رحلة بحث العرب عن "نبيّهم المنتظر"

رحلة بحث العرب عن "نبيّهم المنتظر"

"أمّا نبي لنا منا فيخبرنا   ما بعد غايتنا من رأس مجرانا"

بهذا البيت لخّص شاعر الطائف أمية بن أبي الصلت المشكلة التي عاشها أواخر حياته، بعد أن تحنَّف ودعا في شعره للإيمان بالله واليوم الآخر ورفع من قدر مريم العذراء، وأمِلَ في النبوة ليهدي قومه للحق، فما أنْ أعلن الرسول دعوته حتى كفر به وحاربه حتى مات.

البحث عن نبيّ آخر الزمان

عندما أعلن محمد نبأ دعوته لقومه من فوق جبل الصفا، لم يكن موقف المنكرين له رفضاً مطلقاً لفكرة النبوة نفسها، التي ألفوها منذ درجوا على حكايات هود وصالح وغيرهم من أنبياء الجزيرة.

وإنما أرجع بعض الباحثين اعتراضهم الفطري إلى سببين؛ الأول ظاهري في أنه لم يأتهم بـ"خارقة" من اللحظة الأولى تؤيد كلامه كسابقيه، والثاني، الأكثر إقناعاً وبساطة، هو التنافس والسعي للسلطة والنفوذ:

لماذا يحمل محمد هذا الشرف دون غيره؟ وهو اللقب الذي طال انتظاره، وتنازع عليه الحنفاء واليهود والمدّعين؛ نبي آخر الزمان.

يقول نصر حامد أبو زيد، في كتابه مفهوم النص، إن اتّصال البشر بمن هو أعلى، لا يمكن اعتباره مفهوماً جديداً على الثقافة العربية قبل الإسلام.

خاصة من خلال المقاربة مع ظاهرتي الشِعر والكهانة، واللتين سلّم العرب باعتبارهما قنطرتين يتصل من خلالهما صاحبهما بالجن، إذا كان صاحب الاتصال يتمتع بالصفات التي تؤهله للتواصل مع هذه المرتبة الوجودية المختلفة.

ويضيف أبو زيد، أن هذا يؤكد أن ظاهرة الوحي لم تكن مفارقة للواقع أو تمثل وثباً عليه، بل كانت جزءاً من مفاهيم الثقافة العامة، فالعربي الذي يدرك أنّ الجنِّي يخاطب الشاعر ويلهمه، ويدرك أنّ العرَّاف والكاهن يستمدان نبوءاتهما من الجنِّ، لا يستحيلُ عليه أن يصدق أنَّ مَلَكاً ينزلُ بكلامٍ إلهي على بشر.

ومن هنا فلم يكنْ التنازعُ الذي تمَّ، قبلَ الإسلام، بين مختلف الطوائف على لقب "النبيِّ المنتظرِِ" في إنكاره، بل في أيّ منها أحقُّ به.

أقوال جاهزة

شارك غردمن الشِعر والكهانة، عرف العرب قبل الإسلام فكرة التواصل مع مراتب وجودية عليا

شارك غردتنافس العرب على لقب "محمد" طمعاً بالنبوة، بعد أنْ شاع اقتراب مجيء النبي المنتظر

ويوضح علي مبروك في كتابه النبوة، من علم العقائد إلى فلسفة التاريخ، أن الانقلاب الوحيد الذي أتى به الإسلام في هذا الصدد، هو أنه "عكس النسق المثيولوجي" لمسار تدفق المَدد الإلهي.

فبدلاً من البدء بتضرع الإنسان إلى الله سعياً للإلهام كما في الكهانة والعرافة، هذه المرة هبط الوحي على النبي بمبادرة إلهية خاصة دون دعوة أو طلبٍ مباشرٍ منه بالتكليف، وهي الأمانة التي تمنّى حملها الكثيرون، ولم يفلحوا.

النبي والكاهن والحكيم والعرّاف

يقول أبو العلاء المعري في رسالة الغفران: "لم تكنْ العرب في الجاهلية تقدم على هذه العظائم، والأمور غير النظائم، بل كانت عقولهم تجنح إلى رأي الحكماء، وما سلف من كتب القدماء، إذ كان أكثر الفلاسفة لا يقولون بنبيّ، وينظرون إلى من زعم ذلك بعين الغبيّ".

ويوضح هذه المقولة المؤرخ جواد علي في كتابه الموسوعي (عشرة مجلدات) عن تاريخ ما يعرف بـ"جذور الإسلام" المعنون المفصّل فى تاريخ العرب قبل الإسلام.

فيقول أنّ أبو العلاء المعري "يقصد ولا شك بها النبوة وفق المعنى المفهوم منها في الإسلام. أي أن تكون بوحي ينزل على النبي من الإسلام، وبكلام منزل يتلوه على الناس، يكون كلام الله لا كلام النبي".

ويوضح جمال الحلاق في كتابه قراءة في تاريخ محرم، أنه بعد تسرب مفهوم النبوة إلى الثقافة الاجتماعية العربية، كثُر مدَّعُو النبوة، والذين كانوا في معظم الأحيان لا يتجاوزون الدعوة إلى "الربوبية".

واعتبر أن مفهوم "النبي" قفزة على مفهوم "الكاهن" الذي انتشر قبل البعثة واعتمد أصحابه على التعامل مع الغيبيات لإثبات مهارتهم، في كل المشاكل التي يطرحها العرب أمامه، والتي فشلوا في حلها بالتقليديات والمنطق.

ولقد استعان عبد المطلب بكاهنة بني سعد لتنقذه من مأزق نحر ابنه الحبيب عبد الله، وكان أول ما اتُهم به الرسول من قومه أنه "كاهن"، وهي مكانة أرقى من الحكيم والعرّاف.

لم يتعامل العرب مع الكهنة على أنهم صادقون في المطلق، وكان لهم الحق في أن يطرحوا كلامهم أرضاً إذا لم يعجبهم، حتى أن قبيلة مذحج رفضت مشورة كاهنها المأمور الحارثي في غزو تميم، لأنهم لم يقتنعوا بها، وهو مالم يعد قائماً في التعامل مع النبي الذي يجب أن يحترم كلّ كلامه لأنه "إن هو إلا وحي يُوحى".

ويضيف الحلاق، إن جهود الأجيال الأولى من الحنفاء كرّست لإثبات "الوجود التوحيدي" في شبه الجزيرة، بل إنه خرج من بينهم أنبياء، وتأثروا بمفاهيم أهل الكتاب الذين حاوروهم، لكنهم أعلوا مما كان يعرف بالفِكر "الآريوسي"، الذي ينظر إلى المسيح على أنه شخص عادي انتقاه الله لتبليغ رسالته.

وهو ما حمله أهل الأجيال التالية من الحنفاء، والذين حاولوا استخدام آليات الكهانة كنافذة لبث مفاهيم الجديدة، تمنّوا أن تقود ثورة في بلاد العرب تطيح بالأصنام ولا تبقي منها أحداً.

INSIDE_Nobowwa

المحمدون

فَذلكُمْ ذُو التَّاج منا محمد   وَرَايَته فِي حوْمة المَوت تَخْفِق

هنا يرثى قيس بن خزاعي أخيه الذي توفي في عام الفيل بعدما تحالف مع أبرهة في حملته على الكعبة ومات خلالها، منهيّاً حلم قومه له بنيل النبوة التي منحوه لقب "محمد" أملاً في الاستئثار بها.

وهي فِعلة لم تتوقف عنده، بل شاركه فيها آخرون.

ينسب ابن سعد في الطبقات الكبرى إلى سعيد بن المسيب قوله، "كانت العرب تسمع من أهل الكتاب ومن الكهَّان أنَّ نبياً يُبعث من العرب اسمه "محمد"، فسمَّى من بلغه ذلك من العرب ولده محمداً طمعاً في النبوة".

كذا فعل مثل والد أسقف بني تميم سفيان بن مجاشع، والذي كان أحد أبطال قصة العرب الأربعة، بالإضافة ليزيد بن على بن ربيعة من بني تميم، وأسامة بن مالك، وأُحـَيحة بن الجلاح بن الحريش، الذين قابلوا الراهب بحيرة في الشام، فبشَّرهم بأن "آخر النبيين" سيخرج من بينهم، فلما عادوا لقومهم، كلما رزق واحد منهم بولد أسماه محمداً.

ملأت نبوءات "النبي المنتظر" آذان العرب، وطمعت فرقٌ منهم أن تتحقق في أحد أبنائهم، حتى عدَّ الإخباريون مَن تسمى بـ"محمد" وقتها 20 فرداً، وقالوا أقل من ذلك، فقيل 6، أو أنّهم لم يزيدوا عن 3.

وكان يهود المدينة، كلما ضاقوا بجيرانهم من الأوس والخزرج، توعدوهم، قائلين: يوشك أن يخرج نبيّ قد أظلَّ زمانه نتبعه، ونقتلكم معه قتل عاد وإرم، وهو ما أوردته كتب التفاسير عن أهل الكتاب.

ذو النون يأتيني

مَدَح الرسول اجتهادات الأحناف في البحث عن الحقّ ونبذ أصنام قريش، وإن لم يعترف لهم بالنبوة.

فورد عنه بحق قس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل، أن الواحد منهم يُبعَث "أمة وحده"، الوحيد منهم الذي اعترف به الرسول نبياً هو قاضي عبس وأديبها، خالد بن سنان، واصفاً إياه بأنه "ضيعه قومه".

لم يتوقف الأمر على محاولة التزاحم على لقب "نبي آخر الزمان" قبل الإسلام، بل استمر بعده وعاصر الرسول من نازعوه على "النبوة" بل وحاولوا تقسيمها معه.

وكان هناك من أرادها بعد وفاته مثل كاهن اليمن عبهلة العنسي (الذي يعرف بالأسود العنسي، الذي ادَّعى أنه يتلقى وحياً كما ينزل على محمد بمكة.

كتب عنه المؤرخ د. راغب السرجاني مقالاً قال فيه، إنه كان يقيم في كهف، يُري الناس منه "الأعاجيب بفنون من الحيل، ويستهوي الناس بعباراته، فتنبأ ولقَّب نفسه 'رحمن اليمن'".

ويضيف السرجاني: "وكان يزعم أن ملكين يأتيانه بالوحي وهما: سحيق وشقيق أو شريق، فيما تنسب كتب الإخباريين قوله إن 'ملكاً يقال له ذو النون يأتيني'، ولما بلغ النبي ذلك قال 'لقد ذكر ملكاً عظيماً في السماء'". 

كما أنَّ الزعيم الأسدي طليحة بن نوفل، استخدم مواهبه في الشعر والكهانة للتحريض على الرسول في حياته، وتنسب بعض الروايات لابنه، أنّ الملك الذي كان يأتيه هو أيضاً ذو النون "الذي لا يكذب ولا يخون"، وكان أحد قادة حروب الردة، لكنه هُزم على يد المسلمين خلال حكم أبي بكر في معركة بزاخة (مكان في نجد) في عام 11 هـ/632 م.

لم يكنْ التنازعُ  قبلَ الإسلام على لقب "النبيِّ المنتظرِ" بسبب إنكاره، بل تنافساً على من كان أحقّ به

وفي عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، أعلن طليحة توبته، وغُفرت خطاياه، وانضم إلى الجيوش الإسلامية وشارك في معارك هامة في العراق، وقد تفوق في القتال، واستُشهد في معركة نهاوند عام 21 هـ/ 642 م.

ويضيف د. جواد علي في المفصل اسمين آخرين إلى المتنبيين، هما "نبي آخر اسمه 'حنظلة بن صفوان'، كان نبيّاً بعثه الله إلى "أهل الرس"، فكذبوه وقتلوه، عاش في أيام "بختنصر" وقيل إنه كان من أنبياء الفترة كذلك، فيما ذكر أهل الأخبار أن الله أرسله أهل عدن، فقتلوه".

وخلّد القرآن قصة مقتله في سورتي "الفرقان" و"ق"، اللتين ضرب فيهما المثل بقومه في تكذيب الأنبياء.

ويضيف د. جواد أنّ المرويات تحدثت "عن نبي آخر اسمه 'شعيب بن ذي مهدم'، أُرسل إلى أهل 'حضور' فقتلوه أيضاً، وله قبر في صنين، وهو جبل باليمن".

المصادر: المفصّل فى تاريخ العرب قبل الإسلام (عشرة مجلدات) للمؤرخ جواد علي؛ قراءة في تاريخ محرم لجمال الحلاق؛ مفهوم النص في التراث الإسلامي لنصر حامد أبو زيد؛ كتاب الطبقات الكبير لابن سعد؛ "الأسود العنسي، مدعي النبوءة" في موقع قصة الإسلام للدكتور راغب السرجاني؛ النبوة، من علم العقائد إلى فلسفة التاريخ لعلي مبروك؛ تفسير الجلالين.

التعليقات

المقال التالي