بردة النبي التي توارثتها الأجيال من معاوية إلى هولاكو إلى أحمد شوقي

بردة النبي التي توارثتها الأجيال من معاوية إلى هولاكو إلى أحمد شوقي

هامَ على وجهه في الصحراء، يبحث عن قبيلة تجيره من القتل الذي كان يتيقن من وقوعه كما يرى الشمس في كبد السماء. لكن القبائل كلها ـ ومنها قبيلته "بني ربيعة بن المزني"ـ رفضت أن تجير كعبًا بن زهير، فَمَنْ  يستطيع اليوم أنْ يقف في وجه محمدٍ وأتباعه بعدما بسطت لهم الدنيا نفوذها وفتحت لهم ممالكها.

أخبره أخوه "بُجَير" أن رسول الله محمدًا أهدر دمه بعدما سمع شعره الذي يهاجم فيه النبي وصحابته ويذم الدين الإسلامي. وكان مما قاله بجير: "إن النبي قتل كل من آذاه من شعراء المشركين وإن "عبدالله بن الزبعري" و"هبيرة بن أبي وهب" (شاعران سبّا الرسول) قد هربا، وما أحسبك ناجياً، فإن كان لك في نفسك حاجة فأقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائباً".

فأقبل كعب على مسجد الرسول في المدينة فقابل أول ما قابل أبا بكرٍ الصديق فطالبه بالأمان من رسول الله، ثم دخل المسجد حتى قدم إلى النبي في المقدمة.

يحكي صاحب كتاب الأغاني ذلك المشهد، فيقول إن كعباً "أتى النبي عليه السلام، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن أتيتك بكعب بن زهير مسلماً أتؤمنه؟ قال: نعم، قال: فأنا كعب بن زهير، فتواثبت الأنصار تقول: يا رسول الله، إئذن لنا فيه (أي لنقتله)".

يتابع الاصفهاني، أن الرسول قال: "وكيف، وقد أتاني مسلماً! وكف عنه المهاجرون ولم يقولوا شيئاً، فأنشدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم قصيدته".

الأبيات-الأولى-من-قصيدة-الكواكب-الدريّة-للبوصيري الأبيات الأولى من قصيدة الكواكب الدريّة للبوصيري

أنشد كعب بن زهير قصيدته الأشهر والتي مطلعها:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول    متيّم إثرها لم يعف مكبولُ

فأمر النبي من في المسجد كي يسمعوا، فحين وصل كعب لقوله:

إن الرسول لسيف يستضاءُ به   مهندٌ من سيوفِ الله مسلولُ

عندما سمع النبي البيت الأخير، قام وخلع البردة التي كان يرتديها ومنحها لكعب مكافأةً له لجمال شعره، وكما تقول الدكتورة ستيتكيفيتش في كتابها عن قصائد البردة، أن القصة شبيهة بطقوس تبادل الهدايا، تتمثّل فيها العلاقة الجديدة بين الشاعر والدين الجديد: صيغة التزام متبادل بتجسد بخضوع الشاعر وولائه للدين الجديد، وبالمقابل بقبوله وحمايته تحت لواء الدين الإسلامي.

أفرد كتاب صبح الأعشى باباً للحديث عن صفة بردة النبي، نقل ما قاله عنها ابن الأثير، وهو أنّ بردة النبي التي كان الخلفاء يلبسونها في المواكب كانت شملة (كساء من صوف) مخططة. وقيل: كانت كساء أسود مربعًا فيها صفر (اللون الأصفر).

وفي حديث لعروة بن الزبير، توصف فيه البردة التي كان يخرج فيها النبي للوفود بأنها "رداء حضرمي طوله أربع أذرع وعرضه ذراعان وشبر".

البردة ترتحل بين الأعداء

لكن شأن تلك البردة لم ينته عند ذلك الحد بل كانت لها مسيرة مع الزمان وشهدت أحداثاً مصيرية في التاريخ وامتد الأمر إلى أن وحّدت الأعداء في تباركهم بها وألهمت مخيلة الشعراء.

burda4

يقال بأن الخليفة الأموي الأول، معاوية بن أبي سفيان، بعد أن توطد حكمه، فاوض كعباً بن زهير لشراء البردة منه بعشرة آلاف درهم، فكان جواب كعب قوله: ما كنت أوثر بثوب رسول الله أحداً. فلما مات كعب اشتراها معاوية من أولاده بعشرين ألف درهم.

وهناك رواية تقول إن البردة دفنت مع معاوية في قبره، لكنها رواية يخالفها أغلب المؤرخين، وهناك روايات تؤكد أن الأمويين والعباسيين ومن بعدهم العثمانيين ارتدى جميع خلفائهم بردة النبي "الكعبية" (نسبة لكعب بن زهير) حتى بقيت في قصور بني عثمان حتى يومنا هذا.

أقوال جاهزة

شارك غردفي رمزية بردة النبي والإيمان بمباركتها ما أجمع عليه خلفاء العرب والمسلمين عبر العصور.

شارك غردتشبّه الحكام بالرسول الكريم، في بناء شرعية حكمهم كخلفاء على كلّ المسلمين.

كيف 'ورث' العباسيون البردة؟

طاردت الجيوش العباسية فلول الأُموّين في صعيد مصر فقتلوا مروان بن محمد، وفي كتاب مروج الذهب حكى أبو الحسن المسعودي (346 هـ)، مشهد حصول العباسيين على البردة من الأمويين فقال: "ثم رأوا خادماً له (يقصد مروان بن محمد) شاهراً سيفه يحاول الدخول إلى بناته، فأخذوه وسألوه عن أمره، فقال أمرني مروان إذا هو قتل أن أضرب رقاب بناته ونسائه، فلا تقتلوني فإنكم والله إن قتلتموني لتفقدن ميراث رسول الله".

وتتابع القصة: "فقالوا له: انظر ما تقول، فقال: إن كذبت فاقتلوني، هلموا فاتبعوني. ففعلوا فأخرجهم من القرية إلى موضع رملٍ فقال: اكشفوا هنا فكشفوا فإذا البرد والقضيب ومخصرة، قد دفنها مروان لئلا تصل إلى بني هاشم، فوجه بها عامر بن إسماعيل إلى أبي العباس السفاح، فتداولت ذلك خلفاء بني العباس".

كما يقال، بحسب المسعودي، بأنها البردة التي أعطاها الرسول لأهل أيلة أماناً لهم، وأخذها منهم والي آخر الخلفاء الأمويين في دمشق، كما يضيف المسعودي: "وقيل اشتراها أبو العباس السفاح (أول خليفة عباسي) بثلاثمائة دينار".

Untitled-1

ومن بعد السفاح توارث العباسيون البردة وتباركوا بها لكنّ الأمر بين العباسيين لم يكن مجرد تبرّك بالبردة.

يقول ابن كثير في كتابه البداية والنهاية: "كان الخليفة يلبسها يوم العيد على كتفيه ويأخذ القضيب (العصا) المنسوب إليه صلى الله عليه وسلم في إحدى يديه، فيخرج وعليه من السكينة والوقار ما يصدع القلوب ويبهر الأبصار".

ويضيف صاحب كتاب الآثار النبوية، أحمد تيمور باشا: "وبلغ من عنايتهم بهذين الأثرين الشريفين أنهم كانوا كلما قام منهم خليفة اهتم بهما اهتمامه بالبيعة، فإذا كان غائبا بعثوا بهما (البردة والقضيب) إليه".

هولاكو وسلاطين بنو عثمان

وعايشت البردة أقسى أيّام الدولة العباسية فقيل إن الخليفة المقتدر بالله قتل وهو يرتديها وصبغت البردة بدماءه.

وذكر المؤرخ الدمشقي أحمد بن يوسف القرماني (1019هـ) في كتابه أخبار الدول، أن هولاكو لما دخل بجيوشه بغداد سنة 656 هـ، أشار مؤيد الدين العلقمي على الخليفة المستعصم بالله بالخروج إليه ومصالحته، فخرج إليه في جمع من العلماء والأعيان، والبردة النبوية على كتفيه والقضيب بيده.

فأخذهما منه هولاكو وجعلهما في طبق من نحاس وأحرقهما وذر رمادهما في دجلة. وقال: ما أحرقتهما استهانة بهما وإنما احرقتهما تطهيرا لهما. ثم أمر بقتل جميع من خرج إليه فقتلوا. 

لكنّ  القرماني يضع سيناريو آخر لمآل البردة، فيروي في كتابه خبر "البردة الكعبية"، أنّ العباسيون إنما توارثوا بردة "آيلة" (وهي البردة التي منحها الرسول إلى أهل أيلة أماناً لهم)، وليس بردة كعب.

ويعقب ذلك بقوله: "وأظن أنها البردة (يقصد بردة كعب) وصلت لسلاطين آل عثمان، فهي اليوم عندهم يتباركون بها ويسقون ماءها لمن به ألم فيبرأ بإذن الله، واتخذ لها المرحوم السلطان مراد خان تغمده الله بالرحمة والغفران من ذهب زنته مثقال فوضعها فيه تعظيما لها".

البردة ملهمة الشعراء

منذ قصيدة كعب بن زهير التي وهبه الرسول فيها البردة في القرن السابع الميلادي، وصولاً إلى العصر الحديث، ألهمت تلك البردة مخيلة الشعراء فكتبت فيها أشعار كثيرة وكان من أبرز تلك القصائد ما أبدعه الشعراء مدحاً في ملوك بني العباس، حيث خلعت عليهم البردة شكلا من أشكال المهابة والشرعية.

من بينها قول البحتري وهو يصف خروج المتوكل للصلاة والخطبة يوم عيد الفطر:

أيدت من فصل الخطاب بحكمة   تنبي عن الحق المبين وتخبر

ووقفت في برد النبي مذكرا   بالله تنذر تارة وتبشر

حتى لقد علم الجهول وأخلصت   نفس المروي واهتدى المتحير

وروى البلاذري أن الخليفة العباسي المستعين كان يقول لمن يقصده من الشعراء: لست أقبل إلا ممن قال مثل قول البحتري في المتوكل:

فلو أن مشتاقاً تكلّف  فوق ما في وسعه إليك المنبر

فأتاه ميمون بن هارون، وقال له: قد قلت فيك أحسن مما قاله البحتري، وأنشده أبيات تشبه الخليفة بالرسول:

ولو أن برد المصطفى إذ لبست  يظن لظن البرد أنك صاحبه

وقال وقد أعطيته ولبسته  نعم هذه أعطافه ومناكبه

لقيت الأبيات رضى الخليفة، الذي بعث لميمون سبعة آلاف دينار.

ومن أشعار توارث بركات الرسول في بردته، قول الأرجاني في الخليفة المسترشد بن المقتدي بالله:

ورثت الذي قد ضمه البرد من تقى  ومن كرم من قبل أن ترث البردا

وقصيدة ابن التعاويذي في مدح المستضئ بن المستنجد:

خليفة الله وارث البرد  والخاتم والسيف مالك الأمم

البوصيري وأحمد شوقي

ألهمت البردة شاعرين عظيمين فكتبا قصيدتين في مدح النبي، وكان أولهما هو البوصيري والذي كتب قصيدته بعد أن حلم أن النبي مسح على وجهه بيده وباركه، وخلع عليه بردته. وتعدّ نسخ مخطوطة بردة البصيري من أجمل التحف الفنية في تاريخ المخطوطات، وقد ذاع صيتها بين النّاس.

يقول فيها البوصيري:

محمد سيد الكونين والثقلين  والفريقين من عرب ومن عجم

نبينا الآمر الناهي فلا أحد  أبرّ من قول لا منه ولا نعم

هو الحبيب الذي ترجى شفاعته  لكل هولٍ من الأهولا مقتحمُ

وكان ختام القصائد التي غُزِلَت من هيبة البردة أن عارض أحمد شوقي قصيدة البردة بقصيدته نهج البردة (والمعارضة في الشعر تعني المحاكاة بأن تنظم قصيدة على ذات نسق قصيدة أخرى والموضوع ذاته والبحر الموسيقي ذاته والقافية أيضًا). من عنوانها، تقدّم القصيدة نفسها على أنّها إحياء للبوصيري.

في ظروف تأرجح مصر بين العالم العثماني والاحتلال البريطاني، جاءت دعوات شوقي لإحياء التراث، واستنطقت بردة النبي، في سياق جديد، وأهداف إنسانية، وكان مطلع قصيدته:

ريم على القاع بين البان والعلم  أحل سفك دمي في الأشهر الحرم

لزمت باب أمير الأنبياء ومن  يمسك بمفتاح باب الله يغتنم

علّقت من مدحه حبلًا أعز به  في يوم لا عزّ بالأنساب والرحم

محمد صفوة الباري، ورحمته  وبغية الله من خلق ومن نسم

المصادر: كتاب قصائد البردة، سوزان ستيتكيفيتش؛ البداية والنهاية، ابن كثير؛ أخبار الدول، القرماني.

التعليقات

المقال التالي