رواية "جارات أبي موسى": حكاية مغربية عن متصوف وثماني نساء خاطئات

رواية "جارات أبي موسى": حكاية مغربية عن متصوف وثماني نساء خاطئات

يعود الكاتب المغربي "أحمد التوفيق" في روايته "جارات أبي موسى" إلى القرن الرابع عشر، وتحديداً إلى فترة الحكم المرينيّ ليروي عن تلك الفترة المضطربة في تاريخ المغرب، مازجاً التاريخ بالخيال الصوفيّ من خلال شخصية "أبي موسى" صاحب الكرامات.

الرواية التي تكتب تلك المرحلة بكل تفاصيلها، وأعرافها الاجتماعية، ونمط الحياة فيها، تبدأ مع "شامة" الخادمة في بيت قاضي المدينة، فتتبع مختلف مراحل حياتها: زواجها من قاضي السلطان وسفرها معه ضمن حملة السلطان إلى الأطراف الشرقية لقمع التمردات، ثم وفاته غرقاً في البحر.

تعرض الرواية عودة شامة إلى مدينتها وزواجها من جديد بـ"علي سانشو"، الأندلسي الذي أسلم، بالإضافة إلى معاناتها من مكائد أحد رجال السلطان الذي كان طامعاً بوصالها، وحتى انتقالها مع زوجها للعيش في "فندق الزيت"، هناك حيث ستنمو حبكة الرواية وتتطور.

"زاد فضول شامة لتعرف من صديقتها أكثر ما يمكن عن سكان الفندق الذي يتراءى لها أنه أشبه ما يكون في تنوّع من فيه بسفينة سيدنا نوح. ساعتها شاهدت شامة من غرفتها المشرعة الباب جاراً مقابلاً لها دخل إلى غرفته، وهو رجل طويل القامة خمري السحنة يرتدي أطماراً مرقعة ولكنها نظيفة، يحمل قفة بيده. ما أن أغلق حوله الباب والمرأتان ترقبانه من عمق الغرفة، حتى بدأت الحودة تتحدث لصديقتها عن ذلك الرجل، فهو أبو موسى".

تقدّم الرواية صورة عن فترة حكم بني مرين للمغرب، تلك الفترة التي اتسمت بكثرة الصراعات الداخلية والخارجية وازدياد الاستبداد والظلم والفقر، وفرض الحكّام الضرائب الباهظة على الناس، وما عانوه بسبب ذلك.

نجح الكاتب في كتابة تلك الفترة، لا من حيث بحثه التاريخي عن أحداث ذلك الزمن وأجوائه ونقلها فحسب، بل وأيضاً باستخدامه لغة مناسبة، سواء بمفرداتها أو بصياغتها، لروح ذلك العصر.

أقوال جاهزة

شارك غردحكاية المتصوّف الذي يختار بائعات هوى ليصبحن شريكاته في الكرامات والبركات… أمام حيرة سكان المدينة

يشكّل "فندق الزيت" المكان الأكثر بروزاً في الرواية، إنه المكان الذي سيجمع "أبو موسى" الرجل المتصوف، و"شامة" المرأة الطيبة الصادقة وزوجها "علي"، و"خوليا" وأبوها التاجر الأندلسي النصراني، و"تودة" المرأة الأربعينية الخرقاء، ولكل شخصية من هذه الشخصيات مسارها الخاص الذي يتقاطع مع مسارات باقي الشخصيات ضمن سرد تصاعدي في حبكة العمل.

غير أن الكاتب يدخل إلى الرواية ست نساءٍ يأتين إلى المدينة من أماكن مختلفة، ويقطنّ في الفندق نفسه، ويعملن كبائعات هوى تحت إمرة "تودة"، ولكل واحدة من هؤلاء حكايتها التي يخصص لها الكاتب فصلاً قصيراً يكثف فيه أبرز أحداث حياتها حتى وصولها إلى هذا المكان.

وهذه من أبرز النقاط المشرقة في الرواية: امتلاؤها بالحكايات الفرعية التي تتناسل من بعضها لتضخّ مزيداً من الحيوية في النص، "لم يكن يهم المدينة أن تعرف قصة كل واحدة من هؤلاء النساء ومن في حكمهن ممن يسكن فنادق ذهب عنها مجدها في التجارة أو حارات الزّمنى والمعطوبين أو أحياء قذرة يجارون فيها من لا نفوذ له في دفعهن. لم يكن يفيد المدينة أن تعلم تلك القصص لأنها على كل حال لن تغيّر رأيها فيهن أو تخفف حكمها القاسي عليهن أو تقلل اهتمامها بهن كذلك".

يرسم "أحمد التوفيق" شخصية "أبو موسى" بهدوءٍ وتأنٍ، إنه الرجل الزاهد في الدنيا، المتعبد، صاحب الكرامات التي يوظفها لخدمة المظلومين، ومساعدة المحتاجين، وإليه تنسب أمور عجائبية يتناقلها الناس فيما بينهم، ويؤمنون بها.

تبلغ الرواية ذروتها ومستقرها النهائي حين تعاني المدينة من شحٍّ طويل في الأمطار، ولا تنفع الصلوات ولا الأدعية في إنهائه، وتتعدد التفسيرات والتأويلات، إلى أن يقرر "أبو موسى" في النهاية أن يقود جاراته إلى المصلى، وأمام حيرة الجميع في اختيار الرجل المبارك لهؤلاء النسوة الخاطئات، فإنه يمارس طقوس صلاة الاستسقاء معهن، ليصبحن شريكاته في الكرامات والبركات.

أحمد التوفيق،كاتب مغربي من مواليد عام 1943. عمل أستاذاً بكلية الآداب في المغرب، وكان عضواً في اللجنة الاستشارية لبرامج "ذاكرة العالم" (اليونسكو).

له عدة كتب في التاريخ والتراث، وعدد من الروايات: "جارات أبي موسى"، "شجيرة، حناء وقمر"، "السيل"، "غريبة الحسين". كما نشر مذكراته في جزأين تحت عنوان: "والد وما ولد".

المؤلف: أحمد التوفيق/ المغرب

الناشر: المركز الثقافي العربي/ الدار البيضاء - بيروت

عدد الصفحات: 222

الطبعة الأولى: 2017

يمكن شراء الرواية من موقع النيل والفرات

فايز علام

فايز علام كاتب سوري يعمل محرراً وعضواً في لجان القراءة في عدد من دور النشر. مهتم بالشأن الثقافي وبصناعة النشر في العالم العربي. يعدّ حالياً بحثاً عن الرواية العربية ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

كلمات مفتاحية
المغرب رواية

التعليقات

المقال التالي