تباري الفنانين على مكافحة التنظيمات الإرهابية

تباري الفنانين على مكافحة التنظيمات الإرهابية

تبارى الفنانون العرب في سباق دعم أنظمتهم وجيوشهم في حربهم على التنظيمات الإرهابية على مدار السنوات الماضية، ما ساهم في إنتاج تراث فني وطني من فئة خاصة، لم تعتده بلداننا قبل أن تمتزج شرارة الربيع العربي بالتطرف الديني.
فبعدما كان الغناء للثورات العربية هو المسيطر على النشاط الفني خلال عامي 2011-2012، اللذين شهدا صعود نجم الثوار في مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا، أزاحت الأغاني المناهضة للإرهاب هذا اللون من الطريق لصالحها، وهذا ما دفعنا لرصد التطور السريع الذي طرأ على علاقة الغناء بالأحداث السياسية.

مصر العازفة على وتر الإرهاب

عزفت مصر على وتر مشروعها الغنائي في الحرب ضد الإرهاب سابقةً بقية الدول العربية. فلم يمر الأسبوع الأول من يناير 2011، حتى أطلقت مجموعة كبيرة من المغنين والممثلين عملاً مشتركاً حمل اسم "مصر مفتاح الحياة"، وهو العمل الغنائي الأول الذي يتعرض لحادث إرهابي، بعد تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية، العاصمة الثانية لمصر، في احتفالات رأس السنة.

برغم كونه العمل الأول الذي يخصص لحادث إرهابي يستهدف الأقباط، فقد ترك بصمة فنية ووجدانية عند الجمهور، إذ نجح الفنانون المشاركون فيه، وهو من تأليف مدحت العدل وتلحين عمرو مصطفى، في تصدير حالة الحزن على ضحايا القديسين بلحن جنائزي، وملابس قاتمة السواد وتعبيرات متجهمة، غير أن كلماتها كانت موجهة بشكل كبير لوأد أي فتنة في مهدها، والإشارة إلى أنها أرض الآلهة التي تتوحد على أرضها الأديان، بينما كان تشبيه الإرهابيين بأعداء الحياة.

لا وألف لا لكل أعداء الحياة مصر العظيمة المؤمنة نيلها مفتاح الحياة

يا كنايس يا جوامع

وحدوا الرب اللى سامع

يا كل مصري في كل شارع

حبنا طوق النجاة

التجربة الأولى مهدت الطريق لكثير من الأعمال الوطنية من هذه الفئة، والتي عززتها الأعمال الإرهابية المتلاحقة التي تعرضت لها مصر منذ عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي 3 يوليو 2013، ما استتبع ظهور الأغاني الداعمة للنظام والجيش في الحرب على الإرهاب.

بعض هذه الأعمال كان موجهاً إلى جماعة الإخوان المسلمين وحلفائها في الداخل، الذين رفضوا الاعتراف بنظام 3 يوليو، ودخلوا في معارك شرسة مع الدولة لاستعادة الشريعة المنزوعة عنهم، فكانت المطالبة عبر الأغاني بالإقصاء، في عمل آخر لعمرو مصطفى هو "الإرهاب".


بين الأعمال التطوعية للفنانين، دأبت وزارة الدفاع المصرية على شحذ همم جنودها في المعارك الضارية مع الجماعات المتطرفة في سيناء. فكان الاعتماد على الصوت الحنون لشيرين عبد الوهاب وتلحين عمرو مصطفى أيضاً، الذي لم يتوان عن تقديم الدعم لأجهزة الدولة سواء في الحرب أو التنمية، في عمل جديد بعنوان "جنودنا رجاله".

لم يكن مطربو الصفوف الأولى وحدهم في هذا المسار، فكانت المطربة الشعبية أمينة ضمن طابور طويل داعم للدولة بأغنية "عاش الجيش المصري"، سجلت بها حضورها بإيقاع صاخب وصوت مفعم بالبهجة على عكس غيرها الذين صدروا المشاعر الحزينة كأسلوب لكسب التعاطف.

كما حملت كلمات أمينة عدة رسائل تشجيعية لقوات الجيش، وساخرة من أعدائه في الداخل والخارج: "اللي مالوش خير في الجيش خسارة فيه لقمة العيش... واللي يعادي الجيش المصري لو راجل ميقولش أي".

هذه الأعمال جذبت رجال الشرطة أيضاً لمبارزة المطربين، إذ ألف عقيد الشرطة محمد هيكل كلمات أوبريت "بسم الله"، شارك فيه عدد من الفنانين الكبار، منهم أحمد راتب وأحمد بدير ومحمد رمضان، ركز بشكل كبير على رفع الروح المعنوية للجيش.

علماً أن شيرين وأمينة ونجوم الأوبريت الذين سيطروا على الساحة الفنية منذ 2013 إلى الآن، لم يكن لهم دور فني في دعم ثورة 25 يناير، غير أن عمرو مصطفى، المعروف عنه دعم الرئيس الأسبق حسنى مبارك ومعاداته الواضحة لشباب يناير، كان حاضراً بقوة في دعم الدولة ضد التنظيمات الإرهابية، بينما توارى "نجوم الميدان" عن الساحة الفنية في الفترة نفسها.

يفسر محمد شبانة، أستاذ الغناء والموسيقى بأكاديمية الفنون، هذه الظاهرة بأن الفنانين غيّروا من أفكارهم حسب المناخ السياسي والإعلام الذي فرد لهم مساحة كبيرة من الدعم والانتشار، مشيراً إلى أن جهاز الشؤون المعنوية بالقوات المسلحة يدعم الأعمال الفنية من أجل التعبئة المعنوية وشحذ همم الجنود.

يضيف شبانة: "الجيش حل مكان ماسبيرو في إنتاج هذه النوعية من الأغاني، فظهرت أغنيات كثيرة لكنها ليست بالجودة المفترض توافرها"، موضحاً أن اتحاد الإذاعة والتلفزيون لم يعد يرعى الأعمال الفنية فأفقدها قيمتها.

أقوال جاهزة

شارك غردانضم الراب إلى المواجهة مع جيش تونس ضد التنظيمات الإرهابية كرمز لالتفاف جميع فئات المجتمع حول جيشهم

شارك غردفنانو اليمن اختاروا مكافحة الإرهاب بالأغنية من خلال الحوار مع العدو لإقناعه بعدم قتل الأبرياء

تونس صامدة

تبدو الآية مقلوبة بعض الشيء في تونس الخضراء عن بقية دولنا، إذ عزف الجيش التونسي نشيداً خاصاً أهداه إلى الشعب، يؤكد فيه صموده في وجه أعداء الوطن، وأنه لا يهاب الموت ولا يخشى المحن، بعكس الرسائل الأخرى التي قدّمها أهل الفن للجيش.

وغلبت على نشيد "صامدون" الحماسة وإظهار الاستعداد العسكري لأي هجمات إرهابية، خصوصاً أن تونس من أكثر الدول العربية تصديراً للمتطرفين.

في ما يلي نص نشيد صامدون من الجيش التونسي لشعبه:

صامدون ... صامدون ... لا نخاف الموت لا نخشى المحن

صامدون ... صامدون ... في وجه كل أعداء الوطن

أرواحنا ... دماؤنا ... لأمنكم نعطيها مهرا للألم

أبناؤنا ... نساؤنا ... قولوا لهم نحن لا ننكث القسم

التنوع التونسي شمل انضمام مجموعات الراب إلى خندق المواجهة مع الجيش التونسي ضد التنظيمات الإرهابية، للتأكيد على التفاف جميع فئات المجتمع حول جيشهم.

سارت أغنية "قولوا لهم لن ترعبونا فإننا نحن الأسود" على نهج النشيد نفسه، غي الحماسة والتحدي للعدو، كما أنها ركزت على خطط العدو الأول "داعش" في التوسع إقليمياً، والعمل تحت عباءة إسرائيل، بجانب السخرية منه ومن زعيمه أبي بكر البغدادي، ووصفه بالجبان.

العراق ينتظر الحساب

على الخطى نفسها، قادت فرقة الإنشاد العراقية نشيداً حماسياً حمل عنوان" يوم الحساب"، وهو عبارة عن عرض عسكري حماسي لأعضاء الفرقة يحث الجيش على اجتثاث التنظيم الإرهابي ومعاقبته على الجرائم التي ارتكبها بحق الشعب.

لبنان: صرخة واحدة تكفي

لم يكن حضور لبنان واضحاً في هذه الخريطة، لكن المطرب اللبناني ربيع الأسمر سجل صرخة بلاده وصرخته الخاصة ضد الإرهاب، معتمداً على الجرائم الدموية التي ارتكبها تنظيم داعش باسم الدين.
واختلفت طريقة الأسمر عن الأعمال العربية الباقية، فاستخدم صوته العذب على وقع لحن حزين ليجسد "سرطان الإرهاب الذي ينهش في الجسد العربي"، ما يعد خروجاً عن المألوف في دعم الجيوش بحماسة وقوة.

اليمن: الحوار مع العدو

القطار العربي وصل إلى محطة اليمن، لكن هذه المرة بطريقة مختلفة تبنت الحوار مع العدو، وهذا يتجلى في أغنية "تعقل" للمنشد أكرم الشرماني، الذي ظهر فيها وهو يدير حواراً مع مقاتل مسلح في منطقة جبلية غير مأهولة، يبدو أنه عضو بجماعة الحوثيين المتهمة في قتل الآلاف في اليمن، ينصحه فيها بالعدول عن مساره المتطرف وسفك الدماء.
وتدور معارك دامية بين السلطة الشرعية في اليمن، بقيادة عبد ربه منصور هادي وجماعة الحوثيين، المدعومة من إيران والرئيس المعزول علي عبدالله صالح.

ليبيا: لا تستطيع الاستسلام

من قلب مدينة بنغازي، التي تقع تحت سيطرة الجيش الوطني، دعت مجموعة من شباب الراب المواطنين إلى التماسك والترابط وعدم الاستسلام، في حرب التقسيم الدائرة على أراضيهم منذ سقوط معمر القذافي في نهاية 2011.

" لا نستطيع الاستسلام" شارك فيها الشباب بزي مدني وسط الآلات والمدرعات، إلا أنها لم تكن موجّهة لقوات الجيش أكثر منها للشباب الليبي الذي تقاسمت أدواره الجماعات المسلحة المتنازعة على الحكم.

التسرّع في الإنتاج

رغم تنوع محاولات الفنانين العرب بين الأناشيد الحماسية والراب والمقطوعات الطويلة، فما زالت تجربة وليدة اللحظة تعبّر عن مرحلة سياسية عصيبة من عمر شعوبنا، لا يمكن الحكم عليها من المعيار الفني. وهو ما يؤكده محمد شبانة، بالقول: "الفنانون المتصدرون لهذا النوع من الأغاني غير مؤهلين له، وهنالك تسرع كبير في الإنتاج الفني".

ويشير شبانة إلى أن الأعمال كانت من الممكن أن تزيد في مصر عن الأعمال المتواضعة التي رصدت، بسبب عدم تسويقها جيداً من قبل، لعدم تبنّي اتحاد الإذاعة والتلفزيون لها وعدم تخصص الجيش في الإنتاج الغنائي.

ويرى شبانة، وهو أستاذ الغناء الموسيقي بأكاديمية الفنون، أن المؤلف أو الفنان يجب أن يكون واعياً ومؤمناً بقضية محاربة الإرهاب، مشيراً إلى أن الأعمال الفنية التي خصصت ضد داعش تمثل إضافة جديدة للأغاني الوطنية، لكنها تدفع فاتورة تراجع الأداء الموسيقي والغنائي في الساحة العربية.

معلوم أن الفنانين مثل الناس العاديين، يريدون العيش في سلام، والجيش في بلادنا العربية هو رمز الأمان والمدافع الأول عن الأراضي. هذا هو الدافع وراء سيل الأغاني الذي انفجر في بلداننا العربية خلال السنوات القليلة الماضية، وتحديداً في مصر، التي يرد فنانوها على الأعمال الإرهابية بالأغاني والأوبريهات.

ويعتقد الملحن خالد جودة أن تأثير الموسيقى على وجداننا دفع الفنانين للإكثار من تلك الأعمال خلال الفترة الأخيرة، بعدما لمسوا تأثيرها على الجمهور في أغاني ثورتي 25 يناير و30 يونيو.

ويتحفظ جودة على مستوى الأعمال الغنائية التي قدمت، نظراً لتكرار المحتوى نفسه والوجوه الفنية المشاركة فيها أيضاً. يقول: "التكرار يقتل الحالة المعنوية المقصودة، فوجود أعمال في أحداث متقاربة لم يصب في مصلحتها".
أما شبانة فيرى أن الحالة الفنية المصاحبة لظهور التنظيمات الإرهابية والمخاطر المترتبة عليها ستختفي مع تلاشي التهديدات على الشعوب العربية، مثلما تلاشت أغاني الميدان تدريجياً مع أفول الربيع العربي.

التعليقات

المقال التالي