عندما طلبت مصر من شبابها الزواج، واشترطته في معادلة الرجولة = الوطنية

عندما طلبت مصر من شبابها الزواج، واشترطته في معادلة الرجولة = الوطنية

يقول الشاعر المصري المعروف علي محمود طه (1902 -1949) في قصيدته "الملاح التائه":
أيها الأحياء غنّوا واطربوا وانهبوا من غفلات الدهر ساعا
آه ما أروعها من ليلة فاض في أرجائها السحر، وشاعا
نفخ الحب بها من روحه ورمى عن سرها الخافي القناعا

للوهلة الأولى قد لا تبدو دعوة هذه الأبيات غريبة، ولا استثنائية، فالشعراء منذ الجاهلية، وحتى يومنا هذا يدعون بصورة عامة لرؤية الحياة بعيون جديدة بعيداً عن قيود المجتمع والدين والعقائد، وللفرح والاستمتاع بالملذات أينما وجدناها.

ليس في ثقافتنا العربية بحسب، فمن منّا لم يسمع بتعبير Carpe diem، الذي يدعونا أن "ننتهز اليوم" (وأن نسعد ولا تكترث بالمستقبل)، وهو مقطع من بيت للشاعر الروماني هوراس، من القرن الأول الميلادي، أصبحت شعاراً في كامل حضارات العالم اليوم.

فما الذي استدعى وقوفنا عند هذه الأبيات هنا ونحن نتناول "قضية" حض بعض مفكري مصر وكتابها وساستها الشباب على الزواج؟

إنها تأخذنا إلى مصر في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، وتدخلنا دون أن ندري في شبكة من القصص والأحداث والعلاقات التي تربط الحب والحريات والحقوق بالسياسة والاقتصاد في العالم، وليس في مصر وحدها، وتربط على نحو حميمي عميق الحياة الفردية بمفهوم الوطنية كما قدمته الثقافة المصرية في مرحلة من أخطر المراحل التي مرت بها في القرن العشرين.

عندما كانت مصر "تائهة"

وعلى الرغم من أن الأدب يحمل فرادة الكاتب، وطعم تجربته الفردية الخاصة إلا أنه ينطوي دائماً على دلالات وإشارات ذات صلة مع صلب الواقع الذي ينشأ فيه.

فجمالية عنوان ديوان علي محمود طه الرومانسية، "الملاح التائه" تشير في دلالتها الأكثر عمقاً إلى حالة مصر في تلك الفترة. فقد كانت تائهة على أكثر من صعيد، على رأسها اختيار الهوية بين الفرعونية والعروبة والدين، وعلاوة على ذلك كله الأزمة الاقتصادية الهائلة التي اكتسحت العالم كله المعروفة باسم "الكساد الكبير" الذي ضرب العالم منذ بداية عام 1929.

فبعد انهيار الإمبراطورية العثمانية أصبح الحكم ملكياً في مصر، وكانت البلاد تمر في مرحلة حسم قضية انتمائها، وكما أسلفنا، هل تعتمد الفرعونية، أم العروبة أم الإسلام، أم صيغة مصرية خاصة في ترسيم حدود كيانها؟

أقوال جاهزة

شارك غردكيف تكرس الحكومة صورة تقليدية لـ"الرجولة" وتضحي بحرياتنا الشخصية في خدمة الاقتصاد والجيش

شارك غردما علاقة حياتنا الجنسية وخياراتنا في الحب باقتصاد العالم وبمفهوم الهوية الوطنية؟

عصفت الأزمة الاقتصادية بالطبقة الوسطى في مصر، وزاد من حدتها حالة الفوضى والانقسام حول مسألة الهوية، وأدت الأزمة الاقتصادية الخانقة إلى التخم المالي، وارتفاع نسبة البطالة بشكل مخيف، حيث وجد الشباب أنفسهم في وضع لا يستطيعون معه تحمل أعباء الزواج ومسؤولياته الاقتصادية من مهر وعرس وإيجاد مصدر دخل لإعالة الأسرة وغيرها، ونتيجة لذلك كله أصبح الزواج مشروعاً مكلفاً يصعب تحقيقه.

عرفت تلك الفترة فيما بعد بـ "أزمة الزواج"، ولكنها لم تكن الأزمة الأخيرة للزواج في مصر.

كيف تُفشل الملذات الشخصية اقتصاد البلاد

من اللافت للانتباه هنا هو أن الأزمة الاقتصادية العالمية بتأثيرها على مصر ساهمت في تغيير النظرة التقليدية للزواج، إذ بدأت تظهر موجة أفكار جديدة تؤيد العزوبية، وتدعو للانغماس في ملذات الحياة كما مثلتها أبيات علي محمود طه التي أوردناها في البداية، ناهيك عن انتشار الكثير من الأغاني التي تمجد علناً الملذات الجنسية بصورة خاصة، كما وجد الشباب فرصة في القيم الليبيرالية الجديدة ما يخرجهم من التقاليد الموروثة، ويفتح أمامهم آفاقاً لنظرة جديدة للحياة.

لعلّ أغاني بديعة مصابني تجسد روح هذه الفترة، كأغنتيها المدلعة "في الظلمة" التي تتغنى بـ"اللعب والمرح" ليلاً، وأغنية "يا حسن، أدلعك وأشخعلك" التي تتحدث كلماتها عن امرأة تتغزل برجل، يشارك غيرها بمشاعره ووصاله.

ولكن كما كانت الأزمة الاقتصادية سبباً في انفتاح التفكير، وظهور قيم ليبرالية فإنها كانت السبب الأكثر أهمية في محاربة القيم الجديدة، وقمع انتشارها، والحد من تأثيرها، فقد كانت فكرة وجود جيل من الشباب لا يقتنعون بفكرة الزواج أمراً مخيفاً للحكومة ولمؤسسات الدولة، والقيمين على التقاليد والقيم المحافظة، على اعتبار أن غياب الأسرة يعني انهيار الاقتصاد، وتقليل عدد السكان، واضعاف المكانة العسكرية، ثم لن تستطيع الدولة تنظيم العلاقات الاجتماعية في ظل غياب الأسرة كوحدة اجتماعية مؤسسة أولى.

الشاب الأعزب متهم بأنه "أرملة الحكومة"

شارك العديد من مفكري مصر وكتابه في مناقشة مشكلة العزوبية، نختار منهم هنا مثالاً هو الكاتب المعروف مصطفى صادق الرافعي (1880 - 1937)، فقد كتب سلسلة من المقالات في مجلة "الرسالة"، تناول فيها الحب والعلاقات الجنسية والزواج، فيقول في إحدى مقالاته على لسان شاب يمثل نزعة العزوبية: "لا قبل لي بهذا التعب المضني الذي يسمونه الزواج"، وقبل هنا بمعنى رغبة.

كان موقف الرافعي واضحاً ومفصلاً في موضع الزواج فهو يؤيده ويدعو الشباب للإقبال عليه على حساب الحريات الشخصية، كما أنه يستعين بقصص التراث والدين وغيرها لدعم وجهة نظره، ففي الجزء الأول من كتابه من وحي القلم يتكلم عن فساد الدهر بسبب التمسك بالمهر، ويقول في إدانة الجانب المادي من الزواج: "والحجران: الذهب والفضة قد يكون شعاعهما في هذه الدنيا أضوأ من شمسها وقمرها، ولكنهما في نور النفس المؤمن كحصاتين يأخهما من تحت قدميه".

لقد اخترنا الرافعي عمداً لأنه يربط على نحو صريح مباشر الزواج بالوطنية، فيكتب:

"الزواج في معناه الإنساني الاجتماعي هو الشكل الآخر للاقتراع العسكري، كلاهما واجب حتم لا يُعتذر منه إلا بأعذار معينة، وما عداها فجبن وسقوط وانخذال ولعنة على الرجولة".

وفي هجوم شرس على العزوبية، يصف الرافعي الرجل الأعزب بأنه "أرملة الحكومة"، ويشرح ذلك: "هو ذلك الشاب الزائف المبهرج، يُحسَب في الرجال كذباً وزوراً؛ إذ لا تكمل الرجولة بتكوينها حتى تكمل بمعاني تكوينها, وأخص هذه المعاني إنشاء الأسرة والقيام عليها".

في هذه الظروف المفصلية من تاريخ مصر، لجأت الدولة إلى مفهوم الرجولة نفسه، وكرست معادلة تربط الزواج بمهمة وطنية عليا تلزم الشباب به بذرائع "الوطنية". فكانت مصر تقول لشبابها: لكي تكون رجلاً بكل معنى الكلمة عليك أن تكون متزوجاً تؤمّن العيش لزوجتك ولأسرتك، وعندها فقط تثبت رجولتك وأهليتك بأن تكون وطنياً تتفانى في خدمة بلدك.

في كتابها “على الحلوة والمرة: أزمة الزواج التي أسست مصر الحديثة”، تدرس حنان خلوصي كتابات الرافعي، وتقول أنّ محاربة الأزمة الاقتصادية والتغيير الاجتماعي الذي جعلته ممكناً جاء عن طريق مفهوم الوطنية الذي قدمته مصر مفصلاً على قياس نمط وشكل محدد من "الرجولية"، حتّمت بأنها لا تكتمل بدون الزواج وبذلك، كما تقول خلوصي، غدت الهوية الوطنية نفسها متكئة على فكرة الزواج، وفي ربطهما، حاولت الدولة في تخفيف وطأة الأزمة الاقتصادية.

توضح خلوصي أن "فشل" العديد من الشباب بالالتزام بالزواج، وانتشار العزوبية أصبح في نظر الشعب المصري، وقتها، منظوراً استخدم لتفسير كل "مشاكل" مصر: بداية بالسيطرة البريطانية، واقبال الفتيات على المدارس والجامعات، وقلة فرص العمل، وبشكل أعم، الانتفاح الاجتماعي التي شهدته البلاد.

في ظل أزمة اقتصادية خانقة، وجد شباب مصر وشاباتها مساحة من الحرية والانفتاح، وانتشرت قيم جديدة للحب والعزوبية والحريات الشخصية.

بعد عقدين من الأزمة، ومع نهاية الملكية في مصر عام 1952، استعادت البلاد توازنها الاقتصادي وترافق ذلك مع توجه واضح تحت حكم عبد الناصر لهوية عربية صريحة لمصر، ومعها انتهت أزمة الزواج، وتلاشت تدريجياً معايير الوطنية التي تشكلت في ظلها ليحل محلها أنماط جديدة، حيث عادت فكرة العزوبية في الأدب والفن، تكتسب مكانتها بجانب الزواج، وعلى سبيل المثال بعض أفلام عبد الحليم وأغانيه بالإضافة إلى الكثير غيرها.

في هذه المعادلات التي تتشابك فيها قصص الحب والحياة الشخصية مع السياسة والاقتصاد، نكتشف أكثر من فكرة: فمفاهيم الوطينة والهوية ليست ثابتة محفورة بالصخر، بل هي صيغة تتغير ألوانها وأشكالها بما يخدم الدولة ومصالحها؛ وفكرة الزواج، بأبعادها الدينية والاجتماعية، استخدمت من قبل الدولة كأداة للسيطرة والتنظيم؛ وأخيراً، ندرك بأنّ خياراتنا الشخصية في الحب والعزوبية والزواج سواء تدخلت بها الدولة بشكل مباشر أم لا، تحدد قيم المجتمع والاقتصاد والتغيير ومساحة الحريات لبقية أفراد المجتمع.

داني سقّا وياسمين سلام طالبان جامعيان في جامعة جورجتاون مهتمان بالصحافة العربية

التعليقات

المقال التالي