هل لامست سينما المغرب خط السياسة المحرم؟

هل لامست سينما المغرب خط السياسة المحرم؟

حقق المغرب طيلة السنوات الأخيرة حضوراً لافتاً في أعماله السينمائية، فمن كَم لا يتجاوز أصابع اليد، إلى إنتاج سنوي يتعدى الثلاثين شريطاً سنوياً، تراوحت بين ما هو كوميدي وآخر درامي، فهل لامست سينما المغرب خط السياسة المحرم؟

أفلام "سنوات الرصاص"

لسنوات طويلة، ظلّت السياسة في المغرب من المواضيع المسكوت عنها. تغيّرت الأوضاع مع نهايات التسعينات ومطلع الألفية الثالثة، وتزامناً مع ما يعرف آنذاك بـ"العهد الجديد"، أي فترة تولي الملك محمد السادس الحكم والتي عرفت في بداياتها بفتح المجال الواسع لمناقشة انتهاكات العهد السابق وتأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة، ومنح هامش نسبي للحرية ومناقشة التابوهات.

وقتها، خرجت من رحم الإبداع أعمال جسدت قصصاً حكتها أفلام عدة، كانت شاهدة على فترة ما يعرف بـ"سنوات الرصاص"، وهي الفترة التي دامت لأزيد من عقدين من الزمن، بعد انقلابي عامي 1971 و1972 الفاشلين ضد الملك الراحل الحسن الثاني، تبنّى فيها النظام آنذاك قوانيناً تقيد الحريات العامة وتمنح صلاحيات للسلطة في ممارسة القمع والتعذيب، وتدشين حملة اعتقالات وتعسف واختطافات غير مسبوقة في تاريخ البلد.

الملك حسن الثاني موكب الملك الحسن الثاني، للمصور لوميس دين

"درب مولاي الشريف"، من بين الأفلام التي جسدت سنوات الرصاص، ففيه يرى المشاهد حضوراً حياً للمعتقل السري، وليس كديكور، كما أن القصة تحكي عن تفاصيل محنة المعتقلين السياسيين مع التعذيب والعسف الذي تعرضوا له طيلة مدة اعتقالهم.

أما في فيلم "جوهرة بنت الحبس" لمخرجه سعد الدين الشرايبي، فيحكي عن صبية ولدت في السجن من أمها التي سجنت مع المعتقلين السياسيين، ويناقش الشريط أعمال الرقابة والتجسس المسلطة على النوادي السينمائية للطلاب من قبل أجهزة الإستخبارات المغربية في فترة السبعينات، وما نتج عن ذلك من اعتقالات وتعذيب في حقهم.

فيلم "ذاكرة معتقلة"، لمخرجه "جيلالي فرحاتي" يلامس تيمة السياسة من خلال رحلة البحث عن الذات وماض موشوم بالتعذيب والظلم، تعرضت لها شخصية "المختار" الذي فقد ذاكرته بعد مدة طويلة من الاعتقال.

يؤاخذ على هذه الأعمال السينمائية وغيرها من الأفلام التي أنتجت بعدها، على أهميتها، اقتصارها على توظيف تيمة السياسة في قصص سنوات الجمر والرصاص، كنقد وفضح لمرحلة جثمت على نفوس المغاربة، وتركيزها فقط على حقبة زمنية ولّت ومضت، حفرت في الذاكرة الجمعية للمغاربة مجموعة من التمثلات النفسية والاجتماعية والثقافية، محورها الخوف والترهيب والحذر من السياسة وكل ما يدور في فلكها. 

أقوال جاهزة

شارك غردكيف لامست السينما المغربية تيمة السياسة المحرمة؟

شارك غردأفلام تناولت عقدي "سنوات الرصاص"، وذاكرة الظلم والتعسف في المغرب

يرى الناقد السينمائي محمد بنعزيز، أنّ تيمة السياسة "تحضر في الأفلام المغربية، لكن كجزء من الماضي لا الحاضر، إذ تتناول سنوات الرصاص بعد ثلاثين سنة، أي بعد موت الملك الحسن الثاني"، مضيفاً أن "الفيلم السياسي هو الذي يتناول اللحظة، بينما الأفلام التي تنتظر زمنا لتتناول وقائع سياسية معينة تفقد حرارتها".

وتابع بنعزيز في حديثه لرصيف22: "لا توجد مناقشة رمزية للماضي من خلال الحاضر في أفلام سنوات الرصاص"، وأردف، "هذه الأفلام تحاول أن تظهر بأن هناك قطيعة مع الماضي، أي أن حاضر المغاربة صار أفضل وحصل تغيير سياسي مقارنة بالماضي، وهذا غير صحيح".

في المقابل، يرى الناقد وكاتب السيناريو محمد إشويكة أن "معالجة السينما المغربية لمشكلة الاعتقال السياسي، وما يسمى بسنوات الرصاص، تؤشر للتحول السياسي العام الذي شهدته البلاد منذ نهاية التسعينات"، مضيفاً أن "تطرق السينما المغربية لمثل هذه المواضيع يمنح المغاربة فرصة فهم الواقع بشكل أيسر، وبالتالي يجعله مستعداً للحوار من أجل التصحيح والاستفادة من أخطاء الماضي للاطلاع نحو المستقبل".

"هم الكلاب": الماضي كامتداد للحاضر

في فيلم "هم الكلاب" لمخرجه هشام العسري وُظِفَ الماضي كامتداد لأوضاع اليوم في البلد، ففي أطوار العمل، نجد البطل المجهول الاسم الذي كان معتقلاً بسبب مشاركته في احتجاجات مايعرف بـ"ثورة الكوميرا (الخبز)" المندلعة إثر غلاء أسعار المواد الأساسية عام 1981، وقد تم الإفراج عنه في أوج احتجاجات 20 فبراير المتزامنة مع نسائم الربيع العربي لعام 2011.

في مشهد البداية صرخة عبر مكبر الصوت يقول فيها المحتج "والحل الوحيد من بين الحلول... إسقاط النظام"، لم تكن مطالب حركة 20 فبراير جذرية لهذه الدرجة، ولم تتعد مطالبها إرساء ملكية برلمانية وإسقاط الفساد والاستبداد، لكن يبدو أن رسالة الفيلم هنا كانت جريئة بقدر ما كانت تريد أن تعالج فكرة أنه لم يتحقق التغيير المطلوب فاستبداد الماضي مازال حاضراً حتى وإنْ كان أقل حدّة.

أكد مخرج الفيلم هشام العسري، أنّ العمل يعتبر بمثابة "جرس إنذار" يستدعي التوقف والتأمل لما وقع في عام 2011، إبان الثورات والانتفاضات العربية التي أرخت بظلالها على المشهد العام بالمغرب وأدت إلى مطالبة المغاربة بمزيد من الحرية والكرامة والعدالة والمساواة.

"لن تمول السلطة فنا يقلل من هيبتها"

يفضل المنتجون المغاربة قصص سنوات الجمر والرصاص كأرضية للاشتغال في تيمة السياسة، بعيداً عن رقابة قد تقصيهم من التمويل الحكومي، لأن تلك القصص لا تستهدف بشكل مباشر المنظومة السياسية الحالية، ولا تمس بهيبة الدولة في وقتنا الراهن، في حين أن الحديث عن أحوال السياسة في الحاضر بشكل صريح وناقد في عمل سينمائي قد يجرّ صاحبه إلى مشاكل في التمويل الحكومي.

يقول الناقد محمد بنعزيز في هذا السياق أن "التعبير عن وجهة نظر سياسية قد يجر غضب السلطة ويسبب الإقصاء من الدعم السينمائي".

بنعزيز أشار في حديثه مع رصيف22، أنّ "من يدفع للزمار يحدد اللحن الذي يريد"، أي أنّ السلطة "لن تمّول فناً يقلل من هيبتها"، لافتاً إلى أن "السياسة كفن وعلم لإدراة البشر يظل طابو في المغرب بكامله، وبالتالي فهي طابو في السينما". 

تجدر الإشارة إلى أن الحكومة تمول سنوياً الأعمال السينمائية المغربية من خلال مؤسسة المركز السينمائي المغربي، وسبق أن صرّح مصطفى الخلفي، وزير الاتصال آنذاك، بأن حجم الدعم السنوي الحكومي المخصص للإنتاج السينمائي انتقل إلى 75 مليون درهم (7.5 مليون دولار)، عام 2015 عوضاً عن 60 مليون درهم (6 ملايين دولار) خلال السنوات التي سبقت عام 2015.

أما في عام 2016 فخصص المركز مبلغ 68.79 مليون درهم (أي ما يعادل 6,879 مليون دولار) من الدعم العمومي لإنعاش الإنتاج السينمائي الوطني.

صحفي و كاتب مقالات في الصحف والمواقع العربية كصحيفة رأي اليوم الإلكترونية وألترا صوت والسفير العربي، حاصل على باكالوريوس (ليسانس) صحافة.

التعليقات

المقال التالي