صلاح الدين والدولة الموحدية في عيون ابن جبير الأندلسي

صلاح الدين والدولة الموحدية في عيون ابن جبير الأندلسي

كان من المتعارف عليه في العصور الوسيطة، أن الكثير من أهل المغرب والأندلس يقومون بالسفر إلى المشرق الإسلامي، وكان الهدف من تلك الرحلات هو أداء فريضة الحج في مكة، أو تلقي العلم والمعارف على يد كبار علماء المشرق في مصر والشام والعراق، بالإضافة لبعض الأهداف التجارية التي تتعلق بعمليات البيع والشراء.

وتعتبر رحلة ابن جبير الأندلسي واحدة من أهم الرحلات التي قام بها الأندلسيون إلى المشرق الإسلامي في القرن السادس الهجري (أي الثاني عشر الميلادي)، حيث حفظت لنا كتابات ومدونات ابن جبير وصفاً شافياً ماتعاً لما مر به من أحداث، وللأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي لمسها في المشرق إبان رحلته.

ولد الرحالة أبو الحسن محمد بن أحمد بن جبير الكناني المعروف باسم ابن جبير في مدينة بلنسية في الأندلس في عام 540هـ/ 1145م، وكان يعمل في بعض وظائف الكتابة والإدارة في مدينة غرناطة لحساب الدولة الموحدية، والسبب المباشر في رحلة ابن جبير بحسب ما يذكر هو في كتابه المعروف بـ"تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار"، هو أنه اقترف ذنب شرب الخمر في حضرة أمير غرناطة، فعزم على التوبة، وعلى أداء فريضة الحج؛ ليكفر عن ذنبه وآثامه.

غادر ابن جبير غرناطة في 19 شوال 578هـ/ 3 فبراير (شباط) 1183م، برفقة صديقه أحمد بن حسّان، وذهب إلى سبتة، ثمّ إلى الإسكندرية على متن سفينة تابعة لجنوة الإيطالية، حيث استغرقت رحلته البحرية شهرا للوصول إلى وجهتها عن طريق جزر سردينيا وصقلية وكريت.

والواقع أن الرحالة الأندلسي التائب لم يكتف بأداء فريضة الحج، بل إنه قد زار في رحلته الكثير من البلاد والأقاليم والأصقاع في المشرق الإسلامي، ومنها: مصر، والحجاز، والعراق، حيث سافر إلى بغداد والموصل، وبلاد الشام، وزار مدينتي حلب ودمشق، ثمّ وصل عكّار التي غادر من مينائها ليعود إلى الأندلس، على متن سفينة إيطالية، أيضاً من جنوة، في 10 رجب 580هـ/18 أكتوبر (تشرين الأول) 1184م.

وقد أقدم ابن جبير على رحلة ثانية (بعد قرابة خمس سنوات من رحلته هذه، ولكنه لم يترك لنا منها أية آثار مكتوبة. ثُمّ في عام 614هـ/1217م، عاد إلى الإسكندرية ليدرّس فيها، وهناك توفي في نفس العام.

من الموحدين لصلاح الدين

إذا ما التفتنا إلى التوصيفات التي أوردها ابن جبير لمشاهداته في المشرق، لوجدنا أن الظروف السياسية المحيطة به من جهة وأهوائه وقناعاته من جهة أخرى قد أثرت كثيرًا في كتاباته، وفي الكيفية التي تناول بها الواقع المحيط به.

فلما كان ابن جبير قبل قدومه إلى المشرق، يشغل أحد الوظائف المهمة عند الموحدين ملوك المغرب والأندلس، كان من الطبيعي أن يعلن في كتابه عن تأييده الكامل للدولة الموحدية، وأن ينتهز كل فرصة ممكنة ليمجدها ويبشر بها، فهو يقر في كتابه بوضوح بأنه "لا عدل، ولا حق، ولا دين، على وجهه، إلا عند الموحدين، أعزهم الله"، ويصفهم بأنهم "آخر أئمة العدل في الزمان، وكل من سواهم من الملوك في هذا الأوان فعلى غير الطريقة".

والظاهر أن ابن جبير كان قد تبادل مع بعض السكان في المناطق التي زارها، عددًا من الآراء السياسية بخصوص الدولة الموحدية، ومن ذلك أنه يذكر أن هناك بعض سكان البلاد المصرية قد أبلغه برغبته وأمنياته في أن تُضم مصر للسيادة الموحدية، وأن هناك استعدادًا عامًا لذلك من قبل الكثير من المصريين، حتى إن بعض الفقهاء قد "حبر خطبًا أعدها للقيام بها بين يدي سيدنا أمير المؤمنين"، والذي يقصد به ابن جبير، الخليفة الموحدي الموجود بمراكش.

ولم يكن ولاء ابن جبير السياسي مقتصراً على الخلفاء الموحدين المغاربة فقط، بل أنه كان يرى في سلطان مصر والشام صلاح الدين الأيوبي، نموذجًا واقعيًا للبطل المسلم المشرقي القوي الذي يستطيع أن ينهض بتبعات توحيد الأمة الإسلامية، وتجديد معالم قوتها وعنفوانها. فابن جبير، وبعد أن يذكر ما ذكره عن عدل ودين الموحدين، وأنه لا يوجد في زمانه من يماثلهم في ذلك، يعود بسرعة مستدركًا على حديثه فيقول "اللهم إلا هذا السلطان العادل صلاح الدين". وهو يفسر موقفه من صلاح الدين في موضع آخر من كتابه، فيصفه بأنه "لا يأوي لراحة، ولا يخلد إلى دعة، ولا يزال سرجه مجلسه".

كان نشاط صلاح الدين وقوته وجدته في قتال الصليبين إذاً، هي الأسباب التي دفعت ابن جبير لاتخاذه مثلًا وقدوة، خصوصًا وأن صلاح الدين في تلك الفترة كان قد استطاع أن يهزم جموع الصليبين في حطين في عام 583هـ/ 1187م، وأن يستعيد بيت المقدس من بين أيديهم.

أقوال جاهزة

شارك غردمن بلاد المشرق التي زارها مصر، شبه الجزيرة، العراق وبلاد الشام، كتب ابن جبير أشعاراً رقيقة عن حنينه لوطنه الأندلس.

شارك غردأصبحت كتابات ابن جبير عن رحلته مرجعاً للحجاج بعده، واعتمدها الكثير من الكتاب اللاحقين في وصف المدن التي زارها في المشرق.

والسبب الآخر الذي هيأ صلاح الدين ليكون النموذج السياسي الأمثل عند ابن جبير، هو العلاقات الدبلوماسية المتميزة التي ربطت ما بين عاهل الدولة الأيوبية من جهة والدولة الموحدية من جهة أخرى، حيث ساعدت تلك العلاقات الودية في تحرير ابن جبير من أصر التبعية القديمة للموحدين من ناحية، وجعل أمر استبدال مرجعيتهم السياسية بمرجعية صلاح الدين له صفة الشرعية والمنطقية من ناحية أخرى.

كيف تناول ابن جبير العباسيين والفاطميين؟

لما كان صلاح الدين ودولته يكتسبان صفتهما الشرعية الرسمية من الدولة العباسية وخليفتها الماكث بلا حول ولا قوة في بغداد، فقد كان لابد لابن جبير من أن يتعامل في وصفه للعباسيين بمنتهى الحرص والحذر، بحيث لا يبالغ ولا يفرط في تقديرهم ومدحهم، مما ينتج عنه قدحًا في مركزية الدولة الموحدية بالتبعية، وفي الوقت نفسه كان عليه ألا يتجاهلهم أو يتغافل عنهم بالكلية، وذلك حتى لا تسقط شرعية صلاح الدين التابع لهم اسمياً.

ومن هنا، فقد قام رحالتنا الأندلسي بحنكته المعهودة، بإمساك العصا من المنتصف، فنجده يترحم على الخلفاء العباسيين الذين يذكرهم، ومن ذلك ترحمه على الخليفة (المهدي العباسي) أثناء ذكره لبعض الأعمال الإنشائية التي قام بها في مكة.

كما أن الرحالة المغربي، عندما يذكر الخليفة العباسي الناصر لدين الله، وهو المعاصر له، فأنه يصفه بـ"الإمام العباسي" أو بـ"إمام المشرق"، كما أنه يترضى عليه في بعض الأحيان كذلك، وذلك دون أن يصفه بوصف الخليفة المطلق أو أمير المؤمنين.

وعندما يتطرق ابن جبير للحديث عن الدولة الفاطمية، فسرعان ما نجد أن هناك عددًا من العوامل التي تدفعه للإساءة إليها والتشكيك فيها، فالفاطميون كانوا أسلاف صلاح الدين في حكم مصر، وهم من الشيعة الإسماعيلية الذين يصرح ابن جبير بكرهه لهم، وينتهز كل فرصة ممكنة للتشنيع عليهم.

فلا غرابة إذاً في أن نجد ابن جبير في أحد مواضع كتابه يصف أهل البيت من أبناء علي وفاطمة بأنهم "قد ارتضى الله لهم الأخرة، ولم يرتض لهم الدنيا"، في إشارة لميوله السياسية الرافضة لحكم الشيعة عمومًا والفاطميين خصوصًا.

ولذلك فإن ابن جبير مثله مثل الكثير من المؤرخين الأيوبيين أو العباسيين، قد اتخذ موقف المشكك في صحة نسب الخلفاء الفاطميين، وكان يطلق عليهم اسم «العُبيديين» وهو الاسم الذي أطلق عليهم؛ لكونهم من أبناء «عُبيد الله المهدي» مؤسس الدولة الفاطمية في المغرب عام 297هـ / 910م.

ويجعل ابن جبير من القضاء على الدولة الفاطمية، واحدة من أهم مآثر وفضائل صلاح الدين، وهو يفصل ذلك ويبرره بالضرائب والمكوس الظالمة التي كانت تلك الدولة تفرضها على الحجاج والسكان.

وعين الرضا عن كل عيب كليلة

من الغريب أن ابن جبير الذي برر انقلاب صلاح الدين على الفاطميين لظلمهم وتعسفهم وجورهم في فرض وجباية الضرائب، هو نفسه الذي يروى في الكثير من المواضع من كتابه أخبار ما شاهده بنفسه من ظلم وعنف الجند الأيوبيين في جباية الضرائب، دون أن يربط تلك المشاهدات من جهة وشرعية الدولة الأيوبية ومسؤوليتها عن تلك الأفعال من جهة أخرى.

فابن جبير يروي ما تعرض له مع عدد من الحجيج المغاربة، أول نزولهم إلى الإسكندرية، حيث صعد جند السلطان إلى المركب وأرغموهم على دفع الزكاة والضرائب، وفتشوهم وعاملوهم معاملة مهينة، بحيث يصفها ابن جبير بأنه "موقف من الذل والخزي عظيم".

وهو يذكر أنه تعرض لموقف مشابه في مدن (أخميم، وقوص) أثناء اتجاهه لمكة بغرض أداء فريضة الحج، ولكن ابن جبير ــ بسبب انتماءاته المذهبية المؤيدة لصلاح الدين، يرفض الاعتراف بمسؤولية صلاح الدين عن تلك الأفعال والممارسات الشنيعة، ويلقى بها على كاهل الموظفين الحكوميين والجباه وقادة العسكر، فيقول "وهذه لا محالة من الأمور الملبس فيها على السلطان الكبير"، ويؤكد في موضع آخر أن صلاح الدين لو عرف بما يحدث، لأمر بقطعه كما أمر بقطع ما هو أعظم منه.

ويستطرد ابن جبير في وصف مآثر وخلال صلاح الدين، وأن حال المصريين في عهده "في نهاية من الترف واتساع الأحوال"، ويتوسع في ذكر الأعمال الإنشائية والخدمية والإصلاحية التي قام بها صلاح الدين، فيذكر إنشاء الحمامات والبيمارستانات، والإنفاق على المغاربة وأبناء السبيل، وتعيينه للأئمة في المساجد، وإجرائه للمرتبات عليهم، ورعايته للمرضى وللمجانين.

أنكر ابن جبير كل شر شاهده في مصر، وأسقطه وابتعد به عن صلاح الدين، ونسب كل خير لمسه في مصر لصلاح الدين، وجعله نتاجًا شرعيًا لسياسته الحميدة ومآثره العظيمة، فهل وقع ابن جبير أسيرًا لنزعته السياسية، وميله وتفضيله للعاهل الأيوبي الأول؟

ويصدق عليه هنا شعر الإمام الشافعي:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا

المصادر: تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار لابن جبير.

محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

التعليقات

المقال التالي