لماذا لا يستعمل الرجال حبوب منع الحمل؟

لماذا لا يستعمل الرجال حبوب منع الحمل؟

نشر منذ عدة أعوام خبر مفاجئ على صفحة الـ BBC، بعنوان "غوريلا عاشقة تتناول حبوب منع الحمل".

يشرح المقال بعنوانه المثير، أنّ البياطرة في حديقة الحيوان في بلفاست، وحفاظاً منهم على صحة وسلامة "دليلا" الغوريلا العاشقة العجوز التي تبلغ من العمر 44 عاماً؛ ارتأوا أن أفضل طريقة لحمايتها وتجنيبها مخاطر الحمل على حياتها في هذا السن تكمن في إعطائها حبوب منع الحمل.

قد تبدو القصة مضحكة للوهلة الأولى، لكنها تبقى مثالاً إضافياً على أهمية وسائل منع الحمل التي لم تعد حكراً على الإنسان فقط.

تاريخياً، كانت وسائل منع الحمل أساساً لثورة اجتماعية غيرت شكل العلاقات الجنسية يوم سمحت بفصل الجنس عن الإنجاب، بعدما ارتبط الإثنان معاً بشكل وثيق لقرون عديدة.

تتعدد اليوم بالطبع الوسائل المتوفرة لمنع الحمل وتختلف بين الرجال والنساء كما تختلف نسبة فعاليتها، ولكن المثير للاستغراب هو التفاوت في الخيارات المتاحة للجنسين.

في الدول التي توفر هذه الخدمات، تستطيع المرأة مثلاً الاختيار بين حبوب منع الحمل العادية أو الطارئة، اللصقات أو الحقن الهرمونية، وغرسات منع الحمل، والواقي النسائي، واللولب الرحمي، والعازل أو الإسفنج ‏المهبلي، والحلقة المهبلية، ومبيدات النطاف، وسائل الوعي بالخصوبة والتعقيم.

أما الرجل فخياراته محصورة بالإنسحاب قبل القذف، أو الواقي الذكري أو التعقيم. يكفي تعداد الخيارات ليتبين لنا الفرق الشاسع فيما يتعلق بوسائل منع الحمل بين الرجال والنساء.

ثم أليس غريباً أن تبقى الوسائل المتاحة للرجل محدودة لهذه الدرجة بعد أن كانت أول الوسائل التي صممت لتحديد النسل موجهة للرجال؟

فالواقي الذكري يعتبر الأقدم بين جميع وسائل منع الحمل، وتعود فكرته إلى طبيب إيطالي من القرن السادس عشر اقترح استعمال قماشة تلف حول العضو الذكري للحماية من الإصابة بمرض السيفيليس (الزهري).

أقوال جاهزة

شارك غردلصقات، حقن، غرسات، لولب، إسفنج، مبيدات وغيرها للمرأة، وللرجل الإنسحاب والواقي والتعقيم فقط. لم تتحمل المرأة مسؤولية منع الحمل؟

شارك غردأحدثت وسائل منع الحمل ثورة إجتماعية لأنها فصلت الجنس عن الإنجاب

بالطبع تطور الواقي الذكري فيما بعد ليصبح في القرن الثامن عشر على الشكل الذي نعرفه اليوم. فيما يعود استعمال حبوب منع الحمل للنساء إلى ستينيات القرن العشرين. المسألة إذاً ليست مسألة وقت، لكن النتيجة تبقى ذاتها ويجد الرجل نفسه مخيراً بين:

1- الانسحاب، وهي الطريقة الأقل ضمانة عملياً، إضافةً إلى أن بعض الحيوانات المنوية قد تتواجد في المذي، وهو سائل يتم إفرازه قبل عملية القذف.

2- الواقي الذكري، الذي لا يخلو استعماله من حالات الحمل غير المقصود التي قد تحصل نتيجة سوء استعمال للواقي يؤدي إلى تمزقه مثلاً، أو بسبب خلل تصنيعي ولو كان نادراً.

في المقابل، قد يعاني البعض من الحساسية تجاه المواد التي يصنع منها الواقي، وتتوافر اليوم بدائل قد تلائم الأغلبية.

ولكن تبقى هذه السلبيات الخاصة باستعمال الواقي جديرة بالذكر، ويضاف إليها نفور البعض من استعمال الواقي لتأثيره على اللذة بحسب مزاعمهم، ولا يمكن تجاهل كل هذه الأمور بطبيعة الحال.

3- يبقى إذاً الخيار الأخير والأكثر فعالية وهو التعقيم. لكن اتخاذ هذا القرار له مخاطره، باعتبار أن هذه العملية كأي عملية أخرى لا تخلو أبداً من الخطر أو احتمال حدوث مضاعفات، وقد يكون الأمر الأصعب هو أنّ هذا الحل دائمٌ ولا يمكن عكسه.

لا يمكن لمن أجريت له هذه العملية أنْ ينجب بعدها، في حين يمكن إيقاف مفعول معظم الوسائل ‏الأخرى على الفور عقب التوقف عن استخدامها.

والسؤال يبقى، لماذا لا يتاح للرجل الإختيار بين عدد أكبر من وسائل منع الحمل؟ ولماذا لا تتوفر له وسائل جديدة تتناسب وتتماشى مع حاجاته أكثر، كما هو الحال مع النساء؟

الجديد في وسائل منع الحمل للرجال

الحقيقة أن العمل جارٍ منذ وقت لإيجاد وسائل منع حمل (حبوب، لصقات، حقن) جديدة للرجل يمكن تقسيمها إلى هرمونية ولا هرمونية.

وبالفعل قامت إدارة الغذاء والدواء الأميركية حديثاً بالتصديق على وسيلة منع حمل لا هرمونية تتكون من "بوليمر" أو مركب من وحدات جزيئية متكررة، يتم حقنه موضعياً لمنع قذف الحيوانات المنوية في السائل المنوي.

الجدير بالذكر أن مفعول الحقنة الواحدة يدوم لسنوات عديدة مع إمكانية عكس الإجراء باستعمال حقنة أخرى لتفكيك المركب الأول، ويرجح بدء توافر هذا المنتج في الأسواق بين عامي الـ2018 و2020.

أما بالنسبة لوسائل منع الحمل الهرمونية فهي تعنى بأغلبيتها بالتأثير على معدلات التستوستيرون في مكان إنتاج الحيوانات المنوية.

معظم دراسات المرحلة الأولى التي أجريت حتى الآن أثبتت فعالية هذه الأخيرة في خفض معدلات الحيوانات المنوية دون عوارض جانبية تذكر، لكن لم تتوصل بعد إلى دراسة تأثير هذه الطرق أو نجاحها في منع الحمل.

وذلك لأن المضي قدماً بدراسات من هذا النوع بحاجة إلى عدد متطوعين أكبر ووقت متابعة أطول وبالتالي إلى تمويل ودعم مادي كبير أيضاً.

أضف إلى ذلك أن الصفعة الكبيرة التي تلقاها هذا الحقل جاءت عندما أجرت منظمة الصحة العالمية أكبر دراسة لفعالية حقن هرمونية للرجال في منع الحمل واضطرت لإيقاف الدراسة في المرحلة الثانية من التجارب، لأن هذه الحقن، بالرغم من إثبات فعاليتها في منع الحمل، إلا أنّ عوارضها، من تهيج جلدي وتقلبات مزاجية واكتئاب وغيره، لم تكن مقبولة بحسب معايير السلامة المتبعة.

حبوب منع الحمل الهرمونية للنساء لا تخلو من عوارض جانبية مشابهة، إضافةً إلى التأثير على الدورة الشهرية والوزن وممكن حتى في بعض الأحيان أن تصل إلى حدّ الجلطة وخطر إصابة أكبر ببعض السرطانات كما تبين الدراسات الجديدة.

إلا أن المعايير في تقييم خطورة وسائل منع الحمل الهرمونية للرجل تأخذ بعين الاعتبار عدم حاجة الأخير لمنع الحمل، الذي لا يأتي بعوارض صحية مباشرة على جسده.

ومن هنا قد يتسبب تعريض الرجل لعوارض هو بغنىً عنها بمعضلة أخلاقية لا تبرر المضي قدماً أو التوصية بخطوة من هذا النوع.

هذا يثبت ضرورة تطوير وسائل منع الحمل اللاهرمونية كالـ "بوليمر" المذكور أعلاه، وغيره من حبوب طور الدراسة والتي صممت لتأثر على حركة الحيوانات المنوية، أو قابليتها على التلقيح وما شابه.

قد تصبح هذه الوسائل إذا ما ثبتت فعاليتها وسلامتها الخيار الأفضل للشريك، إذ أنها قد تسمح بتجنيب المرأة عبء وتأثير الهرمونات على صحتها.

وبما أنّ الأمر لا يخلو في بعض الأحيان من حالات نسيان تناول حبوب منع الحمل بشكل يومي مما قد يؤدي إلى حمل غير مقصود، قد تكون مشاركة الطرفين في تناول حبوب منع الحمل ضمانة أكبر لعدم حدوث عواقب من هذا الشكل.

لكن يبقى السؤال الأهم: هل يريد الرجل المساواة في المسؤولية بما يخص تطبيق قرار تحديد النسل؟ وهل العالم مستعد لثورة اجتماعية جديدة؟

أسئلة كبيرة بحاجة لأن تطرح جدياً لأن الشيء الوحيد الذي سيدفع شركات الأدوية العالمية الكبيرة لتبنّي تطوير وسائل منع حمل جديدة للرجال أو النساء، تكون أكثر سلامة وفعالية، هو حاجة الناس، أو بمعنى آخر، حجم السوق.

أما بانتظار الفصل القادم في سلسلة وسائل منع الحمل، يبقى المؤكد بأن الحمل ووسائل منع الحمل ما هي إلا حرية شخصية وقرار من أهم مقدساته مشاركة الطرفين في اتخاذه وموافقتهما كل بحسب قناعاته.

إيزابيل فاخوري

عالمة تدربت بين لبنان، فرنسا، أمريكا وإيطاليا. حاصلة على دكتوراه في علم الأحياء الخلوي والجزيئي. عاشقة للكتب. حازت على جوائز محلية عدة.

التعليقات

المقال التالي