"لا يقدر أن يفهمنا إلا من يعاشرنا".... هل يفرض المجتمع العزلة على قبائل النوَر؟

"لا يقدر أن يفهمنا إلا من يعاشرنا".... هل يفرض المجتمع العزلة على قبائل النوَر؟

تعيش مروة البالغة من العمر 24 عاماً في حي الصفطاوي، شمال قطاع غزة، وسط عائلتها المكونة من 26 فرداً. تقول إن المجتمع لا يزال ينظر إليهم نظرة ازدراء، وينبذهم ويخشى أن يحتك بهم. فهم جزء من قبيلة النّوَر في غزة التي تسكن تلك المنطقة.

"مجرد معرفتهم أنني نَورية، تتسلل الريبة إلى نفوس من أتعامل معهم"، تقول لرصيف22 رافضة ذكر اسم عائلتها.

من هم النّوَر؟

يقول الدكتور سليم المبيض، المؤرخ والباحث في تاريخ غزة أن المؤرخين يختلفون في أصل النّور، وهو الاسم الذي يُطلق على الغجر أو الضوم في معظم بلاد الشام.

هم، بحسب المبيض، قبائل قدمت من أماكن مختلفة وامتهنت حرف عديدة، منها الحدادة التي يعمل بها الرجال، والرقص وإحياء الحفلات. وأحياناً يلجأ بعضهم إلى التسول، بحسب المبيض.

وقد عانى أهل هذه القبائل من التنميط عبر الأمثال، فأُلصقت بهم صفات سلبية.

يقول المبيض إن النّوَر اعتادوا الاستقرار في الأماكن الهادئة والبعيدة. لكنهم اليوم يتوزعون في معظم المدن الفلسطينية، منهم من اندمج في المجتمع وآخرون لا تزال العلاقة التي تربطهم به وظيفية فقط.

"الغجر طائفة من الناس، سيقت حولهم الكثير من الأساطير والألغاز والأفلام والحكايات تراوحت ما بين التحقير والتمجيد الرومانسي"، يقول مقال في صحيفة البيان عن كتاب "عشائر النّور في بلاد الشّام" لعلي الجباوي.

ويقسم الجباوي، بحسب المقال، المجتمع النّوري في بلاد الشام بشكل عام إلى "جماعات مهنية متعددة". فهناك القرباط نسبة إلى جبال الكاربات في أوروبا، ويعملون في صناعة الغرابيل. وهناك من يعملون بترويض القردة والتطبيل والصباغة.

Gaza-Gypsies_AFP

من أين جاءوا؟

يقول الجباوي في كتابه بحسب صحيفة البيان إن بعض النّوُر يقولون أنهم "ينحدرون من أصول عربية أصيلة مثل قبائل بني مرة وبني تميم".

مضيفاً: "تشيع بينهم شائعة أن سبب تنقلاتهم عائدة إلى أيام حرب البسوس والتي أجبرهم بعدها الزير سالم على الرحيل وعدم إشعال النار".

يقول سيف الدين الجبالي، وهو رجل خمسيني ينتمي لقبيلة النوَر في غزة: "قبل حرب الـ48 تم ترحيل عدد كبير منا إلى غزة وإلى البلدان المجاورة مثل سوريا ولبنان والأردن ومصر، لكن جميعنا أقارب، نحن كعائلة ننتمي لفلسطين فقط وبتنا حوالي 1500 فرد هنا، بقطاع غزة، والباقي يتوزعون على المحافظات. ولدينا اتصالات بالنّور في جميع أرجاء العالم".

يشير الجباوي في كتابه إلى أن الظروف التاريخية التي مرت بها قبيلة بني مرة، أو النّور، كانت صعبة إذ لم يتقبلهم المجتمع بسهولة، وهذا ما أخّر اندماجهم الثقافي والاجتماعي والثقافي.

لكن السنوات السبع الأخيرة دفعت القبيلة للاندماج من خلال الدراسة والعمل في مهن مختلفة مثل النجارة.

علماً أن محاولة اندماج الجبالي في المجتمع لم تكن سهلة، فحتى حينما عمل في مهن مختلفة لحقته التحديات.

"عندما كنت أعمل في الأنفاق ويعلم أصحاب المنشأة أني نوري كانوا يقيلونني من العمل"، يقول الجبالي لرصيف22.

أقوال جاهزة

شارك غرد"يضايقني هذا جداً، الناس لديهم فكرة سيئة عن النَور بأنهم فئة فاسدة وجاهلة"... عن حياة النَور في غزة

شارك غرد هل يفرض المجتمع في غزة العزلة على قبائل النّوَر؟

لغة نورية وطقوس خاصة

يشير الدكتور رياض الأسطل، أستاذ في كلية الأداب في جامعة الأزهر في غزة إلى أن "العادات والتقاليد الخاصة بالنّور حدت من عملية إندماجهم في المجتمع، فلم يندمجوا فعلياً فيه وبدأت نظرة الازدراء من الأنا الآخر متمثلة في عدم قبولهم. أصبحوا يعتبرون أنفسهم أقلية كما الأقليات التي لها ثقافتها وعاداتها وتقاليدها وتحارب عملية الاندماج".

قانونياً، يعامل النّوري كما يُعامل أي مواطن في غزة، فالدولة، على حد قول من التقاهم رصيف22، لا تتعامل معهم على أساس أنهم غرباء، وهم يحملون الهوية الفلسطينية.

تردد مروة بعض كلمات من لغة خاصة بهم تسمى النَّوريَّة، أو العصفورية، وهي لغة شفاهيَّة، غير مكتوبة، وقد اندثر معظمها، وبقي الجيل الكبير يحتفظ ببعض منها.

يتحدثونها في ما بينهم في بعض الأوقات وقد ورثوها عن أجدادهم. فكليلات تعني مال ودادياتي تعني أمي وبايات تعني أبي ونشنش تعني الرقص.

يذكر كتاب الجباوي بحسب صحيفة البيان أن "نَوَر بلاد الشام... يعرفون العربية إلى جانب لغتهم الأم، لغة العصفورة، أو لغة الضوم واري، ويزعم بعضهم أنهم ينحدرون من أصول عربية أصيلة مثل قبائل بني مرة وبني تميم".

يقول الأسطل: "لا يوجد مجهود لتوثيق هذه اللغة لأنها لغة خاصة بعائلات النًور فقط. ومن الصعب أن يتداولها أي فرد أخر إلا اذا اختلط مع إحدى هذه العائلات. وهي اللغة نفسها التي يتحدثها النّوُر في لبنان وباقي بلاد المشرق".

أيام الحفلات والرقص

تقول مروة إن الجماعات اكتسبت في الماضي عادات وتقاليد لم تعد جميعها موجودة اليوم. فقد كانت النساء يرقصن ويقمن الحفلات والأمسيات كمصدر دخل أساسي، لذلك ارتبطت هذه المهنة، وما يلحقها من وصم اجتماعي، بالنوّر.

تشكو من المدرسات حين ينعتن سلوك الطالبات الهمجي في الفصل بسلوك النّور، وتقول: "يضايقني هذا جداً، الناس لديهم فكرة سيئة عننا بأننا فئة فاسدة وجاهلة".

كما يعتقد السكان حتى اليوم، بحسب مروة، أن النوّر لا يعتنقون ديناً وليس لهم انتماء طائفي.

"هذه صورة غير صحيحة، نحن مسلمون ونعبد الله رب الكون"، تقول لرصيف22.

وتضيف: "نحن نحب المرح والضحك والناس، وعاداتنا لا تختلف عن عاداتهم في شيء".

"عندما أتت السلطة الفلسطينية وبدأ الانقسام اختفت هذه العادات لدى النّور وأصبحوا يعيشون حياة طبيعية كباقي الناس، فمنهم المتعلم والمثقف والذي يمارس مهناً أخرى، فأنا تعلمت ودرست وأطمح إلى تغيير صورة النّور"، تقول مروة لرصيف22.

في الأفراح والأتراح

يسكن سليم حسين (25 عاماً) في حي الصفطاوي مع قبيلته، النّور، ويعمل في فن ترفيه الأفراح، الذي يسمى في غزة الفدعوس.

يحضر الأفراح ويغني ويرقص فيها، مشاركاً الناس في فرحهم مقابل مبلغ مادي.

"عندما أتكلم مع أي شخص وأقول له أنا نوري يُصدم، فأسأله ماذا تسمع عن النّور؟ يجاوبني بجمل معينة وبسيطة، لكنه يحاول إيصال معنى آخر"، يقول حسين لرصيف22.

ويضيف: "نحن مثل جميع الناس، نخرج ونعمل... أغلب الناس يظنون أننا غير صالحين للمعاشرة ويخافون منا. لا نستطيع أن نغير طباعنا، ولا يقدر أن يفهمنا إلا من يعاشرنا".

كلمات مفتاحية
غزة

التعليقات

المقال التالي