محمد حمام... مطرب الجبهة الذي شارك بصوته في تخفيف آثار الهزيمة

محمد حمام... مطرب الجبهة الذي شارك بصوته في تخفيف آثار الهزيمة

قليلون جداً أولئك الذين يطوّعون فنهم لخدمة بلادهم في الأوقات الصعبة. محمد حمام أحد هؤلاء الفنانين الذين لم يدخروا جهداً في توظيف أصواتهم في وقت كان شديد السواد بعد حرب يونيو 1967.

حرب الاستنزاف

بعد هزيمة 1967، كان الشعور بالانكسار غالباً في الشارع المصري. جمع محمد حمام ابن حي بولاق القاهري وخريج كلية الفنون الجميلة متعلقاته واتجه إلى السويس.

ويذكر زياد عساف في كتابه "المنسي في الغناء العربي" أنه هناك غنى للناس في الشوارع وعلى الجبهة أثناء حرب الاستنزاف، وكان لأغانيه دور في رفع معنويات الناس وصمودهم.

التحق المطرب الراحل بمعسكرات تدريب المقاومة الشعبية، وغنى للجنود في الخنادق. سرد حمام ذكرياته في السويس لجريدة الشرق الأوسط في تقرير نشر عام 2002 قال فيه إن القوات المسلحة نظمت سنة 1968 معسكرات تدريب للمقاومة الشعبية، فذهب إليها وتدرب على حمل السلاح، وبدأ يغني في الجبهة طوال فترة النكسة من خلال حفلات كانت الشؤون المعنوية تنظمها هناك.

"كنت أغني في الخنادق واشتهرت أغنية "يا بيوت السويس" بين الجنود، وغنيت أمام عبدالمنعم واصل (قائد اللواء 14، مدرع) وتحسين شنن (رئيس أركان الفرقة المدرعة بالجبهة الشرقية) وفؤاد عزيز غالي (رئيس عمليات الفرقة الثانية، مشاة)، لكن المهم أني غنيت للعساكر المصريين، الذين أعادوا كرامة مصر في ما بعد"، قال.

رغم ما قدمه من أغانٍ في تلك الفترة، بقي حمام يُعرف من خلال أغنية "يا بيوت السويس" التي كتبها عبد الرحمن الأبنودي، ولحنها إبراهيم رجب.

يا بيوت السويس      يا بيوت مدينتي

استشهد تحتك       وتعيشي أنت

هيلا، هيلا، يالاه يا بلديا

شمر دراعتك         الدنيا اهيه

قام الملحن الراحل إبراهيم رجب بتلحين أغنية "يا بيوت السويس" مجاناً. فقد روى أنه كان ينتقي كلمات الأغنية التي يلحنها بحيث تتوافق مع مبدأه وتبتعد عن السائد، وإذا وجد ذلك كان يمكن أن يلحنها مجاناً، وحدث هذا في أغنية "يا بيوت السويس".

كانت الصداقة التي ربطت بين الأبنودي وحمام مدخلاً لعدد كبير من الأغاني التي ألفها الأول وغناها الثاني على جبهة القتال.

تعرف الشاعر الراحل على حمام بعد خروجه من السجن حيث كان معتقلاً بسبب مواقفه السياسية، واشتركا معاً في عدة أغان أخرى في أصعب الظروف التي مرت بها مصر في أواخر الستينيات من القرن الماضي، ووظفا هذا الفن في خلق حالة من الإرادة والتحدي في الشارع المصري آنذاك.

وسط الجنود، غنى حمام أغنية "الناس على المنارة" التي كانت تبشر بالنصر وتجاوز الهزيمة:

الناس على المنارة      لطول الليل سهارى

وعيونها ع الحدود

يا ليلة يا اللي فاتت     النجمة ياما شافت

سنابل يا سنابل     طالة من القنابل

بتقول يا شمس هالة       على بلدي فوق الغلة

ليلاتي راح نعود

وغنى أيضاً للمستقبل في أغنية "بكرة يطلع النهار":

والله لبكرة يطلع النهار يا خالة

والله لبكرة يطلع النهار يا خال

وتبقى الدنيا عال      والشمس تيجي من ورا الجبال

بحلم يا خال     بحلم بيوم معدول     وشغلة شريفة يا خال

وضحكة مرتاحة      ولقمة نضيفة يا خال

بحلم أنا      سنة ورا سنة يا خال

رغم الألم      حلمي لا ضاع مني ولا انتهى يا خال

"ولاد الأرض"

لم يغنّ حمام للجنود والناس في الشوارع منفرداً فقط، وإنما أيضاً مع فرقة "ولاد الأرض" التي كونها محمد الغزالي شاعر المقاومة الشعبية في السويس آنذاك، وكانت تصاحبها آلة السمسمية الموسيقية.

وحسبما ذكر حسين العشي في كتابه "سنوات الحب والحرب" تكوّنت الفرقة من مجموعة من الشباب الذين كانت تبلغ أعمارهم ما بين الثامنة عشرة والثلاثين عاماً، وكلهم كانوا من أعضاء المقاومة الشعبية ورفضوا التهجير خارج المدينة بعد الحرب، واستمروا داخلها طوال حرب الاستنزاف، وواجهوا كل أخطار المعارك اليومية.

بجانب حمام ضمت الفرقة الأبنودي الذي كان مقيماً بصفة شبه دائمة خلال سنوات الحرب بالسويس، والملحنين إبراهيم رجب وحسن نشأت والشاعرين عطية عليان وكامل عيد.

وذكر العشي أن حمام طاف مع الفرقة أيضاً في مختلف مدن مصر، حيث غنى لأبناء السويس الذين هُجّروا من المدينة إلى المحافظات الأخرى بعد الحرب، بهدف ربطهم وبث الأمل في عودتهم إلى أرضهم من جديد.

أقوال جاهزة

شارك غرد"يا بيوت السويس"، "الناس على المنارة"، "بكرة يطلع النهار"... أغانٍ رافقت الجنود المصريين على الجبهة

شارك غردغنى للناس في الشوارع وعلى الجبهة أثناء حرب الاستنزاف، وكان لأغانيه دور في رفع معنويات الناس وصمودهم

نهاية الرحلة

في شتاء 2007، غادر حمام الحياة بعد رحلة طويلة مع المرض. وباعتباره صاحب تاريخ نضالي طويل، يقول عساف: "تم نقل جثمانه بطائرة عسكرية ملفوفاً بالعلم المصري إلى مسقط رأس أسرته في أسوان، وهناك أطلقت المدفعية إحدى وعشرين طلقة، وفي مدينة السويس التي طالما غنى لها، تم تنكيس الأعلام حداداً على روحه".

وأطلق اسم حمام على أحد الشوارع الرئيسية في مدينة السويس نظراً لدوره الوطني المؤثر الذي تركه في نفوس الناس في الستينيات.

الجزائر والعراق وفرنسا

لم يشفع الدور الوطني الذي قام به حمام له لدى الرقباء في السبعينيات، فمنعت أغانيه في الإذاعة والتلفزيون، وذهب للعمل في الجزائر في مجال تخصصه الأكاديمي.

انتقل بعد ذلك إلى بغداد وسجل عدة أغان بصوته للإذاعة هناك، ثم حطت به الرحال في باريس وشارك كمطرب وممثل في فيلم من إنتاج تونسي فرنسي مشترك بعنوان "سفراء"، وسجل بصوته أغنيته الشهيرة "بابلو نيرودا"، وبيعت منها آلاف النسخ في فرنسا وأمريكا اللاتينية والبلاد العربية، بحسب عساف.

تميّز حمام عن مطربي جيله بعدة ميزات. قالت الناقدة الفنية ماجدة موريس لرصيف22 إن صوته كان جميلاً وبه "بحة" (خشونة محببة في الصوت) لم تكن موجودة في كثير من الأصوات الغنائية وقتئذ.

ولفتت إلى أن أغلب الشعراء الذين كتبوا لحمام أغانيه مثل مجدي نجيب وعبد الرحيم منصور والأبنودي، وكذلك الملحنين مثل إبراهيم رجب ومحمد الموجي، كانوا قريبين منه إنسانياً، وربطتهم به صداقات قوية ساهمت في اختيار كلمات وألحان كانت ملائمة لشخصيته.

وبحسب عساف، فقد دخل حمام السجن في أواخر الخمسينيات خمس سنوات لأسباب سياسية، وهناك التقى الفنان والصحفي حسن فؤاد الذي سبق واستمع إليه وهو يؤدي الأغاني النوبية في الكلية، وقدمه فؤاد للأوساط الفنية بعد خروجه من السجن.

الخطوة الأولى في مسيرته الفنية كانت ظهوره في حفل أضواء المدينة الذي أقيم في سينما قصر النيل. ومن شدة ارتباك حمام وخوفه في تلك الحفلة وضع يديه في جيوبه وهو يغني أمام الجمهور العريض وخلفه الفرقة الماسية الموسيقية بقيادة أحمد فؤاد حسن، وهي الفرقة التي صاحبت كبار نجوم الغناء في مصر والدول العربية.

مشاركات سينمائية

لحمام بعض المشاركات السينمائية الأخرى. في أوائل التسعينيات، شارك في فيلم "العشق والسفر" مع محمود مسعود وحنان ترك وإخراج هاني لاشين، وقبل ذلك في أواسط السبعينيات شارك بالتمثيل والغناء في فيلم "الظلال على الجانب الآخر" للمخرج الفلسطيني غالب شعث، وبطولة أحمد مرعي ومديحة كامل ومحمود ياسين ونجلاء فتحي، وبالغناء فقط شارك في فيلم "ألو... أنا القطة" عام 1975 مع الفنان عادل إمام.

وذكر عساف أن المطرب الراحل قام بالغناء في مسلسلات إذاعية شهيرة وهي "الأم" و"شفيقة ومتولي" و"عابر سبيل"، وفي التلفزيون شارك بالغناء في مسلسلي "الرحلة" و"وسط الزحام".

حمام أول من غنّى "الليلة يا سمرا" التي كانت سبباً مباشراً في شهرة المطرب محمد منير عندما أعادها بصوته بعد ذلك.

وروت لينة مجاهد، حفيدة الشاعر والأديب اليساري المصري الراحل زكي مراد، لرصيف22 قصة الأغنية. كان جدها مسجوناً في سجن الواحات عام 1962 مع الشاعر الراحل فؤاد حداد والملحن الفنان أحمد منيب وحمام.

وفي الأول من سبتمبر في ذاك العام، والذي كان يوافق عيد ميلاد جدها، صدرت أوامر من قيادات السجن بتكدير السجناء، إلا أنهم تحدوا الأوامر، وقام حداد بكتابة كلمات الأغنية ولحنها منيب وغناها حمام وأهدوها لجدها.

ومن أكثر أغاني حمام تأثيراً في الناس أغنية "الأم" التي كان يتابعها المستمعون من خلال المقدمة الغنائة لمسلسل يحمل عنوان هذه الأغنية.

ظل حمام طوال حياته بعيداً عن الشهرة التي يستحقها. ذكر عساف أن الأبنودي صديق المطرب الراحل أرجع ذلك إلى تنقله بين العمل والفن وإلى أنه كان صاحب موقف ولم يساير موجة الغناء الهابط، ولم يكن يجيد بناء العلاقات العامة والطرق الخفية التي تصنع نجومية الفنان. وبهذا عاش فقيراً ومات فقيراً.

كما أن ظهور الفنان محمد منير وتقديمه الأغنية النوبية بطريقة أكثر "شبابية" أسهم أيضاً في غياب محمد حمام عن الوسط الفني.

ورغم نسيان الفضائيات والمحطات الإذاعية لكل ثروة جمام الغنائية، فإن فنه عاش في ذاكرة الجماهير وتجلى ذلك حين استعاد الناس أغانيه ورددوها في ميدان التحرير أثناء ثورة 25 يناير.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي