الكاتب".

مغامرة نشر المنشور

نشر محمد سعيد، شقيق عبود، كتاباً مماثلاً مع دار نوفل يحمل عنوان "عارياً في حوض السمك"، والذي يصفه مقال في جريدة العرب بقلم عمار المأمون، بأنه "اندفاع ساخر مرتبط بوضعية الهامش"، ويحمل موقفاً "لا يتجاوز السطحي والتأملات غير الناضجة، التي تستثنى عادةً من الكتابة"، مضيفاً في المقال المنشور في شباط/فبراير المنصرم أنه "كأي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، يقرأ مرة واحدة.. ..كالأفلام الإباحية التي يذكرها سعيد، ينتهي تأثيرها لحظة الارتعاش".

تقول المحررة في نوفل، رنا حايك، والتي تولت تحرير كتابي الأخوين سعيد، لرصيف22 أن "نجومية الكاتب على مواقع التواصل الاجتماعي ليست دليلاً قاطعاً على اكتساحه السوق ورقياً"، معترفة أن الدار تخوض مغامرة بنشرها لهذا النوع من الكتب، ولكنها مغامرة مرتبطة بتراجع أعداد القراء ومقتني الكتب في المنطقة العربية، مقابل ارتفاع متابعي العالم الافتراضي وما عليه من "شذرات أدبية"، لكنها تؤكد أن الأمر مرتبط أولاً وأخيراً بمتابعي الكاتب على فيسبوك، و"برغبة القارئ ذاته الذي يتصفح الإنترنت، بأن يقتني الكتاب".

ترفض حايك أن تكون شهرة كتاب عبود سعيد في أوروبا وراء نشره مع نوفل، "كان يهمنا ضم عبود سعيد إلى كاتالوغ هاشيت-أنطوان (مالكة دمغة نوفل)، لأننا نهتم بنشر المواهب الجديدة والشباب، وهذا كان ليصح لو لم يكن كتابه قد صدر مسبقاً بعدة لغات"، مضيفة أن "كل نص جيد يقدم لنا يؤخذ بعين الاعتبار، المعيار الوحيد لدينا هو الجودة الأدبية والأصالة والإبداع".

من أدب الطفل إلى المخيمات المحاصرة

معظم التجارب التي يمكن رصدها في هذا المجال، لا تمر بمراحل النشر الطبيعية، أي تقديم مخطوط لدار نشر وقبوله لما فيه من فرص ربحية أو إبداعية، فكتاب عبود سعيد نشر للمرة الأولى على يد منظمة غير ربحية مختصة تقريباً بنشر النصوص إلكترونية الإنشاء، وكتاب أخيه يبدو مرتبطاً بشهرته هو أو علاقته بدار نوفل على الأقل، أما الكتاب الثالث الذي بني بذات الطريقة، وهو "ذكريات من مخيم اليرموك" للكاتب الفلسطيني السوري خليل الصمادي، تمت طباعته على حساب المؤلف وبطلبٍ منه، كما يخبرنا يزن يعقوب، مؤسس ومدير دار صفحات للدراسات والنشر (دمشق)، وقد سبق للكاتب نشر عدة كتب للأطفال، منها سلسلة "أطفال الحجارة" و"فتيان ولكن رجال" و"قصص من التاريخ".

INSIDE_FacebookBooks_Yarmouk
تلعب فوضوية النشر على فيسبوك، مقابل النشر على المدونات والمواقع الإلكترونية، دوراً في خوض دور النشر لهذه المغامرة، فهي لا تنشر نصوصاً ممكنة القراءة بسهولة، إذ "تم نشرها على فيسبوك وفي فتراتٍ متباعدة تواصلت نحو العام، وبرأيي يصعب جمعها من قبل من يريد العودة إليها"، ويضيف يعقوب أن الكتاب متطابق تقريباً مع المنشورات الأصلية، وحتى غلاف الكتاب جاء من الكاتب، "الذي قدم لنا مع مخطوطه الغلاف الذي ارتآه مناسباً، مع أننا نفضل التعاون مع فنانين تشكيلين ومصممين مختصين". 

يقول يزن يعقوب أن داره لا تضع شروطاً على الكتب المماثلة، إذا كان المؤلف هو من سيتحمل تكاليف الطباعة، "ولكننا كمنفذين نكتفي بتقديم النصائح التي نرى أنها تخدم المنجز الورقي على عدة مستويات"، وتختلف الحال حين تكون الدار هي المسؤولة بشكل مباشر عن إصدار كتاب مماثل، فتدرس أهمية المحتوى ومدى تقبل القارئ لنصوص سيجدها مجاناً على الإنترنت، تفادياً لخسارات "تعمل لها دور النشر – في ظل الواقع الكارثي لعالم النشر – ألف حساب".

قد يكون لجوء الكتاب ودور النشر إلى مضامين شبكات التواصل الاجتماعي مجرد تأقلمٍ مع الواقع الجديد، أو محاولة يائسة لاستدراك انحدار مبيعات الكتب مع تراجع أعداد القراء، وتوفر الكتب المقرصنة بكثرة، إضافة لارتفاع معدلات الأمية من جديد بسبب الحروب.

لكنه بالتأكيد تمكين للعالم الافتراضي في وجه الورقي، ومسمارٌ آخر يدق في نعش سوق النشر، التي تخسر أصلاً العديد من القراء المحتملين لصالح "أدباء" فيسبوك يوميي الإنتاج، مقابل الكتب التي تستغرق صناعة كل واحدٍ منها سنيناً لا تقارن بدقائق إنشاء منشورٍ على فيسبوك.

مناف زيتون

كاتب ومدون وصحفي سوري.

التعليقات

المقال التالي