أن يكون زوجك "شبحاً" في مصر...

أن يكون زوجك "شبحاً" في مصر...

وقفت ميادة الإمام (27 عاماً) أمام مدخل مركز لدعم المرأة في محافظة دمياط أقصى شمال القاهرة، تنتظر أي خبر يطمئنها عن زوجها المفقود.

تحمل رضيعتها ريتال، التي لم يتجاوز عمرها ستة أشهر، وتمسك ابنها عمرو (4 سنوات) الذي يحاول أن يفلت من قبضتها ليدخل غرفة الأطفال المجاورة ويلعب بالدمى الموجودة في مركز زيتونة لحقوق الطفل ودعم المرأة.

هّبت رياح قوية في نهاية يناير 2016، أُطلق عليها اسم "نوة الكرم" بالتزامن مع اقتراب مركب من جزر السبعات على حدود السودان.

يُعتقد أن سرعة هذه الرياح تسببت في اختلال توازن مركب "زينة البحرين"، واصطدامه في الشعاب المرجانية، و غرقه وعلى متنه 12 شخصاً، ولم تعثر فرق الإنفاذ على أشلائهم أو جثثهم أو حتى على المركب.

شاهدت الإمام الأخبار وكانت قد علمت لتوها أنها حامل. تقول إنها لم تعِر النبأ انتباهاً، فهي لم تكن تعرف اسم مركب زوجها.

فضلت أسرتها عدم إخبارها بأن زوجها من بين المفقودين خوفاً على صحتها وصحة الجنين، وبعد تجاوز وقت عودته شكّت في الأمر، فعلمت أن زوجها كان على متن المركب.

فُقد أحمد جاهين، حينما كانت زوجته ميادة حاملاً، وبقي مفقوداً عندما أنجبت طفلتها.

من المفقود ؟

حينما تتحدث الإمام عن زوجها الغائب تختار تعابيرها بحذر، فهي لا تحسبه في عداد الأموات ولا تجزم أنه حي.

هو مفقود، والمفقود قانوناً كالشبح، لا نعلم إن كان موجوداً، ولا يُقدم ولا يؤخر في المعاملات الحكومية.

تعريفه قانونياً أنه الشخص الذي غاب عن أهله وانقطعت أخباره بحيث لم يعد محققاً أهو حي أم ميت، ولا يعد مفقوداً من تحققت حياته حتى ولو غاب عن أهله وطالت غيبته، كما أنه لا يعتبر مفقوداً من تحققت وفاته حتى ولو لم يعثر على جثته.

يقول دكتور أحمد مهران، أستاذ القانون العام ومدير مركز القاهرة للدراسات السياسية والقانونية لرصيف22: "يعتبر حياً فيما ينفع لا فيما يضر، والأصل هو بقاؤه على قيد الحياة والشك هو وفاته وانتهاء حياته".

ويشير الدكتور إلى أن الزوجة يجب أن تقنن وضعها في طلب الولاية لفقد الزوج ما دام الأطفال في فترة حضانتها القانونية.

أقوال جاهزة

شارك غردزوجات بلا أزواج، رجالهم ليسوا أحياء ولم تثبت وفاتهم. فكيف ينظر إليهن القانون المصري؟

شارك غردتجديد بطاقة السلع التموينية، تجديد الهوية، تسجيل الأبناء في المدرسة ومعاملات لا يمكن إتمامها دون زوج. لكنه غائب

الدولة تتعامل مع الزوج...

غياب الزوج وضعها أمام مشاكل عدة تتعلق بالإجراءات القانونية، فلم تتمكن مثلاً من تجديد بطاقة صرف السلع التموينية حيث يتطلب التجديد وجود الزوج، كما أنها لم تتمكن من تجديد هويتها الشخصية بدون صورة من بطاقة زوجها عثرت عليها بالصدفة في المنزل.

و تقول الإمام: "لولا هذه النسخة لما جددت البطاقة لعدم وجود صورة بطاقة زوجي التي ترفق مع المستندات التي تقدم إلى مكتب السجل المدني".

إلا أن الصعوبات بدأت مع إنجابها ابنتها ريتال إذ يُفترض أن يسجلها والدها أو أحد أقاربه من الدرجة الأولى لتستخرج لها شهادة ميلاد.

تضيف الإمام: "أنا كنت في مدينة بعيدة عن منزل زوجي وعائلته وهذا جعل الأمر صعباً".

جعلها الموقف السابق تفكر كثيراً في الصعوبات التي ستواجهها مستقبلاً مع الحكومة نتيجة فقدانها زوجها وعدم وجود تقنين لوضعها، لعلّ أبرز تلك الصعوبات تسجيل ابنتها في المرحلة الابتدائية، التي تتطلب وجود الزوج..

الطلاق...

تظل الزوجة على عصمة زوجها برغم فقده، فإن تضررت من الغيبة الطويلة يكون لها الحق في طلب تطليقها طلاقاً بائناً من المحكمة بعد سنة من الغياب.

وإذا انقضت سنة على غياب الشخص وترتب على هذا الغياب تعطل مصالحه، حكمت المحكمة بتثبيت الوكيل الذي يكون الغائب قد عيّنه قبل غيابه، فإن لم يكن الغائب قد عيّن وكيلاً، فللمحكمة أن تعيّن وكيلاً عن الغائب لإدارة أمواله وأموره.

يقول مهران لرصيف22 إنه في حالة زواج المرأة بعد تطليقها، ثم ظهور الزوج المفقود، تخيّر بعض المذاهب الزوجة أحد الزوجين، إلا أن الجاري العمل به هو بقاؤها مع الزوج الجديد.

ويضيف أن المرأة التي تغيّب زوجها، تقدم طلباً إلى قاضي الأمور الوقتية بمحكمة الأسرة ليكون لها الحق في إنهاء إجراءات التقديم أو النقل داخل وزارة التربية والتعليم بدلاً من زوجها، وذلك تطبيقاً للدستور في أحقية الطفل بالتعليم.

"للزوجة حق طلب التطليق لغياب الزوج من القاضي ولا تقبل الدعوى إلا بانتهاء المدة المقررة في القانون، وإذا انتهت المدة المحددة في القانون تصدر المحكمة حكمها باعتبار الزوج المفقود ميتاً ويكون للزوجة الحق في الزواج من آخر"، يقول مهران لرصيف22.

تختلف هذه المدة المقررة بين حالات الفقد والهلاك.

فمن حق الزوجة طلب التطليق، لفقد أو تغيب الزوج، ويصدر حكم قضائي بعد انقطاع أخباره بـ4 سنوات على الأقل، وقد خفضت إلى سنة واحدة، في الظروف التي يغلب عليها طابع الهلاك مثل الحروب أو الأمراض المهلكة أو الغرق.

أما الفقد في ظروف لا يغلب عليها الهلاك، فيقوم القاضي بتحديد المدة بعد إنهاء الإجراءات القانونية وتحريه عن الواقعة، ولا تقل المدة عن أربع سنوات.

لا تفكر الإمام في الطلاق بعد تغيّب زوجها عاماً ونصف العام.

تقول بثقة من يعتبر الأمر مفروغاً منه: "لن أقدم على الطلاق، ولا أنوي الزواج مرة ثانيةً حتى لو استمر غيابه عشرين سنة".

شريك العمر

لم تتوقع نادية (فضلت عدم ذكر اسمها الحقيقي) (47 عاماً) بأن تعيش وحيدة في منزلها بعد فقد زوجها سيد عثمان يوم 22 أبريل 2017 أثناء ذهابه للعمل.

تقول بنبرة هادئة لرصيف22: "كلمني قبل أن يبدأ شغله، كانت المكالمة الأخيرة التي سمعت فيها صوته، ثم انقطعت الأخبار، لا أعلم هل هو على قيد الحياة أم لا، لكني أشعر بوجوده".

يعمل عثمان (61 عاماً) سائقاً على توكتوك في ضاحية حلوان جنوب القاهرة، 8 ساعات يومياً يتقاضى عليها 80 جنيهاً تقريباً (5 دولارات).

وقد ذهبت السيدة الأربعينية إلى كل مستشفيات المنطقة باحثة عن زوجها الغائب، وبالرغم من عدم وجود أي انتماء سياسي أو نشاط غير مشروع له، فقد بحثت عنه في جميع مراكز الشرطة لكن دون جدوى.

لا توجد في المقابل مؤسسة حكومية واحدة مسؤولة عن ذلك بشكل جمعي، إذ تقوم كل محافظة بمتابعة المفقودين في منطقتها، لذلك فعدد المفقودين في كل المحافظات غير دقيق.

كذلك ليس هنالك جمعية حقوقية في مصر تتبع حالات الفقد أو التغيب، غير الأمني أو السياسي، إلا أن هناك بعض المراكز التي تتعامل مع مثل هذه الحالات بصفة عامة ضمن عملها.

تقول سارة بيصر، مديرة مركز زيتونة لحقوق الطفل ودعم المرأة، إن هناك ندرة في وجود جمعيات أو منظمات نسوية تهتم بحالات فقد النساء لأزواجهن أو فقد الأمهات لأبنائهن أو حالات الفقد التي تعاني منها المرأة بشكلٍ خاص.

وتابعت لرصيف22: "وبالرغم من إدراج بعض المؤسسات لحالات الفقد ضمن اهتماماتها بقضايا المرأة، فلم تحظَ بالاهتمام الكافي حتى الآن".

يظن أقرباء نادية أن مشكلتها تتلخص في الناحية المادية أو في من يعيلها، لكن الوضع مغاير لذلك.
تقول نادية لرصيف22: "أعيش حالياً في منزل أمي، بعد أن تركت بيتي، البعض يحاول مواساتي بكلمات، لكني لا أتأثّر بها، أبحث عن زوجي كل يوم، وانتظر رجوعه، لأنه أعز شخص في حياتي".

الوضع المحير.. وانتهاء حياة

يظهر في المجتمع لقب جديد، "زوجة المفقود"، على غرار كل الألقاب التي تلاحق المرأة كغير المتزوجة (العانس)، والمتزوجة، والأرملة، والمطلقة.

لكن اللقب لا يعطيها أي صفة قانونية محددة، ولا يعد بحل للمشاكل التي تعاني منها في ظل بقاء وضعها القانوني غامض وغير مقنن.

ويصبح على زوجة الغائب أن تختار بين التوجه إلى المحاكم للتطليق وتبدأ حياة جديدة، أو تكمل حياتها على أمل عودته: "زوجة مفقود"، ليست أرملة ولا مطلقة ولا متزوجة.

كلمات مفتاحية
الزواج مصر

التعليقات

المقال التالي