قصص العصور تحكيها لنا "الخواتم": من الملك سليمان إلى خاتم الخطوبة

قصص العصور تحكيها لنا "الخواتم": من الملك سليمان إلى خاتم الخطوبة

حلقة صغيرة من الذهب أو الفضة، تلتف فى انسجام حول الأصبع تزينها الأحجار الكريمة، وأختامٌ محفورٌ عليها نقوشٌ وألقابٌ وطلاسم؛ تنتقل معها الولايات والسلطان والزعامة؛ وأحياناً بها تستمر القوة والمكانة الاجتماعية، وفي تاريخها أيضاً تحمل معاني عن المباركة والحفط، وعن الحب والعهود والزواج؛ حِيكت حولها الأساطير والروايات، منها ما وصل حدّ السحر، أو القداسة.

من خواتم سليمان، ويوسف وعثمان بن عفّان، إلى عشرات القصص، من الشرق والغرب، تدور أحداثها حول خواتم ملكات وسلاطين وحكام، حتى ولعنا اليوم بسلسلة كتب وأفلام "ملك الخواتم" التي حققت أكبر مبيعات على مستوى العالم، تكاد تجمع البشرية بكافة حضاراتها على الرمزية المحببة للخواتم.

خواتم الرسل والأنبياء

يقال أن الملك سليمان امتلك يوماً خاتماً أعطاه الحكمة والسلطان لكنه أعطاه لزوجته، وائتمنها عليه، إلا أنّ الشيطان، الطامع بالسلطة التي يحملها الخاتم، جاءها في هيئة سليمان، وطلب الخاتم، فأعطته إياه، وعندما أدرك الملك ذلك، خاض مغامرات عديدة ليستعيده من الشيطان الذي تربع عشره لمدة 40 يوماً.

وصلتنا القصة بأكثر من صيغة، حفظتها لنا كتب التفاسير، في شرح الآية الكريمة (آية 34، سورة ص): "وَلقد فتنَّا سُلَيمان وأَلقَينا على كُرسيّه جَسداً ثُمَّ أَنَابَ"، وفيها تقول بأن الخاتم ينتهي في عرض البحر، ويبتلعه "حوتٌ من حيتان البحر"، ثم، كما تقول الشروح، وصلت السمكة التي ابتلعت الخاتم إلى يدي سليمان، الذي كان عند شط البحر، يطلب الطعام وقد أنكره الناس، فشقها، ووجد خاتمه، وفرح به فرحاً عظيماً، وحالما لبسه، "ردّ الله عليه بهاءه وملكه، وجاءت الطير حتى حامت عليه، فعرف القوم أنه سليمان"، كما ذكر الطبري في جامع البيان.

ضياع الخاتم كرمز لنهاية عهد أو بداية حكم، ليست مقتصرة على الشرق، ولا على قصة الملك سليمان، حيث نجدها في سرديات عديدة، تعطي السلطة (كمفهوم) شكلاً مادياً في الخاتم. فمثلاً في تأكيد على ارتباط السلطة الدينية برمزية الخاتم، اتبع الفاتيكان تقليداً رسخ عبر القرون، وهو منح البابا خاتماً خاصاً به، يرتديه ويختم به المراسيم البابوية والأوراق الرسمية. وجرت العادة على "كسر" الخاتم مع وفاة البابا، وصياغة خاتم جديد للبابا الذي يخلفه، ليرمز بذلك لبداية عهد جديد. 

أقوال جاهزة

شارك غردحول القلب، على حدّ السيف، ومع مفاتيح البيت، هذه بعض من مواقع خواتم الخطوبة والزواج.

شارك غردتعتبر الدائرة من أقدم رموز البشرية، ليس لها بداية ولانهاية، وبذلك تمثل التمام والمساواة، والاستمرار.

أهمية الخواتم في الشرق تعود إلى ما قبل الميلاد، حيث يخبرنا المؤرخ الإغريقي هيرودوتس، الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، بأن "كل شخص في بابل كان يحمل ختماً"، وما يؤكد على مقولته الأعداد الكبيرة من الأختام التي تم العثور عليها في بلاد ما بين النهرين.

كما وصلنا من شبه الجزيرة العربية عدد من الأختام من القرون السابقة للإسلام. أما أقدم ما بين أيدينا من الآثار المادية لتاريخ الخواتم في العالم الإسلامي هو ختم على بردة من مصر، تعود لسني الفتوحات، أو ما بعدها بقليل.

نعرف بأن الرسول الكريم لم يكن مهتماً بارتداء الخواتم، إلى أن أراد أنْ يكتب لكسرى في بلاد فارس وقيصر الروم والنجاشي في الحبشة، كما يذكر الصحيحين (مسلم وبخاري)، فقيل له: "إن الملوك لا يقبلون كتاباً إلا مختوماً". ‏فَصاغ رَسُولُ اللَّهِ ‏‏‏خاتمًا حلْقتُهُ فضَّة، كان مصنوعاً من أحجار كاميليون حمراء ونقش عليه، في ثلاثة سطور: "محمد رسول الله"، وكان مثبتاً عليه الختم الخاص بالنبي محمد. يقول المسعودي بأن الرسول اعتمد الخاتم في شهر محرّم لسنة 7 هجرية.

وفي عهد الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين، كان يميّز الخلفاء حكمهم بنقوش خواتهم، وكانت تتناقلها سيرهم وتواريخهم، مما يدلنا على أنها كانت تحمل قيمة رمزية خاصة، كما كانت تعبّر  في بعض الأحيان عن منهج الحكام. فمثلاً، وبحسب دراسة قدمها رياض حسن الخوام، بعنوان "الخواتم ونقوشها في التراث اللغوي"، يقال بأن عمر بن عبد العزيز نقش على خاتمه: "عمر بن عبد العزيز يؤمن بالله"، وأمّا المأمون، فنقش "سَل الله يعطيك"، وأما المستنصر اعتمد نقش: "أنا من آل محمد ـ الله وليي ومحمد". 

كما يروي بأن لبعض العلماء والشعراء خواتم خاصة بهم، كانوا يعتمدون فيها على عبارات أو شطور من الشعر، أو رسومات، فيقال مثلاً بأن خاتم أنس بن مالك حفر عليه "أسد بين رجلين أو رجل بين أسدين"، وختم عمرو بن العاص، الذي حفر عليه "الثور". كما عثر على خواتم تحمل نقوشاً بأكثر من لغة، أشهرها خاتم نجد بن مسلم، وكان جابي ضرائت، نقش اسمه على خاتمه بالعربية وباليونانية.

أقدم الخواتم، خاتم الخطبة

إن رمزية الخاتم تنتقل معه، فحين كان يمنح حاكماً ختمه لغيره، كان ذلك من علائم توريث السلطة، والمباركة لها. يُقال بأن الخلفاء الرّاشدين توارثوا خاتم النبي والختم، إلى أنْ فقد فى عهد عثمان بن عفان، في السنة السادسة لحكمه، وضاع في بئر، ومعه ضاعت بشكل رمزي، بوصلة الحكم، حيث يقسّم حكم عثمان إلى مرحلتين، دامت لستة سنوات كل منها، الأولى عرفت بالعدل والحكمة، والثانية، شهدت فيها الأمة الإسلامية الوليدة خصامات وخلافات، انتهت باغتيال عثمان واستشهاده.

والأمثلة على تناقل السلطة والشرعية في قصص الخواتم كثيرة في التاريخ الإسلامي وغيره، ففي الإنجيل (في سفر التكوين) قصة فرعون مع يوسف، عندما يقول له: "انظر، قد جعلتك على كلّ أرض مصر"، ثم تتابع القصة: "وخلع فرعون خاتمه من يده وجعله في يد يوسف"، والخاتم هنا هو رمز لمنح يوسف سلطة ملكية.

وقبل ذلك، بدأت قصة تبادل الخواتم للتعبير عن علاقة من نوع آخر، في خاتم الخطبة الذي هو بدوره قد بدأ في عهد الفراعنة حينما استخدم قدماء المصريين الذهب في صنع خواتم، قبل أن تعرف القطع النقدية، وكانت الخواتم تقدم في مناسبة الزواج من الرجل للمرأة لكي يكسب حق مشاركتها سعادتها وممتلكاتها، بحسب دراسة بعنوان "تاريخ خاتم الخطوبة"، للمؤرخ إبراهيم عناني، عضو اتحاد المؤرخين العرب.

ولأن الخواتم استخدمت كنوعٍ من التوقيع وعلامة للملكية، كان لها أيضاً وظيفة حماية، فالرسالة المدموغة بخاتم لا يمكن التلاعب بها، وكأن الخاتم نوع من القفل يحفظها، ومن هذا المعنى، استمدت فكرة الخاتم في الزواج معنى الالتزام والحفظ والحماية.

وعزت الدراسة ارتداء الخاتم في اليد اليسري بأن قدماء المصريين بحسب المؤرخين، كانوا يعتقدون أن هنالك عصب يمتد من الإصبع الرابع في اليد اليسري إلي القلب وهو ما يجعل الزوج يعتقد أن الخاتم وضع حول قلبه. ورأى أخرون أن اليد اليسري ترمز إلي أن الزوجة تخضع لزوجها أما اليد اليمنى فترمز للقوة والسلطان.

كما تبين الدراسة أن استخدام الخاتم ظهر لدى الأنجلو سكسون في طقوس الزواج، حيث كان يوضع مع مفاتيح البيت. وفي روما كان الخاطب يقدم لمخطوبته خاتماً على حد السيف، واستمر استخدامه كرمزٍ لطلب يد النساء يستخدم ببلدان أمريكا وأوربا وشمال إفريقيا، كما كان جزءاً من طقوس الزواج داخل الكنيسة بأوربا منذ عهود طويلة.

عن مباركة الخواتم

تصميم الخواتم، والحفر عليها هو فنّ وحرفة، وأما اختيار الأحجار الكريمة، فهو مرتبط بعلم خصائص النجوم وحركة الكواكب، وهما مجالان حصلا على اهتمام واسع عند العرب المسلمين، وخصوصاً عند أهل الشيعة، حيث كانت له أبعاد روحية: تلبس خواتم (من الفضة) في أصبع الخنصر في اليد اليمين، وتعتبر بمثابة جزء من الطقوس الدينية، وعادة تحمل حجراً كريماً، كونه يحمل طاقة الكون، ونور الله تعالى. الياقوت الرمّاني والياقوت الأزرق، هو من أشهرها، وكذلك حجر العقيق الذي يعتبر أهمها وأكثرها استخداماً.

نستدل على أهمية الخواتم من مصادر كثيرة في كتب التراث الشيعية، فمثلاً، يرد في إحداها، وأهمها، وهو بحار الأنوار، حديث عن الإمام أبو عبد الله جعفر الصادق، نقله أحد أتباعه، وكان يدعى بشير الدّهان، قال فيه: "قلت لأبي عبد الله عليه السلام: 'جعلت فداك أي الفصوص أركبه على خاتمي؟' قال: 'يا بشير أين أنت عن العقيق الأحمر والعقيق الأصفر والعقيق الأبيض، فإنها ثلاثة جبال في الجنة'"، ويضيف، أن هذه الثلاثة "جبال تسبح الله وتقدسه وتمجده وتستغفر لمحبي آل محمد عليهم السلام".

المصادر: "تاريخ خاتم الخطوبة"، المؤرخ إبراهيم عناني؛ مروج الذهب، المسعودي؛ جامع البيان، الطبري؛ "خاتِم، خاتَم" في موسوعة الإسلام، النسخة الثانية؛ كتاب الهدايا والتحف (من القرن الخامس عشر ميلادي)، وكتابي الجماهر في معرفة الجواهر للبيروني؛ نخب الذخائر في أحوال الجواهر، لابن الأكفاني؛ كتاب أزهار الأفكار في جواهر الأحجار للتيفاشي؛ بحار الأنوار لمحمد باقر المجلسي؛ صورة المقالة، خاتم نقش على حجره لفظة "لِلّله"، بالخطّ الكوفي، عثر عليه مؤخراً في قبر من عصر الفايكينغ في السويد.

 

كلمات مفتاحية
التراث الحب

التعليقات

المقال التالي