الوصيات على العرش: عندما كانت السلطة الحقيقة في يد النساء

الوصيات على العرش: عندما كانت السلطة الحقيقة في يد النساء

كانت أمور السلطة والحكم في العصور القديمة دائماً بيد الأقوياء، ومع أنّ الشرق القديم عرفَ نساء قائدات نجحن في حكم ممالكهنّ، إلا أنّ السلطة في التاريخ الإسلامي باتت حكراً على الرجال دون النساء، ولم تعترف الخلافة إلاّ بحقّ الأبناء والأخوة والأحفاد من الذكور.

ولكنّ التاريخ الإسلامي شهد أزمات قاسية، كادت تودي بالحكم لولا تدخّل نساء اتخذن من الوصاية على الخلفاء والملوك الصغار، سبيلاً لحماية الخلافة، وفي نفس الوقت لتحقيق طموحاتهن التي لم يكن لها حدّ ولا نهاية.

فكيف استطاعت هذه الشخصيات من النساء أنْ تصلَ إلى السلطة وأن تُسيّر الجيوش وتدير الدول والممالك، وأنْ تجابه مظاهر القسوة والجبروت والعنف؟

الخيزران: السلطة عندما تهزم التاريخ

لم تشتهر أيٌّ من نساء خلفاء دولة بني العباس، كما اشتهرت الخيزران بنت عطاء، زوجة الخليفة المهدي وأم ابنيه موسى الهادي وهارون الرشيد.

كانت الخيزران جارية يمنية الأصل، تم استقدامها إلى بغداد حيث اشتراها الخليفة المهدي، وأحبّها بشغفٍ، حتى أنه أعتقها وتزوجها في خطوة نادرة الحدوث في البيت العباسي.

عُرفت الخيزران بدورها الجريء في مختلف أمور الدولة، وبأنها كانت دائماً، بفضل مكانتها عند زوجها الخليفة، تشارك في ممارسة السياسة وقرارات الحكم والسلطة.

وبعد وفاة المهدي في 169هـ/785م، ووصول ابنها موسى الهادي إلى كرسي الخلافة، كما يخبرنا الطبري، يبدو أن الخيزران استمرت في دورها في تسيير شؤون الحكم، وفرض الوصاية على ابنها الخليفة.

يصفها الطبري في كتابه تاريخ الرسل والملوك، بأنها كانت تسيطر عليه، و"تسلك به مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي". كما صوّر المؤرخون علاقتها بابنها بالشائكة، حيث قيل بأنّ الهادي طلب منها أن تكفّ عن تدخلاتها، وأمرها بأن تقضي البقية الباقية من حياتها في الصلاة والطاعة.

كما نُسِجت حول خبرتها في السياسة قصصٌ عن تعلقها بالسلطة، فقيل بأنها عملت على قتل ابنها والتخلص منه في فترة مرضه. فيذكر الطبري، على سبيل المثال، أنّ سبب موت الهادي هو أنّ أمه قد "دست إليه من جواريها لما مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه".

بعد إتمام البيعة لابنها الأصغر هارون الرشيد، تعززت مكانة الخيزران، واستمرّ دورها في السلطة والحكم، حتى توفيت بعد ابنها الهادي بعامين فقط في 172هـ/789م.

صبح البشكنشية: الباسكيّة التي حكمت قرطبة

INSIDE_RulingWomen_subh هدية الخليفة إلى صبح بعد انجابها ابنه الأول سنة 966، حسب ما يشير تسجيل الوعاء، متحف الآثار الوطني الإسباني في مدريد.

في قرطبة حاضرة الأندلس وعاصمتها أيّام الخلافة الأموية، شاءت الأقدار أن تصل فتاة من إقليم الباسك شمال شبه الجزيرة الإيبيرية، الذي كان يدعى وقتها "بلاد البشكنش"، إلى سدة الحكم وهرم السلطة والنفوذ، كانت تُدعى أورورا، وعُرفت في قرطبة باسم صبح البشكنشية.

كانت صبح قد قدمت إلى الأندلس من بلادها كجارية تمّ بيعها أكثر من مرة، إلى أنْ شاهدها ولي العهد الأمير الحكم المستنصر ابن الخليفة عبد الرحمن الناصر، الذي كان من أقوى ملوك الدنيا في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي.

أعجب الحكم بصبح، فاشتراها وصارت أقرب الناس إلى قلبه، وزادت مكانتها عنده بعد أن ولدت ابنه هشام المؤيد بالله.

ومع وفاة عبد الرحمن الناصر ووصول الحكم المستنصر إلى كرسي الخلافة في 350هـ/961م، انفتح باب السلطة والحكم أمام صبح على مصراعيه، فكانت تشارك في شؤون الحكم في الكثير من الأوقات، وفي عدد من المسائل السياسية المتعلقة بأمور الدولة.

ولكن مشاركة صبح في الحكم بدأت بشكل أوسع في المرحلة التي تلت وفاة زوجها، ذلك أن الحكم كان قد عين لجنة وصاية ثلاثية على ابنه وولي عهده هشام الذي لم يزد عمره عن بضع سنين وقت وفاته.

تكونت تلك اللجنة من الوزير الأكبر جعفر المصحفي، وصاحب الشرطة محمد بن أبي عامر، وصبح، وكان من الطبيعي أن تنشأ خصومات وتحالفات ما بين أفراد اللجنة وبعضهم البعض. لكنّ اختيارها لتكون في لجنة الوصاية يشهد على ثقة الخليفة بصبح وبحنكتها السياسية.

كان أنْ تحالفت صبح مع ابن أبي عامر، واستطاعا معاً أن يقضيا على نفوذ الوزير، وبدأ حكمهما للأندلس لبضع سنين، حتى ثارت الخلافات فيما بينهما بعد طول ود وتوافق، ونتج عن ذلك استئثار ابن أبي عامر بالسلطة وحده، وتم عزل الخليفة هشام مع أمه صبح في قصرهما في مدينة الزهراء.

ورغم هزيمتها، فقد ظلت صبح تعمل على التدبير والتفكير لاستعادة مُلك ابنها، إلى آخر أيّامها.

ست الملك: صاحبة الحنكة السياسية والقبضة الحديدية

INSIDE_RulingWomen_setelmoluk

شهدت الدولة الفاطمية ظهور عدد من الشخصيات النسائية اللاتي مارسن العمل السياسي، واستلمن أمور السلطة.

أحد أهم تلك الشخصيات، وأكثرها نجاحاً، هي الأميرة ست الملك التي ولدت في عام 359هـ/970م، وكانت ابنة للخليفة الفاطمي الخامس العزيز بالله.

بدأت مشاركة ست الملك في العمل السياسي منذ عهد أبيها، حيث لمس ذكاءها وحنكتها، فقربها من دوائر الحكم وحرص على سماع مشورتها فيما يخص شؤون الدولة.

وبعد وفاة أبيها ووصول أخيها الصغير الحاكم بأمر الله لعرش الخلافة الفاطمية، عملت ست الملك على تسيير أمور الدولة، وفرضت سيطرتها على قراراته، واقتسمت السلطة مع الوزير برجوان الذي كان الحاكم الحقيقي للدولة.

في قصتها على يدي المؤرخين، قيل بأن علاقتها لم تكن وديّة مع أخيها الحاكم الذي أبعدها عن الحكم، وحدّ من دورها في السياسة. ولكن معظم الأخبار تشير إلى أنّ ست الملك قد استطاعت أن تُعيد إحكام قبضتها على الأمور مرة أخرى في عام 411هـ/1021م،

كما يذكر عددٌ من المؤرخين، ومنهم تقي الدين المقريزي في كتابه اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء، أنّ ست الملك قد قامت بتدبير مؤامرة مع بعض أعوانها لقتل الحاكم، وبأنّها روّجت بين اتباعه أنه اختفى وغاب.

بعد اختفاء الحاكم، تمّت البيعة لابنه الذي حمل لقب الظاهر لإعزاز دين الله، وكان لا يزال في السادسة عشر من عمره. ولصغر سنّه، حملت ست الملك مسؤولية حكم البلاد، وكانت هي الآمر الناهي، وسيّرت شؤون السلطة والحكم بحزم، وظلت كذلك حتى توفيت في 413هـ/1023م.

أم الخليفة الفاطمي المستنصر بالله: حاكمة صارعت ظروفاً مستحيلة

إذا كانت ست الملك، نموذجاً لنجاح المرأة الفاطمية في العمل السياسي، فإن أم الخليفة المستنصر، كانت على العكس من ذلك نموذجاً للفشل الذريع جرّاء ظروف قاسية تعرّضت بسببها الدولة للأخطار والمهالك.

أقوال جاهزة

شارك غردعندما استلمت النساء الحكم، كانت تجاربهنّ مثل حكم الخلفاء: منهنّ من نجح واستمر، ومنهنّ من صارع ظروفاً صعبة وانهزم.

شارك غردالحنكة السياسية وقوة الشخصية والخبرة، هذه بعض الصفات التي تمتعت بها الوصيات على الحكم في التاريخ الإسلامي.

في عام 427هـ/1035م توفي الخليفة الفاطمي الظاهر لإعزاز دين الله، فآل أمر الخلافة إلى ابنه الصغير أبو تميم معد، الذي لقب بـالمستنصر بالله، ولما كان المستنصر لم يبلغ بعد السابعة من عمره، فقد تولت أمه الوصاية عليه بشكل كامل حتى يصل لسن الرشد.

ومن الغريب أنه رغم كل القوة والنفوذ التي امتلكتهما أم المستنصر، إلا إننا لا نكاد نعثر على اسم لها في المصادر التاريخية التي تؤرخ للعصر الفاطمي، فجميع تلك المصادر اعتادت على أن تصفها بأم المستنصر، دون أن تختصها باسم أو لقب مميز.

استطاعت الدولة الفاطمية في الفترة المبكرة من وصايتها أنْ تمدّ نفوذها وسيطرتها إلى العديد من البلاد والأقاليم، فنجد أن إمبراطوريتها قد شملت كلاً من مصر وجنوب الشام وشمال أفريقية وصقلية والشاطئ الإفريقي للبحر الأحمر فضلاً عن بلاد الحجاز واليمن.

ولكن ومع مرور السنوات، بدأت الأثار السلبية في الظهور تباعاً على مسرح الأحداث.

ذلك أن أم المستنصر التي يصفها ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ، بكونها من أصل سوداني، قد عملت على رفع أقدار الجند السودانيين الذين كانوا جزءاً مهمّاً من الجيش الفاطمي في مصر، لحماية مكانتها، ولخلق توازن يحدّ من سلطة الجند المغاربة والجند الأتراك اللذين كانوا يمثلون القوة الرئيسة والأساسية في الدولة.

ونتج عن ذلك قيام الحروب الأهلية بين أقسام الجيش الفاطمي، وتدهورت أحوال البلاد. وتصادف ذلك كله مع حدوث المجاعات والقحط على مدار سبع سنوات كاملة، مما أدى لدخول البلاد المصرية في كارثة اقتصادية طاحنة، اعتاد المؤرخون على وصفها بـ"الشدة المستنصرية".

أما عن أم المستنصر، فقد ذكر بعض المؤرخين مثل ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة، والمقريزي في اتعاظ الحنفاء، أنّها قد تركت البلاد مع بناتها "وقت الشدة"، ورحلت إلى بغداد، وتركت ابنها الخليفة الشاب في القاهرة يتدارك الأوضاع المضطربة التي وصلت إليها البلاد.

تركان خاتون: صراع السلطانة مع الوزير

تعتبر السلطانة تركان خاتون واحدة من النساء القلائل اللاتي أتيحت لهن الفرصة للمشاركة في العمل السياسي في دولة السلاجقة، ولعل المشاركة الأبرز للسلطانة، قد ارتبطت بحادثة اغتيال الوزير نظام الملك. 

ففي عام 485هـ/1092م تم اغتيال الوزير السلجوقي الأعظم، على يد فتى متنكر في زي أحد المتصوفة، ورغم أن حادثة اغتيال الوزير قد اشتهرت بكونها مدبرة من الحسن بن الصباح زعيم طائفة الحشاشين المشهورة، إلا أن عدداً من المؤرخين من أمثال ابن الجوزي والذهبي، قد أوردوا آراء أخرى تجعل عملية اغتيال الوزير مدبرة من السلطانة تركان خاتون.

من المعروف أن تركان خاتون المنغمسة في شؤون الدولة السياسية، كانت تنافس الوزير نظام الملك، وكان السبب في ذلك الخلاف على وصاية عهد زوجها السلطان ملكشاه.

ففي الوقت التي كانت فيه تركان خاتون تعمل على أن يلي ابنها الصغير محمود عهد أبيه، كان نظام الملك يعمل للتمهيد لوصول بركياروق ابن ملكشاه الأكبر إلى العرش، وهو الأمر الذي أجج نار العداء ما بين السلطانة والوزير.

وبموت نظام الملك، انفتح الطريق أمام طموحات السلطانة، فبعد وفاة زوجها، سلّم الحكم لابنه الصغير محمود وكان عمره يوم تولى السلطنة أربعة أعوام فقط، فتولت والدته الوصاية عليه، وحاولت أن تفرض سيطرتها على الدولة.

ولكنّ ذلك لم يدُم، حيث أنّ الابن الأكبر بركياروق سرعان ما ثار عليها واستطاع أن يصل لعرش الدولة السلجوقية وأن يخلع أخاه الصغير من الحكم، ليضع حداً لطموحات السلطانة السياسية.

عن صورة الوصيات في كتابات المؤرخين

لأنّ معظم أخبار الخلافة وصلتنا من وجهة نظر المؤرخين وكتاباتهم، لا بدّ من التعقيب على صيغتها في توصيف حكم النساء في التاريخ الإسلامي.

بداية، نجد تكراراً لتصوير الوصيات على العرش على أنهنّ المسؤولات بشكل مباشر عن عمليات اغتيال منافسيهنّ.

فلا بدّ أن نسأل، هل كان ذلك جزءاً من معارك السلطة التي خضنها؟ أمّ أنّ ذلك نسقٌ سرديٌّ لجأ إليه المؤرخون لتأطير السلطة في يدي النساء، واحتواء ممارسة لم تكن في نظرهم مناسبة، أو مستحقة؟

نجدُ تأكيداً على هذا الميل الأخير في التعابير التي يستخدمها المؤرخون في الحديث عن سطلة الوصيات، فتوصف أدوارهن في السياسة على أنّها "تدخّل" أو "استيلاء"، مع أنّ وجودهنّ في مناصبهنّ، في معظم الأحيان، جاء بفضل خبرتهن وحنكتهن السياسية، وكذلك قوة شخصيتهنّ، وهي كلها صفات ضرورية لنجاح الحكم وتسيير شؤون البلاد.

وأخيراً، نرى أنّ المؤرخين يتجاهلون ذكر الجوانب الإيجابية لدور الوصيات، حتى عندما كُنَّ سبباً في استمرار السلطة وازدهار الخلافة.

المصادر: تاريخ الرسل والملوك للطبري؛ الكامل في التاريخ لابن الأثير؛ المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي؛ اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء للمقريزي؛ النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغري بردي.

محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

التعليقات

المقال التالي