بوابات: قد يكون هذا المشروع سبيلكم لخلق صداقات جديدة حول العالم

بوابات: قد يكون هذا المشروع سبيلكم لخلق صداقات جديدة حول العالم

التقى عمّار باكشي في سفراته حول العالم أصدقاء كثر، وتمنّى أنْ يبتدع طريقة جديدة تمكّن الآخرين من اختبار سحر السفر، خاصة إن كانت الفرص غير متاحة أمامهم.

"أردتُ أن أتيح فرصة فريدة من نوعها يلتقي من خلالها غرباء ببعضهم البعض، ليتبادلوا الحديث، وليراقبوا تفاصيل وجوه بعضهم، ويتعرفوا على ثقافات مختلفة، دون حاجتهم إلى إصدار جواز سفر أو حتّى فيزا".

ولد عمار في الولايات المتحدة الأميركية، وهو من أصول باكستانية هندية. عمل كصحافي في صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية وقادته المهنة إلى زيارة 12 بلداً، من بينها بلده الأصلي، باكستان، فكان أول من يعود إلى البلاد من أسرته بعد أنْ غادرتها جدته قبل 60 سنة.

حاول عمار من خلال عمله في مجال الصحافة توثيق نظرة الشعوب الأُخرى إلى الولايات المتحدة، عبر الاستماع إلى قصص النّاس. يقول إن رحلته لم تتكلل بالنجاح الكلّي، إذ أن النظرة السائدة والنمطية عن الولايات المتحدة كانت سلبية بمعظمها، يقابلها جهل بثقافات شعوب العالم من قبل غالبية الأمريكيين.

عاد إلى الولايات المتحدة غير مقتنع بأن القصة تنتهي هنا، وعندما وجد نفسه في الجامعة مجدداً، يدرس القانون، مبتعداً بذلك عن حياة السفر والتنقل، سيطرت عليه مشاعر غريبة.

اشتاق للسفر وللمغامرات، وللقاء أشخاص من دول مختلفة، يتبادل أحاديث غير مخطط لها معهم.

كان عمار يفكر دائماً بطريقة تسمح للآخرين بخوض التجارب التي خاضها، دون حاجتهم إلى السفر، ومن هنا انطلقت فكرة Portals، أو "البوابات"، التي أراد من خلالها إتاحة فرصة لأناسٍ من دول مختلفة للتواصل مع بعضهم.

كان عمّار، بفضل هويته المتعددة الثقافات، مؤمناً بالنظرية القائلة بأنّ التكنولوجيا تحوّل العالم إلى قرية كونية صغيرة، وذات يوم، طرح على نفسه سؤالاً: "ماذا لو فتحتُ باب غرفةٍ صغيرة ووجدت بداخلها شخصاً من بلد آخر يتكلم معي؟"

وبعد أشهر من البحث، قرّر عمّار الانطلاق بمشروعه. يقول لرصيف22: "كان لجدتي حلمٌ قبل أن نفقدها، وهو التجول في شوارع باكستان من جديد، ورؤية ما آلت إليه الأمور في بلدها، ولكنها غادرت البلاد منذ زمن بعيد ولم تبقَ على اتصال بأي شخص هناك".

لهذا، كانت فكرة تواصلها مع سكان باكستان شبه مستحيلة، ولكنّ عمّار لطالما قال لها أن التكنولوجيا ستُمكّن الناس يوماً ما من التواصل مع غرباء وحتى التواجد في بلد آخر بكبسة واحدة.

وعند سؤاله عما إذا كان المشروع جزءاً مما تقوم به شبكات التواصل الاجتماعي، كقدرتنا على الاتصال بالأصدقاء عبر سكايب، على سبيل المثال، كان جواب عمّار: "الهدف من مشروعي مختلفٌ تماماً، أردت أن أشجع غرباء على التواصل بين بعضهم، عابرين للقارات، دون اللجوء إلى أي من شبكات التواصل المستخدمة".

مصمما المشروع: عمّار باكشي، وميشيل مقتدر، وفي الوسط سيرجي برين، مؤسس غوغل. مصمما المشروع: عمّار باكشي، وميشيل مقتدر، وفي الوسط سيرجي برين، مؤسس غوغل

كيف تحولت الحاوية من غرفة صغيرة إلى تجربة مثيرة

انطلق بالعمل على بوابته الأولى في حديقة منزل العائلة، ولكي يتحول المشروع الحلم إلى حقيقة، اشترى عمّار حاوية كبيرة، إلا أن حجمها ولونها تسببا بإزعاج لجيران العائلة الذين طلبوا منه إزالتها.

أصرّ عمار على إكمال مشروعه ووعدهم بتغيير ألوانها كي تراعي البيئة المحيطة.

اختار مصمم المشروع اللون الذهبي للحاوية: "أردت أن تكون الحاوية سحرية، لأن "الحاوية" عادةً لا ترتبط بفكرتنا عن المكان المريح. أردت لها أيضاً أن تتسم بطابع مستقل وجديد، لا يخيف الزائر، فقررت أنْ أعيد ترتيبها من الداخل، واخترت اللون الرمادي".

ويضيف: "بعد الانتهاء من التنظيف والتزيين، بدأنا باختيار الكاميرات المناسبة والتي يمكن أنْ تعكس عمق الحاوية وأنْ تخلق نوعاً من المدى للعين، كي لا يشعر المشارك بأنه داخل حاوية صغيرة مغلقة".

بعد الانتهاء من تصميم وتجهيز الحاوية الأولى، كان لا بد من العمل على حاويات في بلدان أُخرى، فاختار فريق "بوابات" إيران وكوبا وأفغانستان.

ولكن رحلة التجهيز للمشروع لم تكن سهلة، بل واجتها صعوبات عديدة ومنها عدة تبليغات دفعت بمكتب التحقيقات الفدرالي لزيار عمار وتفقد باحته الخلفية والحاوية السحرية، معتقدين أن ما يقوم به هو تجمع إرهابي، ليتبين لهم بعد التحقيق أنه مشروع فني.

"بوابة" بين أفعانستان وألمانيا، أيار 2016. "بوابة" بين أفعانستان وألمانيا، أيار 2016

استخدم عمار صداقاته ومعرفته بأشخاص جمعته بهم رحلات مهنة الصحافة ليكوّن بذلك شبكة من المهتمين بمشروعه حول العالم.

يقول عمار أن جهود أولائك الأصدقاء هي التي سمحت بتطوير المشروع ووصوله إلى عدد من البلدان التي قال له البعض أنّ إنشاء حاوية فيها سيكون شبه مستحيل، ومنها إيران.

أقوال جاهزة

شارك غردماذا لو فتحتُ باب غرفةٍ صغيرة ووجدت بداخلها صديقاً جديداً؟ مشروع "بوابات" يقدم فرصة لتحقيق ذلك

شارك غردمشروع مبتكر لخلق صداقات عبر القارات

أشكال التواصل المحلية

يعتمد عمار وفريقه الصغير على تعاون مع السكان المحليين في البلد الذي يختاره لبناء "بوابة" جديدة، والمشروع لا يقتصر على حاويات، حيث أنها لا تكون متوفرة أحياناً.

هناك استثناءات بحسب عمار الذي يقول "اضطررنا أحياناً إلى بناء بوابتنا داخل غرفة صغيرة في مدرسة، أو حتى في خيمة بباحة خلفية، الفكرة تبقى مشابهة ولكن إعدادها رهنٌ بما يتوفر محلياً، عندما قررنا أن نخوض التجربة في إربيل مثلاً، لم نستخدم حاوية لأنها لم تكن متوفرة".

لا يزور عمار كل البلاد التي ينتشر مشروعه فيها، فهو يعتمد على صلاته ومجموعات من الفنانين والسكان المحليين الذين يبدون اهتماماً بتطوير المشروع، فيرشدهم إلى طرق التطبيق ويقدم النصائح لهم ليكونوا بذلك شركاء ببناء بوابتهم الخاصة نحو العالم.

ومن هنا بدأت بوابات لقاء من العراق وفلسطين، وكوبا، وإيران والأردن وألمانيا وأمريكا والهند.

يقول عمار أن فكرة الحاويات قد تكون مريبة للبعض. ففي عدة بلاد مثل أفغانستان، وهو بلد يشهد تهريب ونقل المهاجرين عبر حاويات مماثلة في شاحنات كبيرة، الحاوية مرتبطة بهذه الممارسات المرعبة.

ولكن يبقى السرّ في عمل الفريق في التصميم لتحويل الحاوية من مكان مخيف إلى مألوف يرحّب بالجميع.

الدخول إلى الحاوية، غير مألوف لمعظمنا، وهو مثيرٌ ومخيفٌ، مثل الدخول إلى غرفة مظلمة، بحسب توصيف عمار: "لا يستطيع الزوار التكهن بما قد ينتظرهم، ولكنهم بالتأكيد سيندهشون".

ولكن، كيف تفاعل الزوار مع المشروع؟

يعتقد من يزور "البوابات" للمرة الأولى أنه مقبل على دخول غرفة كبيرة فيها شاشة تنقل له محادثة بسيطة مع شخص في بلد آخر، ولكن تجربة دخول البوابة تقدم غير ذلك، فهي مفاجئة ومثيرة.

عمل الفريق على عكس صورة حقيقية للمحادثات بطابع واقعي قدر الإمكان. في الغرفة لا شيء يشتت انتباه الزائر، ويساعد الظلام في التركيز على الشخص الذي يقابله الزائر في الجهة المقابلة.

"ردود الفعل كانت ملهمة ودفعتني للتمسك بمشروعي أكثر"، كما يقول عمّار بحماسة.

"فالبعض يدخل إلى البوابة متوقعاً عرضاً عادياً وبعض الأفكار الجديدة المتعلقة بالتكنولوجيا، ولكنهم يخرجون بصداقات جديدة. عدد كبير من الزوار خلق صداقات حقيقية عابرة للقارات بسبب زيارتهم البوابات، البعض جلس وشاهد أعمالاً فنية".

ويضيف: "بعض الزوار صدموا أنّ من أمامهم على الشاشة شخصٌ من مخيم في إربيل يتكلم الإنكليزية، ويناقش أموراً اجتماعية وسياسية تحصل في الولايات المتحدة، وأنه مطلع على تفاصيل السياسية الأميركية". 

يشكل مشروع البوابات أيضاً تحدياً في قدرته على كسر النمطية التي تعكسها الأخبار أو وسائل إعلام، خاصة في الولايات المتحدة.

فالآن يستطيع الزائر أن يعرف أخبار بلد ما من السكان نفسهم، ومن هنا ينبع طموح الفريق الذي يود أن يتوسع بالمشروع ليصل إلى أكبر عدد ممكن من الدول.

وعلى الرغم من الرغبة بالتوسع، يحاول الفريق الترويج لقضايا محدودة وذلك لأنّ ما يجمع الناس لا يتوقف بالضرورة على المواضيع المعقّدة. فالحديث المرح، المنفتح الصادق، يخلق جوّاً من الإلفة مع اختلاف وجهات نظر المشاركين السياسية أو الاجتماعية أو الدينية.

بوابات بذلك يحاول أنْ يحتوي أناس من جميع الخلفيات والآراء، ومع أنّ رؤية المشروع سياسية، بمعنى أنّها انتقاد لسرديات السياسات وانتفاعها من تكريس الصور النمطية والمسيئة للشعوب، إلا أنّ التطبيق في صمميه ذو طابع إنساني بحت.

بوابة من السجن إلى العالم

يأمل عمار وفريقه إنشاء بوابات تُحدث تغييراً على الصعيد الاجتماعي أيضاً، من هنا يتسع مشروع البوابات ليشمل السجون.

يطمح عمار إلى تصميم بوابة خاصة بالسجن، تحضّر أولائك الذين سيتم إطلاق سراحهم إلى الحياة في المجتمع، عبر تأمين تواصل لهم مع مراكز متخصصة باللغات، أو مقابلات خدمات اجتماعية وعمل، أو حتى استكشاف صداقات جديدة.

وسيكون للمحكومين مدى الحياة حصة أيضاً، لأنهم كما يقول عمّار "يستحقون فرصاً أفضل تساعدهم على استثمار أوقاتهم في السجن، فمن يتحضر للخروج ومتابعة حياته بعيداً عن الزنزانة سيحتاج بالتأكيد لتحضير".

يقول عمار الذي يؤمن بأن لمشروعه دوراً اجتماعياً تعليمياً، أنّ من يقضي عقوبة مدى الحياة في السجن، "له الحق بالولوج إلى الأخبار والعالم الخارجي ولو من داخل زنزانته، لكي تحافظ روحه على حيويتها".

على عكس أخبار العالم التي تشجّع على التشكيك والتخويف من الآخر، يقدّم مشروع "بوابات" روحاً جديدة للتواصل، تضع الإنسان قبل كل شيء، وتحتفل بإثارة التعرّف على أشخاص لم نلتق بهم من قبل، وبالقدرة السحرية للقاء قصير وحديث بسيط على خلق ودٍّ وصداقات جديدة.

لونا صفوان

لونا صفوان، صحافية لبنانية. عملت في عدد من المواقع الإلكترونية الناطقة باللغتين العربية والانكليزية على تغطيات أحداث الربيع العربي، الرقابة والحريات الصحافية.

التعليقات

المقال التالي