محمد محسن يبتعد عن الثورة السياسية ليعتنق ثورة أخرى: الرومانسية

محمد محسن يبتعد عن الثورة السياسية ليعتنق ثورة أخرى: الرومانسية

في فيلّا صغيرة وسط ضاحية المعادي الأرستقراطية، جنوب القاهرة، كان عشرات الشباب يرتدون تيشرتات سوداء يتصدرها شعار "كن مع الثورة" ممهوراً باللون الأحمر. اصطفوا وهم يمررون الوقت بلف سجائر التبغ، انتظاراً لصعود ابن جيلهم على خشبة بيت الرصيف.

كانت سحابة كئيبة تغطي سماء القاهرة في نهاية أكتوير 2013، إذ دخلت العاصمة في حالة طوارئ غيّرت إيقاع الحياة، عقب فض اعتصام الإسلاميين في ميدان رابعة العدوية، وسط توقعات بانعكاس ذلك على النشاط الفني المستقل حينذاك.

محمد-محسن-

بدا شغف الحاضرين بسماع محمد محسن في تلك الليلة، دليلاً ملموساً على الكيمياء التي صنعها هذا الثلاثيني في جيل يناير. فقد كان صوته يقطع سكون المنطقة الهادئة بأغانٍ حماسية للشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، خاتماً بأغنية حديثة العهد حينذاك "بندعيلكم"، التي ذاع صيتها في ما بعد.

بعد ذلك ببضعة أشهر أغلق بيت الرصيف، وأوقفت الدولة فعاليات الفن ميدان الشهرية في ساحة عابدين، بينما انطلق قطار محسن الفني متكئاً على رصيده لدى قطاع كبير من مجتمع الثورة.

خلع رداء "مطرب الثورة"

بينما تقف ذاكرة أبناء تيار التغيير في مصر عند "أيام 25 يناير" بمساراتها المجنونة وفنها الذي يشبهها، يسعى محسن (31 عاماً) إلى عبور هذه المرحلة، وخلع رداء "مطرب الثورة"، اللقب الذي يرافقه كظله، من خلال ألبومه الجديد "حبايب زمان"، المؤلف من 11 أغنية اجتماعية ورومانسية.

"أنفقت 3 سنوات لأداء 25 أغنية، لأنني أشتغل الأغاني كصائغ شاطر في خان الخليلي"، يتحدث محسن، في مقابلة مع رصيف22، عن الفترة الطويلة الفاصلة بين ألبومه الأول "اللف في شوارعك"، الصادر في 2012، و"حبايب زمان".

يضيف: "أعطي للعمل حقه وأفكر ملياً في اختياراتي بين الموضوع والذوق الفني والمؤلفين كي لا أندم علي أي عمل فني بعد مرور الوقت".

"اللف في شوارعك" كان عنواناً ملائماً للمرحلة التي صدر فيها، فجابت أقدامنا الميادين والأزقة بحثاً عن متنفس للحرية، أما في "حبايب زمان" فرسائله تبدو مختلفة. يقول محسن: "هدفي دائماً تذوق الفن والاستمتاع بما أقدمه، واعتمادي على كتيبة من المؤلفين الأفذاذ واختيار الألحان في شريطي هي رسالة بأن مصر لديها من يقدم الفن الحلو".

11921776_903400573028589_4632873478506404622_o

"إنتاج أغنية حلوة هو تماماً مثل السيدة التي تطهو جيداً كي تنال إعجاب المتذوقين، وأنا أتعامل مع الأغاني كما يتعامل الأب مع أبنائه من حيث الرعاية والاهتمام "، يضيف محسن.

التعاون

في الألبوم الجديد، الذي انضم إلى قائمة أكثر الأغاني استماعاً على "اليوتيوب"، يتحول محسن من اللون الكلاسيكي المعروف عنه إلى البوب، من خلال التعامل مع مؤلفين وملحنين كثر، بينهم عمرو مصطفى، أشهر ملحني الوطن العربي في الوقت الحالي، الذي ارتبط اسمه أيضاً بدعم الرئيس الأسبق حسني مبارك.

أقوال جاهزة

شارك غرد"الجمهور حر في تصنيفي كمطرب نخبوي... ولم أكن يوما مطربا سياسيا"

شارك غرد"أستمتع بصوتي قبل جمهوري... ولست أسيرا لفن الثورة"

وجاء تعاون محسن "ابن الثورة" ومصطفى "الفلول" في أغنية "أصيلة يا بنت"، ليرسخ صورة لافتة عن التغيير الذي طرأ على اختياراته. لكنه يرى عكس ذلك: "عملت مع عمرو مصطفى لأنه من أفضل الملحنين في مصر، أغانيه تعلق في الأذهان، وهدفنا تقديم أغانٍ جيدة، الفن جمعنا بعيداً عن اختلافات سياسية سابقة، سواء كنت أنا في معسكر الثورة وهو من مؤيدي مبارك، والناس أشادت بعملنا المشترك هذا".

ربما يرى محسن أن المناخ الحالي في مصر يسمح بالتعاون مع عمرو مصطفى، بعكس أي وقت مضى حينما كان الاستقطاب هو سيد الموقف، إلا أنه موقف يعكس فلسفته التي لا تُخطئها العين في الهروب من تصنيفه كمطرب سياسي فقط، يحيي التراث ويغني من أجل الثورة والشهداء، كما عُرف.

Mohammad_mohsen

غير أنه ما زال مديناً لميدان التحرير، يقول: "لا أنكر أنني كنت محظوظاً بالغناء أمام مليون شخص في ميدان التحرير خلال الـ18 يوماً في بدايات الثورة المصرية".

تجاوز فن الثورة

ينتقل محسن للحديث عن ربط اسمه بفن الثورة دائماً واللون الكلاسيكي طوال الوقت، فيقول: "يجب أن لا أكون أسيراً لفن الثورة طوال الوقت، فعندما كانت هناك ثورة شاركت فيها وغنيت لها وجبت ميادينها ومراكزها دعماً لها، لكن الزمن لم يتوقف عند ثورة 25 يناير... لا أريد تجاوز الثورة نفسها إنما فنها".

يستشهد محسن بتجربة ملهمه فنان الشعب سيد درويش في توضيح ذلك: "درويش صنع ثورته الفنية في 6 سنوات فقط، كان جزءاً من حالة الزخم الشعبي الموجه ضد مقاومة الاحتلال البريطاني إبان ثورة 1919، وكانت له أعمال فنية بعيدة عن الأغاني الوطنية والاجتماعية، مثل أنا هويت".

فكما حدث للثورة تطورات وتحولات دراماتيكية في ومساراتها ومآلاتها، يريد محسن أن يمر بالتحولات نفسها... ولمّ لا؟ يوضح: "في "حبايب زمان" مررت بهذه التجربة فحدثت تغييرات على صعيد اختياراتي الفنية وقرارتي الأسرية، في الألبوم أغني لزوجتي الفنانة هبة مجدي، وأرسل تليغرافاً لوالدي المتوفي، هذه كلها أيضاً تجربة إنسانية متكاملة".

وبدا جلياً من النقلة الفنية في "حبايب زمان" تخليه نسبياً عن الكلاسيكية المعتادة في معظم أعماله، وهذا ما وصفه المتابعون بأنه "تغيير جلد". ويعلق محسن على ذلك: "التراث ليس مرحلة وانتهت، أقدم هذا الفن بطريقتي الخاصة، فكلما رأيت أن هناك أغاني قديمة تستحق التجديد سأفعل ذلك".

12036484_1028878330480812_1553360923526758377_n

ويضيف: "لدي مشروعي الخاص برغم ارتباطي بكل عظماء الفن الكلاسكيين مثل سيد درويش ومحمد عبدالوهاب ومحمد فوزي، فأنا أشبه نفسي، وهذا ما أحاول إثباته طوال الوقت".

يرفض الفنان الشاب أن يدحض آراء وتصنيفات الجمهور له كمطرب نخبوي، ويقول: "الجمهور صنفني مطرباً للمثقفين أو النخبة، وأحياناً مطرب التراث، وهو حر في ألقابه وتصنيفاته".

يهدف محسن أيضاً إلى تأسيس قاعدة جماهيرية متنوعة، لذا يرى أن "حبايب زمان" جذب جمهوراً جديداً من خلال الأغاني السريعة، بالإضافة إلى الحفاظ على جمهوره التقليدي الذي لا يزال يريد سماع لونه الراسخ عنده، وهو ما تحقق في أغنية "تليغراف".

"تليغراف"هي التعاون الوحيد في الألبوم بين محمد محسن ورفيق مشواره الشاعر مصطفى إبراهيم، اللذين أنجزا معاً أعمالاً متشابهة منها "اللف في شوارعك"، "بندعيلكم"، "من زمان جداً"، ثلاثية شهيرة صنعت حالةً خاصة، لذا كان السؤال لماذا لم يستعن محسن برفيقه إلا في أغنية وحيدة؟ يجيب: "مصطفى إبراهيم صديق عمري وهو الامتداد الطبيعي لبيرم التونسي وأحمد فؤاد نجم والأبنودي وسيد حجاب، لحنت عملاً واحداً في تليغراف لحبي من كلمات مصطفى، والمستمع سيشعر بعلاقتنا القوية من خلال أغاني اللف في شوارعك وبندعيلكم ومن زمان جداً".

آه لو لعبت يا زهر

بعد تحرر محسن من عباءة الكلاسيكية لن نُفاجأ إذا وجدناه يطربنا بمواويل شعبية، وهذا ما يكشفه في هذه المحطة: "أحب سماع الأغاني الشعبية، ومصر لها تاريخ في هذا الفن مع محمد العزبي ومحمد رشدي وأحمد عدوية وحسن الأسمر وحكيم" ويضيف: "بحب آه لو لعبت يا زهر لأحمد شيبة وومكن أغنيها، آه يا دنيا للمطربة بوسي، وارد جداً أجرب نفسي في الشعبي.. توقعوا غنائي في أي منطقة فنية".

لدى محمد محسن رؤية خاصة في مستقبل فن الآندرجراوند في مصر، خصوصاً أن فنه تمخض في هذه الأجواء قبل ثورة 25 يناير، فيقول إنه انتشر بسبب احتكار النجوم الكبار للسوق وغياب عدالة التوزيع والانتشار الإعلامي، لكن حالما يحصلون على الفرصة لا يصبحون آندرجرواند، فهو الآن يصدر ألبومه الثاني وفريق كايروكي يواصل نجاحه في التوقيت نفسه.

الغناء أولاً

رغم خوضه تجربتين في التمثيل، الأولى في مسلسل "زي الورد"، والثانية مستمرة حتى الآن على خشبة المسرح مع الفنان الكبير يحيى الفخراني في "ليلة من ألف ليلة وليلة"، لا يعدّ محسن التمثيل من أولوياته حتى الآن. ويختم: "المسرح هو جامعة خاصة مجانية لتعلم التمثيل، لكن الغناء أولوية لي والتمثيل سيكون حسب الأدوار التي تُعرض عليّ".

كلمات مفتاحية
ثورة موسيقى

التعليقات

المقال التالي