ناس الغيوان المغربية أو "رولينغ ستونز أفريقيا" كما سمّاهم مارتن سكورسيزي

ناس الغيوان المغربية أو "رولينغ ستونز أفريقيا" كما سمّاهم مارتن سكورسيزي

"الموسيقى لا متناهية لأنها هي لغة الروح" أوتو كليمبيرير.

الموسيقى لغة كونيّة لا يحتاج المرء من خلالها إلى شرح وجهة نظره بطريقة معقدة، فالنوتات تتكفّل بذلك، وتوصل الرسائل. وهكذا يستحيل الانسان كتاباً مفتوحاً يقرأه الجميع.

في ستينات وسبعينات القرن الماضي، ظهرت مجموعة من الفرق الموسيقيّة التي ضمّت مجموعة من الشباب الثائرين، اتّخذوا من الموسيقى لغتهم ليخاطبوا العالم. لم يجدوا سوى الموسيقى للتعبير عما يختلج في نفوسهم في ظلّ الوضع الاجتماعي المتردي والأحوال السياسيّة المتوترة.

ولعلّ أبرز هذه الفرق على الإطلاق هي ناس الغيوان المغربيّة التي خلّدت اسمها في تاريخ المدونة الموسيقيّة العربيّة والعالميّة، فكانت رمزاً لجيل بأكمله حفظ أغانيها وأعجب بألحانها، التي كانت مزيجاً عجيباً ونقطة لقاء بين أنماط موسيقيّة متعدّدة.

الشغف بالحياة

لا تبدو نشأة الفرق الموسيقيّة في العالم عموماً، وفي العالم العربي خصوصاً، منقطعة عن السياقات التاريخيّة التي تحيط بها. فالمتغيّرات الاجتماعيّة تلعب دوراً هاماً في تشكيل مثل هذه المشاريع الموسيقيّة.

تكوّنت فرقة ناس الغيوان سنة 1970 في الحيّ المحمّدي، الذي يعدّ من أفقر الاحياء في الدار البيضاء. وبالإضافة إلى الوضع الاجتماعي المتردي الذي عايشه أعضاء الفرقة وخبروه في حياتهم اليوميّة، كان السياق العالمي ملائماً لمزيد من تكوّن الوعي السياسي وبلوغ درجة من النضج، ستنعكس على أغانيهم وألحانهم.

فقبل تكون الفرقة بسنتين، شهدت فرنسا حركة ماي 68، كما انتشرت الحركات التحرريّة في العالم. كلّ هذه العوامل مع نكسة 1967، التي ستلقي بظلالها على العقود التي ستليها، ساهمت في تشكّل ملامح وتوجّهات أعضاء فرقة ناس الغيوان.

انطلقت ناس الغيوان بخمسة شبان من الحي المحمّدي، تشاركوا الهموم والأحزان، وكان لهم شغف كبير بالموسيقى: العربي باطما (مغنٍ وعازف إيقاع على الطبيلات)، عمر السيّد (مغنٍ وعازف على البندير)، بو جمعة أحكور (شاعر وموسيقي)، علال يعلى (عزف على آلة الهجهوج) وعزيز الطاهري (مغنٍ).

أقوال جاهزة

شارك غردقبل تكون الفرقة شهدت فرنسا حركة ماي 68 ووقعت نكسة 1967، ما ساهم في تشكل توجّهات أعضاء ناس الغيوان

شارك غردلقد عزف باكو الى جانب هندريكس وغنى معه على الركح الى ان أعجب به هذا الأخير وسماه طبيب الأرواح

سيحلّق هذا الخماسي عالياً في سماء الأغنية العربيّة، وسيتحوّل إلى أيقونة خلال السبعينات والثمانينات. واختارت الفرقة خطاً واضحاً منذ البداية يتمثّل في التعويل على الموروث الموسيقي المغربي مع نفحات صوفيّة. وهذا ما جعلهم يتحركون ضمن مجال معيّن قوامه الملحون مع الموسيقى التقليديّة والغناوة. كما تشبّثت الفرقة بالآلات الموسيقيّة التقليديّة، فعوضوا الدرامز والغيتار الكهربائي والبيانو بالهجهوج والبندير والطبيلات.

نجحوا في إيجاد الوصفة السحريّة فراوحوا بين قوّة الكلمة وجمال اللحن الأصيل والمتجذّر في الثقافة المغربيّة، فأصبحوا مرآة عاكسة لطرق تعبيريّة شعبيّة، خالية من أي تنقيحات وإضافات. والحقيقة أنّ هذا الأداء كان نتيجة بحث دؤوب واشتغال على مستوى الكلمة، التي كانت نقطة قوة الغيوانيين. فمنهجها يعتمد أساساً على تضمين مجموعة من الرسائل التي تنقد الوضع السائد في البلاد في تلك الحقبة.

فهم يقدمون أغاني سياسيّة عوضوا فيها التصريح بالتلميح خوفاً من السلطة الحاكمة. لكنّ لم يمنع من حصول أول صدام سنة 1972، فتمّ إيقاف حفلهم، تحت حكم حسن الثاني بن محمّد، بسبب أغنية "سبحان الله صيفنا ولا شتوة".

الأغنية تبدأ بنسق سريع مع ضربات الطبول المنتظمة وهزات أوتار آلة الهجهوج التي تمثل خلفيّة للكلمات التي يؤدّيها جميع الأعضاء.

"سبحان الله صيفنا ولا شتوة

ورجع فصل الربيع في البلدان خريف"

كلمات الأغنية وصف لحال الشاب العربي وللبلدان العربيّة في ذلك الوقت بسبب تدهور الأوضاع الاجتماعيّة وتعنّت السلطة. ما يحسب للفرقة هو هذا الاعتناء بالصور والحرص على تمرير النقد ضمنياً رغم أنّ ذلك لم ينقذهم من الرقابة.

12654210_1195051720512826_1615694589478040726_n

باكو وتأثير جيمي هندريكس

كان عبد الرحمن قيروش، المعروف ب "باكو"، متشبّعاً بموسيقى الغناوة، ومنذ قدومه إلى ناس الغيوان (بعدما كان في فرقة جيل جيلالة) سنة 1971 وحتى مغادرته سنة 1993، سعى إلى إدخال نفس جديد على الفرقة، من خلال تأثره بأنماط موسيقيّة جديدة.

هذا التجديد كان نتيجة مقابلة وتجربة موسيقيّة جمعته بجيمي هندريكس. يقول الصحفي المغربي حسن حبيبي: "عزف باكو إلى جانب هندريكس وغنى معه على الركح، إلى أن أعجب به الأخير وسماه طبيب الأرواح".

في هذه الحفلة في هولندا، تظهر الفرقة بأسلوب مختلف عن المعتاد على مستوى التوزيع الموسيقي أو على مستوى الكلمة، إذ تراجعت حدّة الإيقاعات وأخذ صوت قيروش المقدمة. كما أنّ النسق انخفض وأصبح مرناً وملتوياً مجارياً هزات أوتار الهجهوج. كان لقاء باكو بهندريكس مهماً في تشبّع العازف المغربي بموسيقى غربيّة جديدة، وافدة من الولايات المتحّدة، ووليدة ثقافة الهيبي. وهذا النمط الجديد هو ما سيطبع أداء فرقة ناس الغيوان سنوات طويلة.

من سكورسيزي إلى بن جلون: الفرقة تبهر المشاهير

أنجز أحمد المعنوني سنة 1981 فيلماً بعنوان "ترانسز"، يروي فيه حكاية ناس الغيوان، ويتتبّع فيه حياتهم اليوميّة وسرّ نجاحهم. كان الفيلم فرصة تعرّف من خلالها المخرج الأمريكي مارتن سكورسيزي على موسيقى ناس الغيوان فأعجب بها واشترى حقوق تأليف أغنية "يا صاح"، التي أدمجها في الموسيقى التصويرية لفيلمه الإغواء الأخير للمسيح (1988)، الذي صوّر في المغرب. وكان هذا دافعاً كبيراً للفرقة خصوصاً أنّ سكورسيزي أطلق عليها لقب "رولينغ ستونز أفريقيا".

الأغنية تفتتح بنوتات آلة الهجهوج ويؤدي العربي باطما استخباراً مطولاً تاركاً المجال أمام امتداد مساحاته الصوتيّة، ثمّ تنطلق إيقاعات الطبول منتظمة بنسق بطيء من دون تغطية على صوت المغني. هكذا نجح أفراد الفرقة في جلب الانتباه لأنّهم "غنوا للأرض وللأحياء الشعبيّة والمهمّشة"، كما أكّد ذلك الكاتب الطاهر بن جلون.

الأداء المذهل والبحث الموسيقي المتواصل والسعي إلى التّجديد هي عوامل ساعدت على بلوغ ناس الغيوان القمّة، فتمّ تكريمها في 10 مارس 2010 من قبل وزير الثقافة الفرنسي فريديريك ميتيران الذي أشاد بالفرقة في خطابه: "أنتم تمثلون سنوات من الإبداع الفني والعديد من الأجيال كانت منبهراً بكم. تاريخ ناس الغيوان هو تاريخ فرقة موسيقيّة وجدت أصولها في جذور الموسيقى المغربيّة ولكن أيضاً الموسيقى الأفريقيّة والروك".

الموت والشيخوخة والخلافات: بداية النهاية؟

أبهرت فرقة ناس الغيوان، على مدى عقود طويلة، أجيالاً متتالية وطبعتهم بموسيقاها وأدائها وكلماتها الملتزمة بالقضايا الإنسانيّة عموماً وقضايا العرب بصفة خاصّة. ولكنّ الفرقة تراجع أداؤها تدريجياً، فقد توفيّ أهمّ أعضائها بوجمعة (1974) وباطما (1997). ورغم أن ناس الغيوان قاومت هذا الفقد، فإن عبد الرحمن باكو غادرها سنة 1993 ليكوّن فرقة مع أبنائه على إثر خلاف مع عمر السيّد.

والحقيقة أنّ هذه الأحداث كانت متباعدة في الزمن (1974-1993-1997) ولكنّها تراكمت وأثرت سلباً على الأداء العام. فبين الموت والخلافات، تراجعت الفرقة ولم يجدِ قدوم شقيقيْ باطما: رشيد وحميد.

لم تتغيّر الأمور، فالفرقة لم تعرف سنواتها الذهبيّة إلا على امتداد ثلاثة عقود ابتداءً من السبعينات مع ذلك الزخم الثوري والبحث الموسيقي. في حفلة سنة 2011 تؤدي الفرقة أغنية "الله يا مولانا" مع مجموعة من الموسيقيين وعازفي الكمان، ورغم التقنيات المتوفّرة، فإن الأداء كان باهتاً كأنّه شبح الفرقة جاثماً على الركح. فالموت والشيخوخة والخلافات أدّت إلى فتور رهيب في الموسيقى يظهر جلياً على وجه وأداء عمر السيد وكأنّه يتحسّر على الأيام الخوالي.

التعليقات

المقال التالي