هيكل سليمان: قصة المبنى المقدس الذي أثار الجدل عبر العصور

هيكل سليمان: قصة المبنى المقدس الذي أثار الجدل عبر العصور

مع كل تجدد للاعتداءات الإسرائيلية في ساحة المسجد الأقصى بالقدس الشريف، تُعاد الأحاديث والأقاويل القديمة عن البناء الديني المقدس في تلك البقعة، وهل هو المسجد الأقصى كما يعتقد المسلمون؟ أم تراه هيكل سليمان كما يذهب الادعاء الإسرائيلي التقليدي؟

في هذا المقال، نتناول موضوع هيكل سليمان، والروايات التوراتية المتعلقة ببنائه، والتطورات التي لحقت به على مدار الزمان، ورأي بعض علماء التاريخ والأثار في حقيقته، وإذا كان قد وجد حقاً أم أنه كان مجرد أسطورة عبرانية قديمة تناقلتها الأجيال.

من خيمة الاجتماع لهيكل سليمان

بحسب المعتقدات اليهودية التقليدية، فإن خيمة الاجتماع كانت هي المكان الأول الذي اعتاد العبرانيون أن يؤمنوا بوجود إلههم فيه.

فكما جاء في سفر الخروج، فإن يهوه بعد أن أنقذ العبرانيين من فرعون مصر، أمر موسى بإقامة خيمة كبيرة، وأن توضع بها ألواح الوصايا العشرة. وكانت تلك الخيمة مصنوعة من مواد أولية وبدائية، مثل شجر السنط وجلود الحيوانات وبعض من الذهب والفضة والنحاس التي تبرع بها أثرياء اليهود حينذاك، وكان من المعتاد أن يقوم بني إسرائيل بنقل تلك الخيمة معهم في جميع تحركاتهم.

ولم تظهر فكرة بناء هيكل ثابت ليهوه، إلا عقب دخول العبرانيين إلى فلسطين، بعد أن قضوا أربعين عام في الشتات والتيه، بحسب المعتقد اليهودي.

ففي عهد الملك داود تحديداً –وهو ثاني ملوك إسرائيل– بدأت فكرة إقامة الهيكل المقدس، حيث تخبرنا أسفار العهد القديم، أن داود بعد أن أحس بالذنب من حقيقة كونه يعيش مترفاً في بيت فخم بينما يقبع تابوت العهد بين جنبات خيمة بدائية الصنع، قد عزم على بناء هيكل كبير ليهوه؛ فبدأ في آخر عهده في جمع الأموال والمجوهرات اللازمة للبناء.

وبحسب ما ورد في سفر أخبار الأيام الأول، فإن يهوه قد أخبر داود من خلال النبي ناثان، بأن بناء الهيكل المقدس لن يتم على يديه الملطختين بالدماء، لأن عهد داود كان قد شهد الكثير من الحروب والمعارك بين إسرائيل وأعدائهم.

كان أمر يهوه، بأن يتم بناء الهيكل في عهد سليمان بن داود، ويذكر العهد القديم أنه وفي العام الرابع من حكم سليمان، قد ابتدأ العمل في تشييد الهيكل، وذلك فوق البقعة التي حددها داود قبل وفاته أعلى جبل مورية في أورشاليم، ويؤكد سفر أخبار الأيام الثاني أن سليمان قد استعان بعدد من الخبرات الأجنبية في سبيل تشييد هذا البناء، فعلى سبيل المثال أرسل إلى صديقه الفينيقي حيرام ملك مدينة صور، حتى يرسل له الأخشاب، كما قام باستقدام العمال الفينيقيين المهرة. 

أقوال جاهزة

شارك غردقصص إنشاء هيكل سليمان، وهدمه ونهبه وإعادة بنائه، كما ذكرتها المصادر اليهودية وتناقلتها كتب المسلمين

شارك غردهل بني هيكل سليمان حقاً؟ أم أنه معتقد ديني لا يجوز فهمه بشكل حرفي؟ هنا ما يقوله لنا خبراء التاريخ والآثار

شكل الهيكل

بحسب العهد القديم، فإن العمل في الهيكل قد استمر على مدار سبع سنوات ونص، وأن مئات الألوف من العمال اليهود والفينيقيين قد اشتركوا في تشييده.

ولا تتوافر لدينا أي مواصفات دقيقة عن شكل الهيكل وقت بنائه، إلا ما ورد بأنه كان على هيئة مشابهة لهيئة خيمة الاجتماع، غير أن أبعاده كانت أكبر بكثير من أبعاد الخيمة.

وتتحدث المصادر اليهودية عن البذخ والفخامة التي ميزت الهيكل، وكيف أنه تفوق على أي بناء أخر ينتمي لتلك الحقبة الزمنية، وأن الذهب كان يُغطي السطح والأبواب والأروقة والممرات بداخله.

أما قدس الأقداس، فكان أهم وأعظم أجزاء الهيكل، وفيه وضع تابوت العهد الذي أحتوى على ألواح موسى المقدسة، وخارج تلك الحجرة تراصت بعض تماثيل الكروبيم –وهي نوع من أنواع الملائكة في المعتقد اليهودي-جنباً إلى جنب.

من سليمان إلى هادريان

مرّ الهيكل منذ إنشائه في عهد سليمان بالعديد من المحن والأزمات التي تسببت فيها الظروف السياسية، مما أدى إلى تخريبه في بعض الأحيان وإلى إعادة تعميره في أحيان أخرى.

نبوخذنصر

المحطة الأولى، كانت في القرن السادس قبل الميلاد، حينما وقعت إسرائيل ضحية لمنافسة طاحنة بين إمبراطوريتي مصر وبابل، وهو الأمر الذي نتج عنه قيام الملك البابلي نبوخذ نصّر بضمّ فلسطين في 597 ق.م (الصورة هنا للوح نقشت عليه سيرة نبوخذنصّر، من مقتنيات المتحف البريطاني).

ولكن لما ثار اليهود عليه في 587 ق.م، قام نبوخذ نصر بمحاصرة أورشليم وتدميرها، واقتيد ملك اليهود صدقيا إلى بابل ومعه الألاف من اليهود الأسرى الذين قام نبوخذ نصر بتهجيرهم ونفيهم، فأسكنهم في بقاع شتى من أرض الرافدين، وكذلك فقد أحرق الحاكم البابلي هيكل سليمان بعد أن استولى على ما به من تحف ونفائس، وعُرفت تلك الأحداث بـ"السبي البابلي".

المحطة الثانية، جاء وقتها بعد أن استطاع الفرس القضاء على الإمبراطورية البابلية، حيث قام الملك الفارسي كوروش الأول بالسماح لليهود بالعودة إلى أرض فلسطين مرة أخرى، فرجع منهم نحو 50 ألف شخص، كما يقال، وقام هؤلاء بالعمل لإعادة بناء الهيكل في عام 537 ق.م، وانتهوا من ذلك في 515 ق.م، وقد عُرف هذا الهيكل المجدد، باسم هيكل زربابل، نسبة لأحد قادة بني إسرائيل في المنفى، والذي رجع إلى فلسطين وحكم اليهود بأمر من ملك الفرس، واشترك مع النبي يشوع في إعادة بناء الهيكل.

أما المحطة الثالثة، فوقعت بعد أن انتهت السيادة الفارسية على فلسطين، حيث انتقلت السلطة فيها إلى السلوقيين الذين ورثوا أملاك الإسكندر الأكبر في تلك المنطقة.

ففي عهد أنطيوخوس الرابع، قامت ضده ثورة يهودية عرفت بثورة المكابيين، مما جعل أنطيوخوس يقوم بنهب الهيكل وهدمه ليقيم مكانه مذبحاً لزيوس كبير الألهة عند الإغريق.

المحطة الرابعة، يذكرها المؤرخ اليهودي يوسيفيوس، في كتابه تاريخ اليهود، في معرض شرحه لأحداث النصف الثاني من القرن الأول قبل الميلاد، حيث يذكر أن والي فلسطين هيرودس المُعين من قبل الرومان، قد قام بهدم بقايا هيكل زربابل، وقام بجمع كميات كبيرة من الحجارة والخشب والفضة والذهب والجواهر والنحاس والحديد، وقام بإعادة بناء الهيكل على حدوده الأولى، التي قيل إن سليمان قد أسس هيكله عليها.

ويذكر يوسيفيوس أن المطر طوال فترة البناء لم يكن يتساقط نهاراً، بل ليلاً فقط، وذلك حتى لا يتوقف العاملون والبناؤون عن العمل، وهو الأمر الذي اعتبره اليهود معجزة إلهية ومباركة ربانية على العمل في الهيكل.

المحطة الخامسة، وقعت في عام 70م، وذلك عندما تم تدمير الهيكل للمرة الأخيرة على يد القائد الروماني تيتس بأمر من أبيه الإمبراطور فيسباذيان، وكان ذلك بسبب وقوع تمرد يهودي على السلطة الرومانية بفلسطين.

وبعد ذلك بحدود 50 عام، وفي عهد الإمبراطور إيليوس هادريان، قام الرومان بإطلاق اسم إيليا كابيتولينا على مدينة أورشليم، ليمحوا أي أثر لليهودية فيها، بعد أن تم تخريبها وطرد اليهود منها، وبنى الرومان معبد للإله جوبيتر مكان الهيكل، ووضع به تمثال كبير له.

وسمح هادريان لليهود بزيارة المدينة في أوقات محددة، بحيث يقفون عند حائط المبكى ويتلون صلواتهم، ويُظهرون حسرتهم على أفعالهم التي أودت بهم إلى مصيرهم المؤسف، المتمثل في المنفى والشتات.

وجدير بالذكر أنّ المصادر الإسلامية، كالبداية والنهاية لابن كثير، وتاريخ الطبري، والكامل لابن الاثير، تعيد ذكر هذه التواريخ، وتحليل هذه الأنساق موضوع شائك نفصله في دراسة مستقلة.

ومع مرور الوقت، قلًت أهمية البقعة التي أقيم فيها المعبد الروماني، حتى إذا دخلت الجيوش الإسلامية المدينة في بدايات القرن السابع الميلادي، وجدتها أرضاً خربة مهجورة، تملؤها النفايات والقمامة، كما تذكر مصادر كثيرة، من أهمها تاريخ الرسل والملوك للطبري. وتذكر معظم المصادر الإسلامية، أن قدسية تلك البقعة المكانية، قد أعيدت بعد دخول المسلمين لأورشاليم، حيث اعتقد الفاتحون أن ذلك المكان تحديداً هو المسجد الأقصى الذي أسري بالرسول الكريم إليه، ومن هنا ارتبط الهيكل اليهودي بالمسجد الإسلامي وصار المبنيان المقدسان مرتبطان ومتلازمان ببعضهما البعض في المخيلتين الإسلامية واليهودية.

إشكالية بناء الهيكل اليوم

يختلف اليهود المعاصرون فيما يخص عملية بناء الهيكل، فهناك بعض الجماعات، ومعظمها من الجماعات اليهودية الأرثوذكسية التي ترى أن إعادة بناء الهيكل لن تتم إلا وقت مجيء "المسيا" المنتظر، وأنه ينبغي ألا يعمل اليهود على دخول حرم الهيكل أو التدخل بأي شكل مادي في بنائه، بل يرون الاكتفاء بالدعاء والتضرع إلى الله لتقريب اليوم المنشود الذي يأتي المسيح فيه.

أما الرأي الثاني يرى إمكانية مشاركة اليهود الحاليين في تغيير الواقع، وذلك من خلال هدم المسجد الأقصى وقبة الصخرة باعتبارهما مبنيان على البقعة المقدسة، التي يجب أن يُبنى فيها الهيكل المنشود.

هل بُني هيكل سليمان حقاً؟

من الغريب، أنه ورغم الشهرة الكبيرة التي حظي بها موضوع هيكل سليمان في عالمنا المعاصر، إلا أنه لا يكاد يوجد مصدر تاريخي واحد موثق يؤكد على أن ذلك البناء الأسطوري قد بُني فعلاً في أورشاليم.

فكل المعلومات التي وردت عن بناء الهيكل وتشييده، وما لحق به من خراب ودمار عبر العصور، إنما وصلتنا من كتب العهد القديم ومن أسفاره التاريخية على وجه التحديد، وهي قصص لا يمكن أن تُعتمد كمصادر تاريخية لها مصداقية مطلقة، كما لا يجوز اتباع أخبارها بشكل حرفيّ. وهو ما دفع العديد من علماء وخبراء الأثار والتاريخ للقول بإن قصة هيكل سليمان ما هي إلا قصّة من الثقافة العبرانية في فترة تاريخية معينة، ثمّ تناقلتها الأجيال وتمسكت بها.

ففي كتابه التاريخ القديم للشعب الإسرائيلي، يقول عالم الأديان الأميركي توماس طومسون (لا نملك دليلاً على وجود هيكل في أورشاليم في فترة حكم الملك سليمان).

أما عالم الأديان السوري فراس السواح، فيقول في كتابه تاريخ أورشاليم، أن الأدلة الأركيولوجية المتوافرة، تبين أنه من المستحيل على هيكل سليمان بكل أبهته وعظمته التي وردت في سفر الملوك الأول، أن يكون قد بُني فعلاً في القرن العاشر قبل الميلاد، إذ كانت أورشاليم في تلك الفترة مجرد قرية أو مدينة صغيرة، ولم يكن سادتها قد وصلوا لدرجة من الغنى أو السلطة لحدّ يمكنهم من إقامة مشروع عمراني ضخم كالهيكل المزعوم.

دراسة تاريخية هيكل سليمان لا يقتصر على العلماء الغربيين والعرب فحسب، بل أن هناك بعض الباحثين اليهود الذين ذهبوا للرأي نفسه. على سبيل المثال، يقول عالم الأثار الإسرائيلي زيف هيرتزوغ أن هيكل سليمان واحد من ضمن أحلام اليقظة اليهودية، التي حولها العبرانيون من حكايات عجائز إلى أساطير دينية لتعبر عن المجد اليهودي.

أما إسرائيل فينكلشتاين الذي شغل من قبل منصب مدير علم الأثار بجامعة تل أبيب، فقد شكك بشكل صريح في الأوصاف التي ذُكرت في العهد القديم عن الهيكل المقدس، وأعلن أنها غير متوافقة مع الاكتشافات الأركيولوجية والأثرية في فلسطين.

ولكنون منصفين، لابد أنّ نذكر هنا بأن هذا النقاش ليس مقتصراً على وجود الهيكل فحسب، لأن قصص الأخبار القديمة، الدينية والشعبية منها، غالباً ما تأتي بدلالات رمزية، تبني عليها الشعوب قيماً وأنساقاً ثقافية تحفظها وتتناقلها الأجيال شفوياً، وتصطدم بإشكاليات كبيرة عندما نحاول أن نأخذ صيغتها المكتوبة، بشكل حرفي.

المصادر والمراجع: التاريخ القديم للشعب الإسرائيلي لتوماس طومسون؛ تاريخ أورشاليم لفراس السواح؛ تاريخ الرسل والملوك للطبري؛ أبحاث في الفكر اليهودي لحسن ظاظا. صورة المقالة، "سليمان يبني المعبد" من متحف الفنون في سان فرنسيسكو (من رسم سيستو بادالوتشيو، عام 1607م)

محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

التعليقات

المقال التالي