عندما خلعت مصر ثوب العروبة والعثمانية لِبُرهة... وأحيت هويتها "الفرعونية"

عندما خلعت مصر ثوب العروبة والعثمانية لِبُرهة... وأحيت هويتها "الفرعونية"

"لنصوب مدافعنا نحو وادي الملوك! فليحيى الوزير توت عنخ آمون!"

لم يكد ينتهي رئيس الوزراء المصري سعد زغلول من كلمته التي أكد فيها على حق الأمة المصرية في الحفاظ على تراثها، حتى قام الحضور بالهتاف له والتصفيق الحار.

instead صورة لمؤسسي حزب الوفد: سعد باشا زغلول ومصطفي باشا النحاس

كان النزاع على أشده بين زعيم حزب الوفد، سعد زغلول وبين مكتشف مقبرة الملك توت عنخ آمون، هوارد كارتر، والذي أغلقها بسبب الخلاف على أحقية إدارة كنوز الملك المصري، وأعلن زغلول خلال مؤتمر عُقِد في فندق سميراميس عام 1924، أن الحكومة المصرية لن تسمح بإغلاق المقبرة.

لم يكن هذا الحدث بمعزل عن الحياة السياسية والثقافية في مصر خلال عشرينيات القرن الماضي، حيث عاشت مصر ما يمكن أن نطلق عليه حالة من "البحث عن الذات"، خصوصاً عقب انهيار الإمبراطورية العثمانية، وانقسام الساسة بين ثلاث مفارق: الهوية العربية والهوية الإسلامية والهوية المصرية والتي كانت تعني في ذلك الوقت الرجوع للهوية الفرعونية.

وكان من أبرز من طرح هذه الأسئلة، هي مجموعة من النخبة الليبرالية يترأسهم المفكر أحمد لفطي السيد، والسياسي المصري سعد زغلول، اللذان انخرطا في معارك سياسية شرسة مع الاحتلال البريطاني، مما أدى إلى نفي زغلول لجزيرة مالطة، الأمر الذي أشعل الوضع العام في مصر منذراً باندلاع ثورة 1919.

رغم فشل الثروة إلا أنه مع تزايد الضغوط، أعلنت بريطانيا في فبراير 1922، أن مصر دولة مستقلة ذات سيادة، وهنا قرر السلطان فؤاد تحويل لقبه إلى الملك فؤاد، وفي 1923 سمحت بريطانيا بكتابة دستور مصري وبتمرير قانون يسمح بإجراء الانتخابات البرلمانية.

كان للتطورات السياسية الجديدة تأثير على امتيازات البعثات الأثرية المتواجدة في مصر، وأبرزها بعثة عالم الأثار البريطاني هوارد كارتر الذي اكتشف مقبرة الملك توت عنخ آمون في عام 1923، إحدى أهم الاكتشافات الأثرية على الإطلاق.

ومع حصول حزب الوفد بقيادة سعد زغلول على الأغلبية البرلمانية في 1924، تم وضع قيود على امتيازات وحقوق المنقبين الأثريين بما في ذلك المقبرة الملكية التي اكتشفها كارتر، وتأكيداً على حق الأمة المصرية بالاحتفاظ بالاكتشافات الأثرية داخل الأراض المصرية واعتبارها ملكاً للدولة، إذ كان من حق المكتشف سابقاً اقتسام الاكتشاف مع الحكومة المصرية، إلا أن هذا ما تغير في حالة مقبرة توت عنخ آمون.

82148334e0 هوارد كارتر، مكتشف مقبرة توت عنخ آمون

يقول إليوت كولا، بروفيسور الأدب العربي في جامعة جورجتاون الأمريكية، في كتابه Conflicted Antiquities: Egyptian Modernity، "إن توت عنخ آمون أصبح أيقونة للاستقلال الوطني. الساسة المصريون وخصوصاً الوفديون مثل مرقص حنا وسعد زغلول بدأوا بربط أنفسهم بالملك المصري، مطلقين دعوات لعامة الناس لزيارة المقبرة، كان هذا لتأكيد حق مصر الجديد في السيادة على المواقع الأثرية في البلاد".

أقوال جاهزة

شارك غردعندما كانت مصر بين ثلاث مفارق: الهوية العربية والهوية الإسلامية والهوية المصرية

شارك غردفي وقت كانت تحكم فيه مصر فعلياً من قبل الأجانب، كيف أصبح توت عنخ آمون أيقونة للاستقلال الوطني

ساهمت الآثار بدورٍ كبير في التعبير عن الاختلاف الأساسي بين المصريين والأوروبيين داخل مصر المحتلة، كذلك ساهمت أيضاً بكونها مواد تاريخية ملموسة في التأكيد على هوية وتاريخ المصريين، وكان للآثار المذهلة للملك توت عنخ آمون الدور الأكبر في تقدير مصر القديمة وربطها بالحياة السياسية والثقافية الحديثة.

هذه الاكتشافات الأثرية دفعت المصريين بدورهم للادعاء بأنهم أحفاد هذه الحضارة، وأنهم من يجب عليهم العناية بمقبرة الملك، وبقية الآثار، كما يقول كولا في كتابه: "إن المناقشات حول أحقية المصريين في إدارة موقع توت عنخ آمون كانت مماثلة لتلك التي تتعلق بحق حكم المصريين لأنفسهم".

علاوة على ذلك، فإن النظرة الفرعونية إلى الماضي تلاقت مع الأفكار والشعارات المركزية لحركة التحرر الوطني التي قادها زعيم حزب الوفد، سعد زغلول، والتي كانت تتميز بأنها إقليمية غير طائفية، بعكس أنصار العثمانية والعربية والأيديولوجية الإسلامية.

يقول كولا، إن الثقافة "الفرعونية" هُمِّشت نسبياً خلال ثورة 1919 المصرية، لكن لم يمرّ وقت كثير حتى تغيّر الوضع وأصبحت ذا مكانة هامة عند الزعماء الوطنيين لاحقاً، على اعتبار أن السيادة شيء قديم خاص بمصر، إذ امتلكت مصر روح وطنية خالدة لها الحق في أن تولد مجدداً والتعبير عن نفسها بعد انقطاع دام لمئات السنين، فالهوية الوطنية المصرية تعدت الفوارق الطبقية والدينية والإقليمية بين المصريين الحديثين، هذه الأفكار تصادفت مع طموحات ومطالب الوطنيين المصريين خلال عشرينيات القرن الماضي.

إن تأثير اكتشاف مقبرة الملك توت تعدّى حدود علم المصريات ليصل إلى الثقافة السياسية وحتى اليومية في مصر، بداية من المعمار وحتى الأدب، ومن الإجراءات السياسية وصولاً إلى مفاوضات النخبة البرلمانية المصرية مع الاحتلال البريطاني حول مسألة السيادة الوطنية.

"الفرعونية" كهوية ثقافية

كل ما سبق ساهم في بلورة هذه الهوية الآخذة في التشكل متجسدةً في الكتب والصحف المصرية آنذاك، وكانت بداية استعارة الأنماط والأيقونات الفرعونية على يد مجلة "المقتطف" التي تأسست عام 1876، وقد تم استخدام هذه الأيقونات لاحقاً في الأماكن العامة، بداية من طوابع البريد والعملة إلى المعمار.

ويذكر أن الجريدة الرسمية "الوقائع المصرية" التي أسسها الطحاوي في 1829، استخدمت صورة الأهرامات كشعار، ثم لتصبح الأهرامات لاحقاً الشعار الرئيسي لجريدة الأهرام في سبعينيات القرن الـ19، والتي أسسها الصحفي السوري المسيحي بشارة تقلا، لكن رغم ذلك فإن التأثير الفرعوني على المطبوعات المصرية ظل محدوداً حتى نهاية القرن الـ19.

وبداية من 1910، بدأت الصحف العربية بمصر في تبني الأيقونات والأنماط الفرعونية في مطبوعاتها، وكان الأقباط أصحاب الدور الرئيسي في هذا التطور، فأصدروا جرائد قصيرة العمر، مثل "رمسيس" و"فرعون" و"أبو الهول" و"عين شمس"، والتي اعتبرت ممثلاً ثقافياً عن التوجه العلماني والقبطي.

لكن عقب اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون عام 1922، بدأت الأيقونات الفرعونية في الانتشار في الصحف والثقافة المصرية بشكل غير مسبوق، بعد قيام بعض الساسة المصريين من أبرزهم أحمد لطفي السيد، باستغلال الاكتشاف وتوجيهه بما يصب في صالح عملية الاستقلال الوطني، وكان ضمن أبرز هذه المطبوعات التي لم يطل عمر معظمها صحيفة "كليوباترا"، التي ظهر في عددها الثاني صورة سعد زغلول محاطاً بنقوش فرعونية.

Untitled

ورغم اعتبار بعض الأنماط المستخدمة سطحية ليس لها غرض ظاهري غير التزيين، إلا أن الرسالة المبطنة كانت ربط الماضي بالحاضر من خلال استخدام الأيقونات الفرعونية المعبرة عن السيادة المصرية، في وقت كانت تحكم مصر فعلياً من خلال الأجانب.

يقول كولا في كتابه، "ليس مستغرباً ذلك الربط بين اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون في عام 1922 وتحول لقب السلطان إلى ملك مصر في نفس العام، ذلك التحول الذي لم يحدث منذ العصور القديمة، لقد كان الملك توت عنخ آمون رمزاً مهماً للسيادة الملكية في هذا الوقت".

ويبين الأديب محمد حسين حسين في كتابه "الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر"، ملامح الحياة العامة في تلك الفترة قائلاً:

"أطلت النزعة الفرعونية برأسها، بعد أن كانت لا تظهر إلا مقنعة أو من خلف ستار وانتهز دعاتها هذه الفرصة، وملؤوا أبصار قارئي الصحف، وأسماع شاهدي الندوات بالدعاية لها، ورسموا رأس أبي الهول على طوابع البريد وعلى أوراق النقد، واتخذه النحات محمود مختار شعاراً لتمثال نهضة مصر، واتخذت كل كلية من كليات الجامعة شعاراً لها يمثل وثناً من معبودات الفراعنة، ونقل رفت سعد زغلول بعد وفاته بثلاث سنوات إلى ضريح بني على طراز فرعوني، وشاع هذ الطابع الفرعوني في كثير من أبنية الحكومة وأوراقها الرسمية وفي الزخرفة والنقش".

مدرسة الفكر الوطني المصري

ظهر في عشرينيات القرن الماضي، دعوات لأن تكون مصر القديمة هي أساس الأدب والفن الحديث، والتي أطلق عليها السفير الراحل والمتحدث باسم الرئيس السادات، مرسي سعد الدين، "مدرسة الفكر الوطني القطري المصري".

وكان من ضمن أبرز الرواد في هذا المضمار هو الكاتب والمحامي محمد حسين هيكل، والذي كان يرأس صحيفة "السياسة الأسبوعية"، وأصبح هيكل لاحقاً وزيراً للتعليم في الفترة ما بين 1930 و1940.

نادى هيكل بقوة بعودة "الفرعونية" إلى السياسة والأدب، وفي خطوة اعتبرت جريئة حينها، وضع هيكل صورة "تحوت"، إله الحكمة عند قدماء المصريين، بالإضافة إلى رمز الشمس المجنحة الذي وضع على الصفحة الأولى من الجريدة، ومنذ تلك اللحظة أصبحت "السياسة الأسبوعية" هي المنصة الأهم في خدمة فكرة إحياء الفرعونية.

16354281645_8e918657c9_b

ويذكر حسين في كتابه، جزء من مقالة لهيكل قال فيها:

"إن ما يتوهمه بعض الناس من أن تغير الدين في مصر من الوثنية إلى المسيحية ثم الإسلام، وتغير اللغة فيها من الهيروغليفية إلى العربية، قد قطع ما بين مصر الحديثة وبين مصر القديمة من صلات، ليس إلا وهماً من الأوهام وأن الحقيقة العميقة هي أن هذه الصلة قائمة لا شك فيها بيننا وبين أجدادنا الفراعنة... ولئن تهدمت الحدود الدولية وفنيت العاطفة الوطنية، فسيبقى أبداً هذا الاتصال النفسي الوثيق الذي يجعل من مصر وحدة تاريخية أزلية خالدة.. فمن حق المصريين ومن الواجب عليهم أن يستثيروا دفائن الفراعنة جميعاً، وأن يربطوا حاضرهم وماضيهم رباطاً ظاهراً لكل عين."

كما دعا هيكل إلى أن تقوم النهضة على بعث المجد الفرعوني القديم، مثلما قامت النهضة الأوروبية الحديثة على بعث المجد اليوناني والروماني، وذلك بالبحث عن موضع الاتصال بين مصر القديمة والحديثة في ميادين الأدب وكتب العقائد وطقوس العبادة.

يقول حسين في كتابه، "ثم لم تلبث الصحيفة أن نشرت بياناً تحت عنوان "دعوة إلى خلق الأدب القومي"، عليه توقيع جماعة من شباب الأدباء، يدعون فيه إلى خلق أدب محلي يتميز بالطابع المصري، محاولين تكوين مدرسة أدبية جديدة".

وتتلخص أهداف هذه الدعوة بحسب مقال للكاتب محمد زكي عبد القادر الذي نشر في السياسة الأسبوعية، "الأدب المصري الذي نعنيه إنما هو أدب محلي يصور الحياة المصرية والقومية المصرية وحدهما، فلا نعني به أدباً شرقياً يتناول حياة الشرق العربي أو البلاد الشقيقة المجاورة".

بل نادى الكاتب محمد أمين حسونة في إحدى مقالاته بـ "ضرورة خلق أدب قومي يكون مستقلاً عن آداب الشعوب الشرقية الناطقة بالضاد.. إنّ أول ما يجب أن نولي وجوهنا شطره هو الأدب الفرعوني... إنّ الشرق ينظر إلى مصر نظرة إعجاب وإجلال... فيجب أن نكون القدوة الحسنة لهذه الشعوب في استقلالنا بأدبنا وإنتاج أفكارنا.. إنا في انتظار جارتنا الشقيقات".

وفي مقال آخر للكاتب محمد عبد العنان قال فيها: "المصرية تراث قومي أصيل لمصر وليست فكرة ولا دعوة جديدة.. ولكن فهم القومية المصرية على هذا النحو لا يروق للبعض.. فهم يأخذون على مصر أنها تغلو في مصريتها، ويقولون إنها تخرج بذلك من حظيرة الأمم العربية مع أنها ليست إلا واحدة منها".

ويضيف "من الخطأ أن تنظم مصر في سلك البلد العربية إذا تعلق الأمر بالناحية القومية... وقد وجدت الأمة المصرية منذ أقدم عصور التاريخ واقترن اسمها بحضارة من أقدم وأمجد الحضارات. ولم تفقد الأمة خواص الوحدة والتجانس منذ أيام الفراعنة. أعني منذ آلاف السنين"

وجاء أيضاً في إحدى مقالاته ، "ومع هذا الاندماج السياسي التام، فإن مصر لم تكن عربية قط، وإنما كانت إلى جانب شقيقاتها العربيات تحتفظ دائماً بمصريتها القومية العميقة".

يردف حسين في كتابه قائلاً، "وأعان على هذه الدعوة الانفصالية التي تتخذ الفرعونية رمزاً لها، ومذهباً في مصر، اكتشاف قبر توت عنخ آمون، وانشغال الناس بتتبع ما كانت تنشره الصحف... وبلغ من اشتغال الرأي العام بتوت عنخ آمون أن شوقي كتب فيه وحده 4 قصائد، نشر القصيدة الأولى وهي أشهرها وأكثرها ذيوعاً عند اكتشاف المقبرة".

وتقول قصيدة شوقي والذي مجد في مطلعها التاريخ الفرعوني مشيراً أيضاً إلى الخلاف بين الحكومة واللورد كارنرفون صاحب امتياز الحفر، حول أحقية الحكومة على الإشراف على المقبرة:

قفي يا أخت ( يوشع ) خبّرينا .. أحاديث القرون الغابرينا

رأيت تنكراً وسمعت عتباً .. فعذراً للغضاب المحنقينا

أبوتنا وأعظمهم تراث .. نحاذر أن يؤول لآخرينا

لم يكن شوقي هو الوحيد الذي سار على نفس المنوال، بل كان معه حافظ إبراهيم الذي تملكته النزعة الفرعونية، ففاخر بالفراعنة كل حضارة قديمة بما فيها العربية، قائلاً:

أنا أم التشريع قد أخذ الرو .. مان عني الأصول من كل حد

ورصدت النجوم منذ أضاءت .. في سماء الدجى فأحكمت رصدي

وشدا (ينتكور) فوق ربوعي .. قبل عهد (اليونان) أو عهد (نجد)

يقول حسين إن دعوة إحياء الفرعونية تدعو جمع المصريين إلى الاهتمام بشؤون وطنهم، وترى هذه الدعوة أن جامعة الوجود المكاني التي تربط بين من يعيشون على هذه الأرض اليوم وبين من عاشوا عليها منذ آلاف السنين هي أقوى وأحق بالرعاية من الجامعة الزمنية التي تربط بينهم وبين أبناء جيلهم ممن يعيشون في غير مصر، وهي أقوى من الروحية التي تربط بينهم وبين أبناء دينهم، بل ومن الجامعة العقلية والثقافية التي تربط بينهم وبين أبناء لغتهم.

ومن أكثر هؤلاء تطرفاً وفقاً للأديب الإسلامي الهوى، هو مرقص باشا سميكة الذي ألقى محاضرة عن المتحف القبطي في الجامعة الأميركية قال فيها:

"مضى على مصر أكثر من ألفين وثلاثمائة سنة منذ ما فقدت استقلالها بانتهاء حكم الفراعنة، ومنذ ذلك العهد وهذه البلاد، بسبب مركزها الجغرافي الممتاز، وما خصها الله به من المناخ الجميل والتربة الخصبة والثروة الهائلة، مطمح نظر الفاتحين من أحباش وفرس ورومان وعرب وأتراك وإفرنج... وبهذه المناسبة أحب أن أذكر أن لفظ قبطي معناها مصري وهي محرفة من اللفظ إيجبتوس، ولذلك فجميعكم أقباط. بعضكم أقباط مسلمون والبعض الآخر مسيحيون. وكلكم متناسلون من المصريين القدماء".

وفي إشارة منه وتعبيراً عن حزنه لسيادة الحضارة العربية في مصر بدخولها في الإسلام، يقول مرقص باشا عن اختيار مقر المتحف القبطي الذي اتخذ الكنيسة المعلقة مقراً له: "ليكون داخل الحصن الروماني الشهير، الذي شيده الامبراطور تراجان... وبه الباب الذي دخل منه عمرو بن العاص ومن معه من الصحابة وأصبحوا من وقتها أسياد البلاد المصرية".

بداية الأفول

بدأت الدعوة لعودة الهوية الفرعونية في الأفول مع نهاية عشرينيات القرن الماضي، وكان سبب ذلك يقظة العاطفة الإسلامية في مصر نتيجة التغيرات الإقليمية في العالم العربي ذلك الوقت، وإحساس المواطنين بالخطر الغربي الداهم مما زادهم تمسكاً بعربيتهم وبالدين الإسلامي، وهذا موضوع شائك يحتاج إلى دراسة مستقلة.

ومن ضمن هذه الأخطار، ما تردد من أخبار حول سعي فرنسا للقضاء على العربية والإسلام في شمال إفريقيا، وبداية الهجرية اليهودية إلى فلسطين واندلاع معارك بين العرب وبين اليهود في عام 1929. بالإضافة إلى ذلك، بزوغ نجم جماعة الاخوان المسلمين التي أيقظت الروح الإسلامية على حساب الوطنية.

مما ساهم أيضاً في إضعاف الحركة "الفرعونية"، هو مهاجمة بعض الكتاب، فكرة الهوية الفرعونية علناً، بعد أن شعروا بمخاطر الانعزال بالهوية الفرعونية عن المحيط العربي والإسلامي.

ومن أبزرهم الوزير محمد علي علوبة، والذي قال في إحدى خطاباته بمناسبة حوادث البراق بفلسطين عام 1929، "وإني ليحزنني أيها السادة أن أرى وأسمع بعد أن ذهبت إلى فلسطين ودافعت عن قضيتها، وعلمت أن الأمم العربية أمة واحدة يربطها رباط واحد.. يحزنني أن أفكر أنه يوجد في بلادي فريق مهماً  كان شأنه يبث فكرة الفرعونية".

ومما أضعف أيضاً هذه الدعوة، هو تناسي دعاتها وضع تعريف صلب لمطالبهم، فهل هي دعوة لإحياء التاريخ المصري القديم والتعريف به، أم هو خطاب سياسي مضاد للخطاب الاستعماري، أم هي دعوة لإعادة استخدام وإحياء الأنماط الفنية القديمة ومزجها بالفن الحديث، أم الهدف منها تعزيز هوية الفرد والمجتمع ومجابهة الأيديولوجيات الأخرى تحت شعار غير ديني أو طائفي، أم حركة تهدف لإحياء الثقافة واللغة المصرية القديمة، وكيف سيتم تطبيق ذلك وسط جماعات سياسية ودينية مخالفة لتلك الفكرة بقوة.

ومع اندلاع ثورة 23 يوليو 1952 في مصر، ارتفعت فكرة القومية العربية لتطغى على أي أيديولوجية منافسة، نتيجة تزامن حركة التحرر من الاستعمار الأجنبي في أنحاء العالم العربي وإقامة التحالفات السياسية بين الدول العربية، وبسبب أيضاً حالة الضعف التي أصابت الحياة السياسية داخل مصر، بعد حلّ الأحزاب واعتقال رموز العمل الإسلامي وحتى الشيوعي.

رغم ذلك، فإن بقايا هذه الدعوة شقّت طريقها لتستمر وإنْ كان بشكل ظاهري وطفيف خلال عهود عبد الناصر والسادات ومبارك، من خلال الثقافة المادية، مثل عمارة برج القاهرة والمحكمة الدستورية العليا، أو عن طريق التوظيف السياسي من خلال تضمين خطابات الرؤساء بعض مظاهر مصر القديمة.

كريم مجدي

صحفي مصري ومعد افلام وثائقية، مهتم بالقضايا التاريخية والتراث.

التعليقات

المقال التالي