فنانون شكّلوا أسطورة الغناء العراقية

فنانون شكّلوا أسطورة الغناء العراقية

خصوصية تراثية تميّز المقام العراقي عن باقي المقامات الغنائية العربية، خاصة أنه كان يغنّى في البداية للتقاليد الدينية والقصائد الصوفية، وكذلك استُخدم كأبرز مقامات تلاوة القرآن الكريم.

يمثّل المقام قلب التراث الغنائي العراقي، ولذا كان الحفاظ عليه وتجديده وتطويره مهمة ملحّة قادها بعض رموز الغناء العراقي خلال القرن العشرين.

سعدون جابر

"يا طيور الطايرة"، "أمي"، "صغيرون"، "عيني عيني"، و"لوه ولوه ولوا"؛ تلك أشهر أغاني البدايات التي حملها صوت الفنان العراقي سعدون جابر للخليج العربي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

وبعدها عبرت أغنياته الحدود لتصل إلى القاهرة في حقائب المصريين أثناء عملهم في بغداد منتصف الثمانينيات، ليعرف العالم العربي كله صوت المطرب الشاب الذي أحيى وجدد التراث الغنائي العراقي بعد ناظم الغزالي.

بدأ جابر كمطرب صغير في كورال الفنان العراقي محمد القابنجي، وكانت بداياته تبشّر بأنّه مطربٌ واعدٌ، وأن بغداد على موعد جديد يضيف لتاريخها وحضارتها رمزاً غنائياً سرعان ما احتلّ مكانة كبيرة في قلوب العرب.

إلى جانب دوره كمغنّ، قام بتسجيل 10 أساليب غنائية شعبية من ريف العراق بصوته، خوفاً عليها من الإندثار، في محاولة منه للحفاظ على التاريخ والتراث الغنائي لبلده.

يا طيور الطايرة، الحزن والغربة

كونها أيقونة النجاح وكلمة السر في مشواره الفني، تعلق سعدون جابر بأغنيته الأشهر "يا طيور الطايرة"، التي تتغنى بآلام الغربة وفراق الوطن، كتب كلماتها الشاعر زهير الدجيلي، ولحنها الموسيقار كوكب حمزة، وغناها سعدون عام 1971:

وقتها انشغلت الإذاعات العربية ببثها ليل نهار، بينما مُنِعت في العراق لمدة 3 أشهر كاملة، لأسباب سياسية، وبعدها بعامين ولنفس الأسباب منعت الحكومة العراقية أغنية أخرى لسعدون اسمها "تلولحي":

ولمّا تولى عدي صدام حسين، مسؤولية الثقافة والإعلام، منعه من الغناء في العراق 15 عاماً، خشية تأثير تواجده على الأصوات جديدة، ولذا ترك بغداد عام 1991، وبدأ رحلته الغنائية فى الدول العربية والأوروبية.

وبعد مرور قرابة نصف قرن على "يا طيور الطايرة"، تلك التي تغنت بها عشرات الأصوات الجديدة، خاصة في برامج اكتشاف المواهب الغنائية، اختيرت مع أغنية أخرى لسعدون اسمها "عيني عيني" في استفتاء أجرته شبكة "بي بي سي"، باعتبارهما من أجمل 100 أغنية في القرن العشرين.

أواخر سبعينيات القرن الماضي، مع تجدد نجاح سعدون بأغنية "عيني عيني"، التي قدمها لصاح تلفزيون الكويت، بدأ تعاونه مع الموسيقار المصري بليغ حمدي، إذ لحن له 4 أعمال في ثمانينيات القرن الماضي، ألّفها الشاعر كريم العراقي، ورفض بليغ في البداية أن يتقاضى مقابلاً مادياً عليها، وهي "من الأول يا حبيبي، مشوارك حبيبي":

منفيٌّ من بلاده، محبوبٌ في العالم العربي

رغم التعتيم الإعلامي على سعدون جابر في بلاده، إلا أنه ظلّ متواجداً بأعماله الفنية في قلوب محبيه وعشاقه، وإعادة غناء أعماله من قبل مطربين شباب، مؤخراً، هو خير دليل على أن تجربته تمتعت بشعبية وثراء ومقدرة على الاستمرار.

ولد سعدون جابر في مدينة العمارة بمنطقة الأهوار جنوب العراق، عام 1950، وبدأ عمله الفني في الإذاعة العراقية عام 1963 متأثراً بالمطرب المصري عبد الحليم حافظ، وأجاد العزف على آلة العود، وحصل على الدكتوراة وكانت رسالته البحثية بعنوان " الأساليب الغنائية فی جنوب العراق".

أقوال جاهزة

شارك غردرغم ما حلّ بالعراق منذ عام 2003، إلا أن المقام والإبداع الغنائي العراقي لم يندثر

شارك غردعلى أيديهم، تحوّل الغناء العراقي إلى موروث ثقافي غنائي عربي

ناظم الغزالي

بعد انتهائه من المرحلة الابتدائية،كان يغنّي في شوارع بغداد حيناً، وفي الإذاعة المدرسية حيناً، لكن وقتها، كان وحيداً يتيماً فقيراً، إذ رحل والده ومن بعده أمه، فأكمل حياته يتنقل بين بيوت أقاربه.

موهبة الفنان العراقي الراحل ناظم الغزالي، نمت وسط مشاكل عائلية لا آخر لها، ففي لقاء قديم مع التلفزيون الكويتي عام 1963، ذكر أنّ دراسة الفنّ كانت إشكالية ولم تحظ بالدعم الاجتماعي وقتها.

فكان عمّه يفضل دراسة التاريخ، بينما أصر ناظم على دراسة التمثيل والغناء في معهد الفنون الجميلة. ولأن عمه كان يرى أن الممثل مجرد "أراجوز"، ترك ناظم البيت وعاد للتنقل مرة أخرى بين بيوت أقاربه، وبعد فترة قبله عمّه وتركه يحدد مستقبله، لكن لم يمنحه رضاه.

مقاهي بغداد والتراث الغنائي

لعبت مقاهي بغداد دوراً بارزاً في تكوين الموروث الغنائي لدى ناظم الغزالي، ووفقاً لحميد السامرائي، متخصص شؤون المقامات العراقية، كان الغزالي شغوفاً بموسيقى الموالد الشعبية والمقامات التراثية العراقية، ويذهب لمقاهي بغداد للاستماع إلى صوت مثله الأعلى ورائد المقام العراقي المطرب محمد القابنجي.

وبعدها نجح في الالتحاق بمعهد الفنون الجميلة، قسم التمثيل المسرحي، وخلال هذه المرحلة تعلم العزف على آلة العود. يتحدث صلاح عمو، باحث وموسيقي عراقي، عن مرحلة دراسة الغزالي للفنون المسرحية، وكيف استهلّ عمله الفني ممثلاً مسرحياً في فرقة "الزبانية".

وقدم عدة مسرحيات غنائية أهمها مسرحيتي "أصحاب العقول"، و"فتح باب المقدس"، ما ساعده في الانضمام لفرقة الموشحات العراقية بإذاعة بغداد، وتعلم على يد الموسيقار علي درويش أسلوب غناء الموشح الأندلسي والمقامات العراقية المختلفة.

في عام 1948، أي بعد مولده في منطقة الحيدر خانة ببغداد بـ27 عاماً، قدم الغزالي أولى أغنياته "هلا هلا"، من ألحان حقي الشبلي، بينما كانت أغنيته الثانية "المضيع ذهب"، من ألحان وديع خونده، وبهما بدأ كمغنّ بنجاح كبير في العراق.

وجاءت شهرة عربياً بعد أغنية "أقول وقد ناحت"، وهي من أشهر قصائد أبي فراس الحمداني.

في العام نفسه، قابل مجدد المقام العراقي، المطرب محمد القبانجي، وتأثر به في إبداع شكل جديد للأغنية، كما التقى الموسيقار جميل بشير، الذي لحّن له عدة أعمال منها "فوق النخل"، و"طالعة من بيوت أبوها":

ووفقاً للدكتور هيثم شعوبي، المؤرخ والباحث الموسيقي العراقي، أنّ الغزالي غيّر النمطية المتبعة في غناء المقام العراقي، وخرج عن المألوف والمعتاد، إذ اهتم بـ"البستا" على حساب المقام نفسه، عكس السائد وقتها.

قصة حبّ وشراكة فنيّة

في 1952، التقي الغزالي بمطربة العراق الأولى سليمة مراد، وبعد عام واحد تزوجا، وعاشا معاً 10 سنوات من الفن والحب، علمته فيها أساليب الغناء والبستات والمقامات العراقية، وكانت جزءاً من شهرته، وقدّما معاً أغنية "يا أم العيون السود":

وخلال هذه المرحلة تعامل مع العديد من الملحنيين والشعراء وقدم عشرات الحفلات في الوطن العربي، ولقب بسفير الغناء العراقي، ما دعا الموسيقار محمد عبد الوهاب لإعلان رغبته في التلحين للغزالي، إلا أنّ وفاته حالت دون إتمام المشروع.

بعد سفرة إلى أوروبا وبيروت، عاد ليلة 21 أكتوبر 1963، إلى مدينته بغداد وفي صباح اليوم التالي، مات فيها، قبل أن يتم عامه الـ43، وكانت جنازته مهولة تليق بمقامه.

سليمة باشا، مطربة العراق الأولى

تجربة ثرية وفريدة تلك التي قادتها الفنانة العراقية سليمة مراد، مطربة بغداد الأولى، وصاحبة الأغنية الشهيرة "قلبك صخر جلمود"، وهي أغنية أثارت شغف أم كلثوم، التي طلبت من "سليمة" أن تغنيها، عندما كانت في زيارة للعراق عام 1935، ويُقالُ بأن أم كلثوم سجلتها بصوتها على إسطوانة نادرة.

ولدت في عام 1905، واعتبرت إحدى قمم الغناء العراقي، وأول سيدة عراقية تأخذ لقب "باشا"، منحها إيّاه رئيس وزراء العهد الملكي، نوري السعيد، انبهاراً بصوتها وتقديراً لمكانتها.

وفي تسجيل إذاعي نادر للموسيقار العراقي صالح الكويتي، قال إنه بدأ تعاونه مع سليمة باشا، في عام 1931، ولحن لها 6 أغانٍ من بينها "قلبك صخر جلمود"، و"نبعة الريحان" من كلمات الشاعر الراحل عبد الكريم علاف، التي لاقت إعجاب الجمهور العراقي، وذاع صيتها في الأوساط العربية بشكل كبير، وبعدها سافرت لإحياء عدة حفلات غنائية ببيروت ودمشق.

عام 1936، كان لسليمة باشا شهرة واسعة، خاصة بعد أن انضمت للإذاعة العراقية في العام نفسه، وقدمت العديد من الأغاني والحفلات الغنائية، منها "خدري الجاي خدري"، و"على شواطىء دجلة مر"، كما أطلقت منتدى أدبياً في بيتها، وكان يحرص على حضوره كبار الشخصيات من الأدباء والشعراء ورجال السياسة.

بعد رحيل زوجها، اهتمت بإدارة منتدى ثقافي غنائي كانت أسسته مع الغزالي قبل رحيله، واستمرت باستضافته حتى وفاتها في 28 يناير/كانون الثاني 1974.

محمد القبانجي، سيّد المقام العراقي

الحفاظ على المقام العراقي وتطويره، كانت القضية الأهم طوال السيرة الفنية لرائد المقام العراقي الفنان محمد القبانجي الذي عاش قرابة الـ90 عاماً. 

كان قدوة ومثلاً لعشرات المطربين العراقين، ليس فقط فيما وصل إليه من نجاح وشهرة، لكن في كيفية تجديد وتطوير التراث الغنائي العراقي، وحفظه الرائع لأصول المقامات، إذ بدأ غناء الموشحات قبل أنْ يتمّ عامه الـ12.

القبانجي الذى ولد في أبريل عام 1889، أطلق عليه عدة ألقاب أبرزها مطرب العراق الأول، وسيد المقام العراقي، خاصة بعد أن وضع المقام العراقي في مصاف قوالب الغناء العربية الراقية كالقصيدة والدور والموشح، وساعده في ذلك صوته القوي.

وحصل على لقب مطرب العراق الأول، بعد منافسة قوية مع أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، في المؤتمر الثاني للموسيقى الشرقية في القاهرة عام 1932:

في مؤتمر الأدباء والشعراء العرب ببغداد 1964، كان الشاعر المصري الراحل أحمد رامي، بين حضور حفل القبانجي، في الصفوف الأولى، حيث رمى سترته إعجاباً بصوت القبانجي، وهذا مثال على ما نجح في تحقيقه بعد أن لفت الأنظار العربية إلى العراق وأصواتها الجديدة والمُجدِّدة.

وفي واقعة أخرى ترأس القبانجي الوفد العراقي في مؤتمر الموسيقى العربية الأول في القاهرة عام 1932، وشارك في عدة حفلات بالمؤتمر فانتزع إعجاب الجمهور المصري، وعلى رأسهم سيدة الغناء العربي أم كلثوم، والموسيقار محمد عبد الوهاب، وأمير الشعراء أحمد شوقي، وشاعر النيل حافظ إبراهيم.

وخصصت لجنة المهرجان 31 أسطوانة للوفد العراقي، منها 24 لـ القبانجي، وحصل على جائزة أفضل مطرب في المؤتمر.

ذكر الكاتب والناقد الفني العراقي يحيي إدريس، في مقال له بعنوان "محمد القبانجي مطرب العصر وأستاذ المقام"، واقعة وفاة القبانجي الذى رحل عن عالمنا في عام 1988، وهو على سرير المرض، حيث اختار أن يشاهدَ الجزء الأول من الحلقة التلفزيونية المخصصة لإرثه الفني، وقال جملته الأخيرة: "أحمد الله، خدمت المقام والوطن والأمانة".

كاظم الساهر ونسبه الفنيّ

على خطى سفراء المقام العراقي، بدأ المطرب العراقي كاظم الساهر، عمله الفني بإتقان فنّ المقام العراقي، الأمر الذى يعد السبب الرئيسي في نجاحه، وقاد لفترة ملامح التجديد في أساليب الأداء الغنائي العراقي، لكن وفقاً لأسلوبه وطريقة أدائه الخاصة به.

قال الموسيقار العراقي عمر منير بشير، في حوار له في جريدة "القدس العربي" (أبريل/نيسان 2012)، إنّ الساهر حمل لواء التجديد والحفاظ على المقام العراقي، وكسب احترام المهتمـين بالغناء والموسـيقى العراقية، خاصـة بعد أن غنـّى أجمل قصائد الشـعر العربي لأهم الشـعراء العرب وعلى رأسهم الشاعر العربي نزار قباني.

ولذا يستحق لقب سفير الأغنية العراقية، لأنه منح الأغنية العراقية مكانة تليق بمقامها من خلال تمثيلـه للعـراق في الكثير مـن المحافـل الدولية وحصده الكثير مـن الجوائـز المهمة.

صورة المقالة: الفنان العراقي كاظم حيدر (1965)، من مقتنيات مؤسسة بارجيل للفنون.

التعليقات

المقال التالي