أن يكون زوجك "شبحاً" في مصر...

أن يكون زوجك "شبحاً" في مصر...

أمام مدخل مركز لدعم المرأة في محافظة دمياط أقصى شمال القاهرة، وقفت ميادة الإمام (27 عاماً) تنتظر أي خبر يطمئنها عن زوجها المفقود.

تحمل رضيعتها ريتال، التي لم يتجاوز عمرها ستة أشهر، وتمسك ابنها عمرو ( 4 سنوات) الذي يحاول أن يفلت من قبضتها ليدخل غرفة الأطفال المجاورة ويلعب بالدمى الموجودة في مركز زيتونة لحقوق الطفل ودعم المرأة.

هّبت رياح قوية يوم 29 يناير 2016، أُطلق عليها اسم "نوة الكرامة" بالتزامن مع اقتراب مركب من جزر السبعات على حدود السودان.

يُعتقد أن سرعة هذه الرياح تسببت في اختلال توازن مركب "زينة البحرين"، واصطدامه في الشعاب المرجانية، وفقدانه وعلى متنه 12 شخصاً. لكن فرق الإنفاذ لم تعثر على أشلائهم أو جثثهم أو على المركب.

في بداية شهر فبراير علمت الإمام أنها حامل في الشهر الثالث، وكانت تشاهد الأخبار في وسائل الإعلام المصرية وقتذاك، وتسمع عن غرق مركب صيد على الحدود المصرية السودانية.

تقول إنها لم تعِر الأخبار انتباهاً، فهي لم تكن تعرف اسم مركب زوجها.

فضلت أسرتها عدم إخبارها بأن زوجها من بين المفقودين خوفاً على صحتها وصحة الجنين. وبعد تجاوز المدة المحددة لعودته شكّت في الأمر، فعلمت أن زوجها كان على متن المركب.

فُقد أحمد جاهين، حينما كانت زوجته ميادة حاملاً، وبقي مفقوداً عندما أنجبت طفلتها.

من المفقود ؟

حينما تتحدث الإمام عن زوجها الغائب تختار تعابيرها بحذر، فهي لا تحسبه في عداد الأموات ولا تجزم أنه حي.

هو مفقود، والمفقود قانونياً كالشبح، لا نعلم إن كان موجوداً، ولا يُقدم ولا يؤخر في المعاملات الحكومية.

تعريفه أنه الشخص الذي غاب عن أهله وانقطعت أخباره بحيث لم يعد محققاً أهو حي أم ميت. ولا يعد مفقوداً من تحققت حياته حتى ولو غاب عن أهله وطالت غيبته، وعلى الجانب الآخر لا يعتبر مفقوداً من تحققت وفاته حتى ولو لم يعثر على جثته.

"يعتبر حياً فيما ينفع لا فيما يضر، والأصل هو بقاؤه على قيد الحياة والشك هو وفاته وانتهاء حياته"، يقول دكتور أحمد مهران أستاذ القانون العام ومدير مركز القاهرة للدراسات السياسية والقانونية. ويشير إلى أن الزوجة يجب أن تقنن وضعها في طلب الولاية لفقد الزوج ما دام الأطفال في فترة حضانتها القانونية.

العودة للأهل

لا تحبذ الكثير من طبقات المجتمع المصري أن تعيش امرأة في منزل بمفردها، خصوصاً في حالات الفقد والتغيب.

وهذا ما تعانيه الإمام. حالياً تعيش في منزل أهلها في مدينة دمياط، بعدما تركت بيتها في مدينة عزبة البرج منذ تغيّب زوجها. ويتكفل أهلها بمصاريف طفليها، لكن الوضع بالنسبة لها غير طبيعي ولا يريحها.

تقول لرصيف22: "بيت أهلي كويس وهما موفرين ليا كل حاجة، لكن العيش في بيت جوزي مختلف تماماً".

بدأ ابنها بمقارنة وضعه الأسري بوضع الأطفال من حوله، ويسألها عن والده. "الآن أقول لعمرو أن والدك في الشغل، لا أعلم ماذا سأقول إلى ريتال في السنين المقبلة"، تضيف الإمام.  

الدولة تتعامل مع الزوج

غياب الزوج وضعها أمام مشاكل عدة في الإجراءات القانونية، فلم تتمكن من تجديد بطاقة صرف السلع التموينية لأن المعاملة تتطلب وجود زوجها. حتى هويتها الشخصية، لم تتمكن من تجديدها بدون صورة من بطاقة زوجها وجدتها بالصدفة في المنزل.

"لولا هذه النسخة لما جددت البطاقة لعدم وجود صورة بطاقة زوجي التي ترفق مع المستندات التي تقدم إلى مكتب السجل المدني"، تقول الإمام.

علماً أن الصعوبات بدأت مع إنجابها إبنتها ريتال إذ يُفترض أن يسجلها والدها أو أحد أقاربه من الدرجة الأولى لتستخرج لها شهادة ميلاد. "أنا كنت في مدينة بعيدة عن منزل زوجي وعائلته"، تقول الإمام، وهذا جعل الأمر صعباً.

الموقف السابق جعل الإمام تفكر كثيراً في الصعوبات التي ستواجها مستقبلاً مع الحكومة نتيجة فقدان زوجها وعدم وجود تقنين لوضعها، لعلّ أبرز تلك الصعوبات تسجيل ابنتها في المرحلة الابتدائية، التي تتطلب وجود الزوج، ومصاريف التعليم.

الطلاق

تظل الزوجة على عصمة زوجها برغم فقده، فإن تضررت من الغيبة الطويلة يكون لها الحق في طلب تطليقها طلاقاً بائناً من المحكمة بعد سنة من الغياب.

وإذا انقضت سنة على غياب الشخص وترتب على هذا الغياب تعطل مصالحه، فإن على المحكمة أن تحكم بتثبيت الوكيل الذي يكون الغائب قد عيّنه قبل غيابه. فإن لم يكن الغائب قد عيّن وكيلاً، فللمحكمة أن تعيّن وكيلاً عن الغائب لإدارة أمواله وأموره.

يقول مدير مركز القاهرة للدراسات السياسية والقانونية لرصيف22 إنه في حالة زواج المرأة بعد تطليقها، ثم ظهر الزوج المفقود، فبعض المذاهب يخيّر الزوجة بين الزوجين، لكن المعمول به هو بقاؤها مع الزوج الجديد.

ويضيف أن المرأة التي تغيّب زوجها، تقدم طلباً إلى قاضي الأمور الوقتية بمحكمة الأسرة ليكون لها الحق في إنهاء إجراءات التقديم أو النقل داخل وزارة التربية والتعليم بدلاً من زوجها، وذلك تطبيقاً للدستور في أحقية الطفل بالتعليم.

"للزوجة حق طلب التطليق من القاضى لغياب الزوج ولا تقبل الدعوى إلا بانتهاء المدة المقررة في القانون وإذا انتهت المدة المحددة في القانون تصدر المحكمة حكمها باعتبار الزوج المفقود ميتاً ويكون للزوجة الحق في الزواج من آخر"، يقول مهران.

أقوال جاهزة

شارك غردزوجات بلا أزواج، رجالهم ليسو أحياء ولم تثبت وفاتهم. فكيف ينظر إليهن القانون المصري؟

شارك غردتجديد بطاقة صرف السلع التموينية، تجديد الهوية الشخصية، تسجيل الأبناء في المدرسة ومعاملات كثيرة لا يمكن إتمامها دون الزوج. لكنه غائب

تختلف هذه المدة المقررة بين حالات الفقد والهلاك.

فمن حق الزوجة طلب التطليق، لفقد أو تغيب الزوج، ويصدر حكم قضائي بعد انقطاع أخباره بـ4 سنوات على الأقل، وقد خفضت إلى سنة واحدة، في الظروف التي يغلب عليها طابع الهلاك مثل الحروب أو الأمراض المهلكة أو الغرق.

أما الفقد في ظروف لا يغلب عليها الهلاك، فيقوم القاضي بتحديد المدة بعد إنهاء الإجراءات القانونية وتحريه عن الواقعة، ولا تقل المدة عن أربع سنوات.

لا تفكر الإمام في الطلاق بعد تغيّب زوجها عاماً ونصف العام، تقول بثقة إن الأمر يعتبر منتهياً: " لن أقدم على الطلاق، ولا أنوي الزواج مرة ثانيةً حتى لو استمر غيابه عشرين سنة".

شريك العمر

لم تتوقع نادية (اسم مستعار، فضلت عدم ذكر اسمها الحقيقي) (47 عاماً) بأن تعيش وحيدة في منزلها بعد فقد زوجها سيد عثمان يوم 22 أبريل 2017 أثناء ذهابه للعمل. تقول بنبرة هادئة لرصيف22: "كلمني قبل أن يبدأ شغله، كانت المكالمة الأخيرة التي سمعت فيها صوته، ثم انقطعت الأخبار، لا أعلم هل هو على قيد الحياة أم لا، لكني أشعر بوجوده".

يعمل عثمان (61 عاماً) سائقاً على توكتوك (وسيلة مواصلات تقلّ 3 أشخاص وهي منتشرة في مصر) في ضاحية حلوان جنوب القاهرة، 8 ساعات يومياً يتقاضى عليها 80 جنيهاً تقريباً (5 دولارات).

وقد ذهبت السيدة الأربعينية إلى كل مستشفيات المنطقة للبحث عن زوجها الغائب. وبالرغم من عدم وجود أي انتماء سياسي أو نشاط غير مشروع له، فقد بحثت عنه في جميع مراكز الشرطة، لكن من دون جدوى.

لا توجد في المقابل مؤسسة حكومية واحدة مسؤولة عن ذلك بشكل جمعي، إذ تقوم كل محافظة بمتابعة المفقودين في منطقتها، لذلك فعدد المفقودين في كل المحافظات غير دقيق.

كذلك ليس هنالك جمعية حقوقية في مصر تتبع حالات الفقد أو التغيب، غير الأمني أو السياسي. إلا أن هناك بعض المراكز التي تتعامل مع مثل هذه الحالات بصفة عامة ضمن عملها.

تقول سارة بيصر، مديرة مركز زيتونة لحقوق الطفل ودعم المرأة، إن هناك ندرة في وجود جمعيات أو منظمات نسوية تهتم بحالات فقد النساء لأزواجهم أو فقد الأمهات لأبنائهم أو حالات الفقد التي تعاني منها المرأة بشكلٍ خاص.

وتابعت لرصيف22 : "وبالرغم من إدراج بعض المؤسسات لحالات الفقد ضمن اهتماماتها بقضايا المرأة، فلم تحظَ بالاهتمام الكافي حتى الآن".

يظن أقرباء نادية أن مشكلتها تتلخص في الماديات أو في من يعيلها، لكن الوضع مغاير لذلك.

"أعيش حالياً في منزل أمي، بعد أن تركت بيتي، البعض يحاول مواساتي بكلمات، لكني لا أتأثّر بها. أبحث عن زوجي كل يوم، وانتظر رجوعه، لأنه أعز شخص في حياتي". تقول نادية لرصيف22.

الوضع المحير.. وانتهاء حياة

يظهر في المجتمع لقب جديد، "زوجة المفقود"، على غرار كل الألقاب التي تلاحق المرأة كغير المتزوجة (العانس)، والمتزوجة، والأرملة، والمطلقة.

لكن اللقب لا يعطيها أي صفة قانونية محددة، ولا يعد بحل للمشاكل التي تعاني منها في ظل بقاء وضعها القانوني غامض وغير مقنن.

ويصبح على زوجة الغائب أن تختار بين التوجه إلى المحاكم للتطليق وتبدأ حياة جديدة، أو تكمل حياتها على أمل عودته: "زوجة مفقود"، ليست أرملة ولا مطلقة ولا متزوجة.

كلمات مفتاحية
الزواج مصر

التعليقات

المقال التالي