قصص وأحاديث وكتب تدور من نادي إلى آخر في مدن تونس

قصص وأحاديث وكتب تدور من نادي إلى آخر في مدن تونس

في إحدى سفراته إلى المشرق، كتبَ المقري التلمساني (1041 هـ/1631 م)، مؤلفه الشهير "نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب". في صفحات الكتاب، يذكر المقّري مراراً كتبه التي تركها في المغرب، ويخبرنا عن مكتبته التي كان ولعاً بها إلى حد كبير، فكانت أكثر ما يفتقده في ترحاله، وكان يدعو ويقول: "جمعني الله بها في أحسن الأحوال!"

حبّ الكتب والافتخار بالمكتبات شاع في عصور العرب كافة، واشتهرت مكتبات عواصمها عبر العصور، فكان يقال أن قرطبة في أيام عزّ الأندلس كانت "أكثر بلاد الله كتباً"، خارج المكتبات كان للكتب حياة في مجالس الملوك ولكن أيضاً في مجالس السمر التي عرفتها الثقافة العربية في كل أرجائها.

واليوم، مع تحوّل حياتنا إلى الرتم السريع والعالم الرقمي، نجد أنفسنا كالمقّري، نتذكّر الكتب بحنين وحسرة، ففي كل أنحاء العالم، تفقد الكتب إغراءها، وتغلق المكتبات أبوابها، ولكن الشباب في تونس، ابتدعوا فكرة جديدة بدأت تغير ذلك.

ظهرت في عدد من المدن التونسية، فكرة بديلة لدى الشباب في إقامة جلسات لقراءة ومناقشة الكتب، استثمر منظموها شبكات التواصل الاجتماعي (الفيسبوك) لنشر إعلاناتهم والاتفاق حول الكتب الجديرة بالمناقشة. بداية وقع الاختيار على الكتب الصادرة حديثاً، ومن اللافت للاهتمام هنا هو الاقبال على الكتب الورقية لا على الكتب الرقمية التي يسهل تحميلها مجاناً عبر النيت.

كانت بدايات نوادي الكتب book clubs في تونس العاصمة، ثم انتشرت التجربة في عدد من المدن الكبرى الأخرى مثل نابل وسوسة والقيروان وبنزرت وقبلي وقابس وجربة. كانت البداية بقراءة الكتب ذائعة الصيت best sellers أو التي أحدثت بإصدارها ضجة عالمية كبيرة مثل "الخيميائي" لباولو كويلهو وكتاب "العطر" لباتريك سوزكيند "قواعد العشق الأربعون" لإليف شفق.

ثم توسعت قراءات هؤلاء الشباب لتشمل فيما بعد عيون الأدب العربي وحتى الأدب الكلاسيكي الفرنسي والإنكليزي.

وتشكل ظاهرة "نوادي الكتب" تجربة مثيرة، مستقلة عن الدولة ومؤسساتها ومشاريعها التي لم تنجح في تشجيع المطالعة العمومية. كما تزامنت بداية نوادي الكتب مع تراجع دور النشر ومؤسسات وضعف توزيع الكتاب، بسبب تكلفة طبع الكتب وغلاء الورق وصعوبة إيصال الكتب إلى أيدي القراء.

Medina Book Club Medina Book Club

تفتح الكتب في حلقات تسلية وترفيه وسط الساحات العامة والمقاهي والحدائق بعيداً عن الجلسات الأدبية الصارمة التي تنظم داخل الفضاءات المغلقة. ذلك ما أثار اهتمام القراء في متابعة لقاءات نوادي الكتب، ففيها يمكن لمحبي الكتب توسيع مطالعاتهم في مناخ من الفكاهة والودّ والمزاح.

فكيف كانت بداية نوادي الكتب بتونس؟ وماهي آفاقها؟ وهل هي استجابة لولع بالقراءة لاتراعيه أنماط الحياة اليوم، أم أنه مجرد ترف فكري وموضة عابرة؟

في التواصل إبداع

تعود المحاولات الأولى لتأسيس نوادي الكتاب في تونس إلى سنتي 2007 و2009 ويقول عبد الكريم بن عبد الله صاحب هذين المحاولتين أنه فشل في البداية في كسب تعاطف القراء مع هذا النوع من التشاركات الثقافية، غير أن محاولة ثالثة في أواخر سنة 2014 تكلّلت بالنجاح. ويضيف عبد الكريم بن عبد الله أنّ بدايات تشكل نوادي الكتب ليس له علاقة بما ينظم عالميا تحت إسم meetups ولكن فكرة نشاطهم مستوحاة من بعض الحركات العالمية المماثلة التي تعنى بالكتاب.

Sousse Book Club Sousse Book Club

أقوال جاهزة

شارك غردتشهد مدن تونس نوعاً جديداً من التواصل الاجتماعي في نوادي تحتفل بشغف القراءة ومحبّة الكتب.

شارك غردبفضل نوادي القراءة، يعود اليوم الولع بالكتب الورقية، فهل يغيّر ذلك مصير المكتبات وصناعة الكتب؟

أما عن أهم الكتب التي شكلت منطلقا لنادي الكتاب فهي الروايات العالمية المترجمة إلى العربية، وخاصة تلك المتعلقة بقصص الخيال مثل هاري بوتر (Harry Potter) وهانغر غايمز (Hunger Games). كما انتظمت عدة قراءات للأدب التونسي بما في ذلك الكتابات الشبابية لهواة الأدب.

توضح سحر بن حازم (28 سنة) المنظِّمة لنادي تونس للكتاب، أن لقاءات القراءات الأدبية تلتمّ كل أول يوم أحد من الشهر ليناقش كل المشاركين الكتب التي قرأوها. ومن ضمن هذه الكتب الشهيرة يمكن ذكر كتب ستيفان كينغ Stephen King المنشورة باللغة الفرنسية مثل روايتي 22/11/63 و La ligne verte، ورواية "في قلبي أنثى عبرية" لخولة حمدي، إضافة إلى عدة أدباء غربيين وتونسيين مثل رواية "ذئب البوادي" لهرمان هيسه ورواية "الطلياني" لشكري المبخوت الفائز بجائزة البوكر العربية لسنة 2016، ورواية Les rêves perdus de Leyla لمحمد حرمل. إلا أنّ الشباب يفضلون قراءة ومناقشة الكتابات المليئة بالمغامرات والتشويق مثل "مغامرات هاري بوتر وسلسلة "بيرسي جاكسون Percy jackson لريك ريردون rick riordan.

 

وأكدت سحر بن حازم على أن الهدف من وراء النادي خلق مناخات إبداعية مهتمة بالكتاب بطرق مبتكرة. ومع أنّ "نادي الكتاب" يقوم على مناقشة كتب منشورة، إلا أن هناك نوادي أخرى تهتم بتقديم الكتابات الجديدة التي لم تنشر، ومن بين هذه النوادي نادي تونس المدينة.

فنون مجاورة

يعتبر نادي أريانة الذي أسسه الشاب عبد القادر الفطناسي، من النوادي النشيطة في ضواحي تونس العاصمة وفكرته بالأساس تقديم تظاهرات فنية لترغيب الشباب في المطالعة. ويقول علي مبروك (18 سنة) تلميذ بكالوريا وعضو بنادي الكتاب أريانة و Ignite Ariana، أنّ الغاية من قراءة الكتاب ومناقشتها هو كسر الحواجز الكلاسيكية التي تعيق الشاب عن التواصل للدردشة والمشاركة في أحاديث عن مواضيع كتبهم المفضلة. ولذلك أضاف النادي فقرات الموسيقى الحية والغناء والتنشيط وحتى المونودراما المسرحية المستوحاة من النصوص والكتب المنشورة.

INSIDE_TunisBookClubs_Ariana

كما أقرّ المنظمون لنادي أريانة فتح المجال للمنخرطين حتى من خارج الحيز الجغرافي لمدينتهم مثل أحياء المنزه وحي النصر وسكرة. ويقول علي مبروك أن مدينة أريانة تعاني من نقص حاد في البرامج الشبابية والتنشيط الثقافي مما يجعلهم أحياناً مجبرين على تفادي حالة الركود التي تشهدها مدينتهم بتنظيم جلسات بمدينة تونس العتيقة للتعريف بنشاطهم.

وأقام النادي تظاهرة "برتاجي غرامك"، فاتحاً المجال لفنون مجاورة للكتابة الأدبية مثل فن الـ"سلام" slam لالقاء الشعر وارتجاله، وكذلك فنون العزف والغناء. كما نظم النادي مخيم أدبي ببرج السدرية بالضواحي الجنوبية للعاصمة تونس شملت ورشة للكتابة الإبداعية وفن المسرح. وبعد نجاح هذا النشاط أقيم مخيم أدبي آخر بنفس المكان المطل على البحر ضم قرابة 130 مشاركاً وأضيفت ورشات للتصوير الفوتوغرافي وورشة للفن التشكيلي.

الأدب في أقدم وأجدد أشكاله

ما يمكن ملاحظته أن المنظمين لنوادي الكتب هم طلبة تخصصات علمية لهم اهتمام كبير وشغف بقراءة الكتب الأدبية. ولتعليل هذه الظاهرة تقول أسماء الساسي (طالبة هندسة)، وهي من نادي نابل للكتب، أن ذلك يعود للولع بقراءة الأدب أياً كان التخصص الدراسي، وتضيف أن نادي تونس Tunis book club هو مصدر إلهام لنادي نابل الذي أسسه الطالب مهدي جماعة. قصة أول نادي للكتاب بدأت في إحدى المدارس التونسية، من لقاء عقد بين أصدقاء في سنة الباكالوريا، تطور فيما بعد وتوسع وانضم له محبي الكتاب من كل الأعمار والخلفيات.

INSIDE_TunisBookClubs_TBK

تسعى شبكة نوادي الكتب التي أطلقها عبد الكريم بن عبد الله، مؤسس العديد من المبادرات الشبابية عبر كافة المحافظات التونسية، إلى عقد جلسات قراءة كتب، شكّل إصدارها حدثاً ملفتاً للقراء وجدلاً كبيراً في البلاد. وقد انعقد اللقاء الأول لنادي نابل Nabeul Book Club من أجل مناقشة أحدث كتب يوسف الصديق وهو باحث في مجال أنثروبولوجيا القرآن.

INSIDE_TunisBookClubs_NabeulBookClub

أما في الساحل التونسي فقد تأسست نوادي مماثلة خاصة في سوسة والمهدية والمنستير حيث نشأ نادي الكتاب Monastir Book Club في 2015، إثر لقاءات انتظمت بالمقاهي والساحات العامة لقراءة ومناقشة بعض الإصدارات الجديدة، وكان ذلك على يدي حامد قمعون، الذي أسس أيضاً نادي سوسة. ومن أبرز الكتاب المتداولين لدى هؤلاء القراء مؤلفات الكاتب الجزائري ياسمينة خضراء والفيلسوف الفرنسي ألبير كامو والمسرحي الإنكليزي وليام شكسبير.

INSIDE_TunisBookClubs_Monastir

إن ظاهرة نوادي الكتب آخذة في التوسع في المدن التونسية، حتى المعزولة منها في الجنوب على غرار مدينة قبلي المتاخمة للصحراء. وهذه المناطق تفصلها مسافات شاسعة عن موزعي الكتب كما تفتقر للمكتبات. ولذلك يقوم الشباب بملء هذا الفراغ، ويختارون التوجه إلى الكتاب الورقي وليس الكتاب الإلكتروني.

في تغيير مثير للنظام السائد، بدأت نوادي الكتب، مع توسعها وشعبيتها، تساند المكتبات الخاصة، التي كان بعضها على حافة الافلاس واغلاق أبوابها، والتي أصبحت اليوم نسجل ارتفاعاً في مبيعاتها من الكتب حديثة الإصدار لاسيما كتب تراجم الأدب العالمي ومؤلفات الأدباء المغاربيين مثل محمد شكري وأحلام مستغانمي وغيرهما.

وفضلا عن الاهتمام بالكتب الإبداعية، ظهرت في السنوات الأخيرة حفلات فن الشارع تدعو إلى تعميم الموسيقى ورسومات الغرافيتي في الساحات العامة وكثيرا ما ترعى نوادي الكتب هذه النشاطات أو تسهم في تنظيمها.

ويعود الفضل لنوادي الكتب في تقريب الشباب من بعضهم، والتمسك في الدفاع عن آرائهم، وأقوى دليل على ذلك، وقوف القراء إلى جانب الكاتب الشاب أيمن الدبوسي الذي تعرض إلى تهديد بالمحاكمة من قبل بعض أعوان مستشفى الأمراض العقلية بتونس. وقد نفذت نسخ الاصدار الأخير لأيمن الدبوسي "أخبار الرازي" من أجنحة معرض تونس الدولي للكتاب.

كانت مجالس الأدب من أهمّ معالم الحياة الاجتماعية في تاريخ الشعوب العربية، واليوم تعيد النوادي خلق فضاءات بديلة، بعد أن بدأ كلّ منها بقصة وحديث شيّق، تواصل فيه الناس مع بعضهم بفضل ولعهم وحبهم لكتاب.

رشيد الحسني

كاتب صحفي ومهتم بالنقد السينمائي والتشكيلي. باحث جامعي يعد رسالة تتعلق بالصحافة العربية في المهجر. عمل محررا بعدة مواقع الكترونية وترأس اقساما بصحف محلية ودولية. كما عمل مراسلا اذاعيا ومعدا لبرامج ثقافية تلفزيونية.

كلمات مفتاحية
الكتب والمكتبات

التعليقات

المقال التالي